الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما حدود تأثير الصراع الحزبي في الكونجرس الأمريكي على التصعيد الراهن مع إيران؟

  • مشاركة :
post-title
علما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ مطلع عام 2026، واحدة من أخطر فترات التوتر منذ اتفاق النووي 2015، إذ تتداخل العوامل العسكرية، الدبلوماسية، والتنافس الداخلي الأمريكي في تشكيل مسار الأزمة. فإدارة ترامب في تصعيدها الراهن مع طهران، تتحرك ضمن ثلاث دوائر ضغط، هي: ضغط الكونجرس وتمويل العمليات العسكرية، ضغط الرأي العام الرافض لحرب جديدة، وضغط الحلفاء الإقليميين المطالبين بضمانات أمنية. على الجانب الآخر تراهن طهران على أن الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة سيقيد أي قرار بحرب شاملة، بينما تراهن الإدارة الأمريكية على أن الضغوط الاقتصادية ستجبر طهران على تقديم تنازلات قبل الوصول إلى عتبة مواجهة كبرى.

وفي ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة على هذه التساؤلات من خلال التركيز على النقاط الرئيسية التالية:

ماذا يتضمن الخطاب الحزبي الأمريكي تجاه التصعيد مع إيران؟

يُشكل الانقسام بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، الإطار الحاكم لأي قرار إستراتيجي يتعلق بإيران، خصوصًا في ظل التوازن الدقيق داخل الكونجرس الأمريكي. لذلك يتعين إدراك طبيعة الخطاب الذي يتبناه كل من الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة إزاء التصعيد الأمريكي مع إيران. ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

(*) خطاب الحزب الجمهوري تجاه التصعيد مع إيران: يمكن رصد تيارين رئيسيين داخل الحزب الجمهوري، هما: تيار يمكن وصفة بتيار "الردع الصارم" الذي يعتبر أن إيران لا تستجيب إلا لمنطق القوة. وكثير من قياداته يكررون مقولة مفادها أن "سياسة الاسترضاء جلبت مزيدًا من التخصيب والتوسع الإقليمي"، ويؤكدون أن أي مفاوضات يجب أن تُبنى على ضغط أقصى فعلي، لا رمزي. ويستخدم أنصار هذا التيار مفهوم "استعادة الردع" باعتباره أولوية عليا، خاصة بعد تصاعد الأنشطة الإيرانية في الإقليم. ويرى هذا التيار أن التهديد باستخدام القوة أو توجيه ضربات محدودة أداة تفاوض، وليس هدفًا بحد ذاته. أما التيار الآخر داخل الجمهوريين، فيمكن وصفه بتيار "الانكفاء النسبي" الذي يُحذر من حروب لا تنتهي في الشرق الأوسط بسبب التصعيد مع إيران، ويستند إلى مقولة أن أمن الحدود الأمريكية أولى من صراعات الخليج. وهذا التيار لا يتبنى خطابًا متسامحًا مع إيران، لكنه يعارض التورط العسكري المباشر واسع النطاق.

يؤدي هذا التناقض داخل الحزب الجمهوري بأي إدارة جمهورية أو حتى معارضة جمهورية، أن تتحرك بين ضغطين: إظهار الحزم، وتجنب حرب طويلة مكلفة.

(*) خطاب الحزب الديمقراطي تجاه التصعيد مع إيران: تختلف المعادلة داخل الحزب الديمقراطي، فهناك التيار المؤيد للاتفاق النووي الذي يرتكز على فكرة أن البديل عن الاتفاق هو التصعيد، وأن احتواء البرنامج النووي عبر آليات رقابة أفضل من غيابه بالكامل. يُستعاد في خطابهم مفهوم "الدبلوماسية المدعومة بالردع"، أي الجمع بين العقوبات والعودة لمسار تفاوضي. ويرى أنصار هذا التيار أن أي ضربة عسكرية واسعة قد توحد الداخل الإيراني وتُضعف الأصوات البرجماتية. ويوجد بين الديمقراطيين تيار آخر أكثر تشددًا تجاه إيران، إذ يعتبر مؤيدو هذا التيار أن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء النووية والإقليمية، وأن العودة إلى اتفاق مشابه لاتفاق 2015 دون تعديلات جوهرية ستكون مكافأة لسلوك مزعزع للاستقرار.

