خلال التصعيد الخطابي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادات الإيرانية، والتي تصدرها التلويح باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، تصاعد في الطرف المقابل خطاب "الجهاد" ليس فقط من قبل قيادة النظام، وإنما في تصريحات بعض الوكلاء وعلى رأسهم "حزب الله" اللبناني و"كتائب حزب الله" العراقي عبر العمليات الانتحارية ضد القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، في ظل استمرار الحشد العسكري الأمريكي بسواحل الخليج وإعادة تموضع القوات المتواجدة بالمنطقة عبر إعلان الانسحاب من قاعدة عين الأسد في العراق وقاعدة التنف في سوريا.
وتأسيسًا على ما سبق: يتناول التحليل التالي تداعيات التصعيد العسكري المحتمل ضد إيران على وكلائها الإقليميين، بتحليل إستراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه تلك الفصائل، وقراءة تحركات الأخيرة ودورها في أجندة التصعيد.
ثنائية الاحتواء والحصار
على مدى العامين الماضيين منذ اندلاع الحرب على غزة، ترافقت التحركات الإسرائيلية والأمريكية لمواجهة إيران بتقليص فاعلية محورها الإقليمي الذي مثَّل عامل ضغط على الجهد العملياتي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما ظهر في استهداف الهيكل القيادي لـ"حزب الله" كمحور ارتكاز لشبكة الوكلاء الإقليميين وإطلاق الولايات المتحدة عملية "الراكب الخشن" ضد الحوثيين لتحييدهم بصورة مؤقتة عن مسار التصعيد، ووقف استهداف حركة الملاحة البحرية -باستثناء الهجمات ضد إسرائيل- وهو ما مهَّد لحرب الاثني عشر يومًا على إيران.
(*) ضغوط سياسية: يأتي "حزب الله" بالساحة اللبنانية على رأس المجموعات التي تواصل إسرائيل والولايات المتحدة إضعافها وإنهاكها عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، وبالتبعية اجتماعيًا، باستغلال الضغوط الداخلية على الحزب من أجل نزع سلاحه في عموم الأراضي اللبنانية، وربط التقدم في إعادة الإعمار للجنوب وإتمام الانسحاب الإسرائيلي من التلال الخمس بتسليم السلاح، ضمن عملية سياسية شاملة يشارك فيها وزراء الحزب في الحكومة اللبنانية قبيل انتخابات حاسمة من المقرر إجرائها في مايو 2026.
وفي العراق، ألقى التدخل الأمريكي في ملف ترشيح رئيس الوزراء ورفض مشاركة الفصائل الموالية لإيران في الحكومة المقبلة بظلاله على المشهد السياسي والنقاشات الجارية بشأن نزع سلاح الفصائل. ورغم عدم مشاركة الفصائل خلال حرب يونيو 2025 وانسحابها من دائرة التصعيد الإقليمي عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني، إلا أن المواد الدعائية للنظام الإيراني لوَّحت بتصعيد المواجهة عبر إدخال الفصائل العراقية في المواجهة، كما لعبت دورًا في الداخل الإيراني مؤخرًا، إذ رُصد 5000 عنصر من "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" ومنظمة "بدر" خلال توجههم إلى إيران؛ للمشاركة في مواجهة الاحتجاجات بمحافظات خوزستان ولورستان وبلوشستان خلال يناير الماضي.
(*) ضربات أمنية: لا يزال "حزب الله" اللبناني يتعرض لحملات قصف إسرائيلي ممنهجة لعرقلة جهود الحزب في إعادة ترميم قدراته من ترسانة الصواريخ والطائرات المُسيَّرة بما يبقيه خارج إطار أي تصعيد محتمل، ومع تضررها الكبير جراء الحرب، يبقى الحزب يمتلك قدرات عسكرية وخبرات عملياتية، فعلى صعيد الأسلحة تشير تقديرات إسرائيلية إلى وجود نحو 25 ألف صاروخ تتراوح بين متوسط وقصير المدى بينما تضرر الجانب الأكبر من الصواريخ بعيدة المدى، فيما يمتلك نحو 1000 مُسيَّرة انتحارية. وعلى صعيد أعداد المقاتلين تبالغ تلك التقديرات بالحديث عمّا بين 40 و50 ألفًا بجانب عدد مماثل في قوة الاحتياط، من بينهم قوة خاصة "الرضوان" بقوام 5000 فرد يتوزعون بين 3000 مقاتل و2000 بمهام إدارية ولوجستية، وتضررت بصورة خاصة الوحدات العاملة عبر الحدود مع سوريا نتيجة استهداف عناصرها بالقصف على المعابر وملاحقة القوات السورية لخلايا الحزب في الداخل.
(*) اختراق وضرب سلاسل التوريد: إلى جانب عمليات مكافحة التهريب البحري وعبر الحدود البرية، مثَّل اختراق سلاسل التوريد للجماعات المسلحة عاملًا رئيسيًا في استهدافها على غرار عمليات اختراق سلاسل توريد أجهزة الاتصالات اللاسلكية لحزب الله، خاصة مع تمتع بعضها باستقلالية مالية وتنوع في سلاسل التوريد بحيث لا تعتمد على مورد وحيد بجانب توطين بعض عمليات تصنيع الأسلحة محليًا للتغلب على عوائق انكشاف الممر البري عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
وعلى صعيد تتبع عمليات تهريب الأسلحة والمعدات مزدوجة الاستخدام، تشير مراكز بحثية أمريكية إلى أهمية تضييق الخناق على سلاسل توريد الحوثيين البرية والبحرية قبل أي معركة مقبلة مع الجماعة، وعدم الاكتفاء بمصادرة تلك الشحنات بحريًا، إذ يكشف تقرير خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن في أكتوبر 2025 عن تهريب محركات وأجهزة تحكم لطائرات مُسيَّرة وأنظمة لتحديد المواقع وأجهزة لاستقبال البيانات الملاحية وتحديد هوية السفن من الصين، عبر سلسلة واسعة من المستوردين المحليين تحت غطاء شحنات مدنية.