وبشكل عام، تُظهر الأزمات الكبرى مع الخارج دائمًا، صراع الكونجرس الأمريكي مع البيت الأبيض خاصة فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية. فالكونجرس يمتلك السلطة في إعلان الحرب والتقيد بميزانيات العمليات، ما يجعل أي قرار يُحتمل أن يؤدي إلى تصعيد عسكري كبير خاضعًا لمعارك حزبية داخلية حول المشروعية والمصلحة. في ظل الانقسام السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين، أو حتى داخل كل من الحزبين، توجد مواقف متباينة، الجمهوريون المتشددون يميلون نحو سياسة صلبة تجاه إيران وتهديدات قوية بل حتى قبول استخدام القوة، بينما أجنحة أخرى في الحزب أو الديمقراطيين تركز على مخاطر الحرب وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية.

مواطن التأثير

يلعب الصراع الحزبي في الكونجرس الأمريكي دورًا مهمًا في تحديد حدود الإجراءات الأمريكية لإدارة التصعيد الراهن مع إيران، سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية. ويمكن تحديد مواضع أو مواطن تأثير هذا الصراع الحزبي على المعالجة الأمريكية للتصعيد الحالي مع إيران فيما يلي:

(*) تأثير الانقسام الداخلي بين الحزبين الكبيرين على شرعية العمل العسكري الأمريكي ضد إيران: بعد الضربات العسكرية الأمريكية ضد منشآت نووية إيرانية، شهد الكونجرس انقسامًا حادًا بين مؤيدين يرون فيها حماية للأمن القومي، ومعارضين يرونها انتهاكًا للدستور وصلاحياته في إعلان الحرب، لأن الدستور يعطي الكونجرس وحده السلطة لإعلان الحرب أو الموافقة على استخدام القوة المسلحة.

هذا الانقسام يجعل بعض المواقف الحزبية تحاول تقييد صلاحيات الرئيس في التصعيد العسكري، مثل محاولة تمرير تشريعات تفرض قيودًا على تنفيذ ضربات إضافية دون موافقة تشريعية، التي باءت بالفشل أو واجهت رفضًا في مجلس الشيوخ أو النواب.

(*) ضغط الجمهور الأمريكي وتأثير ذلك على الانتخابات القادمة في الولايات المتحدة الأمريكية: لا تقتصر الخلافات الحزبية على السياسة الخارجية فقط، بل تمتد إلى حسابات الانتخابات النصفية ومناطق النفوذ الداخلي. فالانقسام الحزبي في الكونجرس يرتبط بتباينات في الرأي العام الأمريكي بشأن التصعيد مع إيران. فالبعض يدعم موقفًا قويًا ضد إيران، بينما آخرون يخشون من تورط الولايات المتحدة في حرب جديدة بالشرق الأوسط لما لها من تكلفة بشرية واقتصادية وسياسية. فمن شأن هذا الانقسام أن يجعل المشرعين في الكونجرس أكثر حذرًا في اتخاذ خطوات تصعيدية ضخمة خوفًا من ردود فعل انتخابية، خصوصًا في ظل استحقاقات انتخابية مقبلة.

كذلك، يتخوف بعض النواب من استغلال إدارة ترامب للأزمات الخارجية كوسيلة لصرف الانتباه عن القضايا الداخلية أو تحسين موقع سياسي، ما يزيد من توتر الخلاف مع البيت الأبيض، ويعيق تمرير تشريعات قد تدعم توسيع النزاع.

(*) تحقيق التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية في إدارة التصعيد مع إيران: يتجلى هذا التوازن في حالة اتخاذ الرئيس الأمريكي قرارًا بعمل عسكري ضد إيران، فإن الكونجرس يمكن أن يوجه نقدًا قويًا أو يفرض ضوابط على تمويل أو استمرار العمليات المرتبطة بهذا القرار، ما يقيد قدرة الإدارة على التحرك بحرية كاملة. هذا يخلق حالة من "التردد المحدود" في الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، ما قد يحد من التصعيد إلى مستويات محدودة بدلًا من حرب واسعة.

ما السيناريوهات المحتملة لتأثير التحركات الحزبية الأمريكية على إدارة التوتر الحالي مع إيران؟

(*) السيناريو الأول (نجاح الضغط الحزبي في استمرار تفاوض مشروط بين واشنطن وطهران): ينطلق هذا السيناريو من احتمال استمرار الضغط الحزبي وتقنين استخدام القوة في الكونجرس، مع رغبة في خفض مخاطر الحرب المكلفة. فقد حاول بعض أعضاء الكونجرس تقديم تشريعات لتقييد صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية دون موافقة تشريعية واضحة. وفي ظل هذا السيناريو، قد يتجه الطرفان نحو اتفاق نووي أطول أمد مع بنود مراقبة موسعة مقابل رفع جزئي للعقوبات، ما يوفر مساحة داخلية لأطياف سياسية أمريكية متشددة ومعتدلة للتسويق السياسي للإنجاز.

(*) السيناريو الثاني: نجاح التوافقات الحزبية في احتواء التصعيد مع إيران ليظل عند مستوى الاحتكاكات العسكرية محدودة: ينطلق هذا السيناريو من احتمال وجود بعض الأخطاء أو الاحتكاكات في مضيق هرمز أو اشتباكات مع وكلاء إقليميين إلى تصعيد محدود بين الولايات المتحدة وإيران، لكن دون دخول كامل في حرب إقليمية. ففي هذه الحالة، يبقى حدود القرار داخل واشنطن مرهون بتوافقات حزبية ولو جزئية لتفادي المواجهة الشاملة. ويدعم هذا السيناريو الطبيعة المزدوج للتوتر أو التصعيد الراهن بين واشنطن وطهران؛ فهناك تصعيد عسكري على الأرض "حشود وتدريبات"، ومحاولات دبلوماسية متباينة. فاستمرار الحوار النووي في جنيف يظهر رغبة مؤسسية لدى واشنطن وطهران في تفادي حرب شاملة، لكنه يتم في ظل تهديدات متبادلة ووجود عسكري مكثّف.

(*) السيناريو الثالث: استمرار الخلافات الحزبية داخل الكونجرس واشتعال حرب واسعة: إذا تفاقمت التهديدات المتبادلة بين واشنطن وإيران مع استمرار الخلافات داخل الكونجرس الأمريكية، قد تواجه الإدارة الأمريكية صعوبة في اتخاذ قرار حاسم كما قد يختار بعض الفاعلين الإقليميين تأزيم الوضع لتشتعل حرب واسعة بين الطرفين.

ويتضح ما سبق، أن استمرار هذا الصراع الداخلي قد يقود إلى سيناريوهات متعددة من اتفاق نووي موسع إلى احتكاكات محدودة أو حتى أزمة مفتوحة تبقى السيطرة عليها صعبة، لكن كل هذه السيناريوهات مرتبطة بلا شك بما إذا كان هناك إجماع أو على الأقل توافقات حزبية داخل الكونجرس تجاه إستراتيجية واضحة للتعامل مع إيران.

ختامًا، يمكن القول إن الصراع الحزبي في الكونجرس يُؤثر في التصعيد الراهن مع إيران، من خلال تقليص الحرية التنفيذية للرئيس دونالد ترامب في اتخاذ قرارات عسكرية واسعة، والاستناد إلى الشرعية الدستورية، وكذلك تحديد أولويات السياسة الخارجية وفق توازنات حزبية ورأي عام منقسم. هذا يجعل أي تصعيد إضافي محكومًا بتوافقات داخلية معقدة داخل النظام السياسي الأمريكي، ولا يقتصر فقط على التهديدات الإيرانية أو التحركات الإقليمية.

ويتوقف مستقبل التوتر الأمريكي الإيراني الراهن على ترابط معقد بين العوامل العسكرية على الأرض والشد السياسي الداخلي في واشنطن. فالصراع الحزبي في الكونجرس لا يعمل بمعزل عن الحسابات الإستراتيجية في الشرق الأوسط، بل هو عامل مركزي في تحديد حدود وأهداف السياسة الأمريكية تجاه طهران. ففي ظل هذه التفاعلات، يصبح التصعيد أو التهدئة ليسا مجرد نتائج لأحداث خارجية، بل منتجين لتوازن دقيق بين السلطة التنفيذية والرقابة التشريعية، والرؤية السياسية بين الأجنحة الحزبية الأمريكية.