(*) تحييد شبكات التمويل: يأتي البعد المالي ضمن خطط مجابهة محور إيران من خلال التصدي لقنوات التمويل المباشر من إيران خاصة لـ"حزب الله" اللبناني وتعزيز جهود مراقبة المنافذ الجوية والبرية اللبنانية، وآخرها خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني لبيروت في يناير 2026، حيث منعت السلطات اللبنانية إدخال 4 حقائب برفقة عراقجي إلى البلاد وأعادتها إلى الطائرة حسب صحيفة الشرق الأوسط، ويرجِّح "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أنها كانت تحمل دعمًا ماليًا للحزب. كما عملت واشنطن على حظر وصول وكلاء إيران في العراق للدولار عبر القنوات المصرفية الرسمية من خلال حظر نحو 200 ألف بطاقة بنكية يستخدمها عناصر الفصائل.
وفرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكات تمويل لـ"حزب الله" والحوثيين على مدى الأشهر الماضية، إلا أنها تكثفت مؤخرًا لتضرب الأصول والمؤسسات المالية للجانبين عبر فرض عقوبات على شركة "جود" لتجارة الذهب التابعة لمؤسسة "القرض الحسن" والتي تعد الذراع المالي لـ"حزب الله"، وتمثل شركات الذهب التي أنشأها الحزب واعتمد عليها مطلع عام 2025 أدوات لتسييل احتياطياته من الذهب، بالنظر للتداعيات المالية الواسعة للحرب مع إسرائيل والتي حدَّت من قدرة "القرض الحسن" على تمويل التعويضات لأهل الجنوب المتضررين من جراء الحرب.
تداعيات محتملة
من خلال العرض السابق يتضح أن وكلاء إيران يواجهون ضغوطًا متعددة جراء التصعيد الإقليمي الذي خلفته عملية "طوفان الأقصى" والحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران، وبالتالي تجد تلك الفصائل نفسها أمام استحقاقات داخلية تفوق قدرتها على الالتزام الأيديولوجي تجاه نظام "الجمهورية الإسلامية"، فمن جهة يسارع كل من "حزب الله" اللبناني والفصائل العراقية لتأمين مظلة سياسية واجتماعية شرعية تحمي بقاء الوضع الراهن وتأجيل استحقاقات نزع السلاح والتركيز على توفير تعويضات مؤقتة لمدة 3 أشهر لنازحي الجنوب اللبناني؛ من أجل تأمين حضورها وهيمنتها الانتخابية في البيئة الشيعية مع حركة أمل، ومن جهة أخرى يسارع الحزب والحوثيون إلى تأمين سلاسل إمدادهما العسكرية وتعزيز قدراتهما التصنيعية وتنويع طرق ومسارات التهريب من أجل ترميم القدرات العسكرية لكلا الطرفين.
وبالنظر للاعتبارات السياسية الداخلية، يبدو الحوثيون أكثر استعدادًا لتحمل كلفة تصعيد جديد في حال تبلور توجه أمريكي لتصفية الجماعة رغم حالة الاستقرار النسبي في معسكر الشرعية اليمنية والتي تمثل عامل ضغط ميداني على الجماعة، بينما يبدو أن "حزب الله" في لحظة ضعف شديد قد تَحوُل دون انخراطه بصورة منضبطة ومنظمة في التصعيد في اللحظة الراهنة، وهو ما تؤكده أنباء مطالبة الحرس الثوري للحزب بالتدخل في مسار التصعيد الإسرائيلي الإيراني خلال حرب الاثني عشر يومًا.
وفي حالة الفصائل العراقية، يبدو أن تدخلها يشكل أمرًا حتميًا، لكن ذلك الانخراط قد يتخذ أنماطًا مختلفة تحقق قابلية الإنكار، مثل تشكيل خلايا ومجموعات مسلحة تنفذ أعمال تخريبية وانتحارية، وبالتالي تجنب إحراج الفصائل وممثليهم في الإطار التنسيقي خلال مرحلة دقيقة بالمشهد السياسي قد تفضي لحل البرلمان وإعادة الانتخابات، متأثرًا بالتصعيد المحتمل واختلال معادلة واشنطن-طهران القائمة منذ الغزو الأمريكي في 2003.
وإجمالًا؛ يمكن القول إن وكلاء إيران يحظون برؤية إستراتيجية واحدة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل تتمثل في احتواء وحصار تلك الميليشيات من أجل تحييد دورها في التصعيد وتقليص أوراق طهران التفاوضية. ومع استمرار تلك الفصائل في اكتساب قدرات عملياتية وتصنيعية بما يقلص نسبيًا من اعتمادها على الدعم المالي والعسكري الإيراني المباشر، تظل إستراتيجية الاحتواء قادرة على إضعاف تلك المكونات عبر تعزيز الفصل بينها وبالتالي تركيز الاهتمام على الشأن الداخلي حفاظًا على البقاء، مع تقديم مساهمات رمزية لخدمة الأيديولوجيا.