مع ارتفاع صخب المفاوضات الأمريكية الإيرانية المصحوبة بالتحركات والحشد العسكري المتبادل، يتواصل حراك دبلوماسي متعدد الاتجاهات بين دول جوار إيران من جهة وكل من الولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى، وبالتزامن مع جولة خليجية لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، أجرى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جولة بجنوب القوقاز شملت أرمينيا وأذربيجان، بعد أيام من زيارة وزير الدفاع الإيراني عزيز نصر زادة إلى باكو في 6 فبراير 2026 التقى خلالها برئيس أذربيجان إلهام علييف.
ويثير التوتر الراهن بين الولايات المتحدة وإيران مخاوف دول الجوار بالنظر لطبيعة الجغرافيا الإيرانية مترامية الأطراف وتركيبتها الإثنية المتداخلة مع المحيط بحدود برية مباشرة مع 7 دول، تشمل تركمنستان وباكستان وأفغانستان إلى جانب أذربيجان وأرمينيا وتركيا والعراق، بالإضافة إلى دول الخليج العربي التي تربطها بطهران نزاعات حدودية وحقول نفط وغاز متنازع عليها وأخرى تعزز ترابط المصالح على جانبي الخليج على غرار حقل الشمال القطري (حقل بارس الجنوبي في إيران).
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي التداعيات المحتملة لأي تصعيد عسكري للأزمة الإيرانية على دول الجوار على الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية.
محددات موقف الجوار
أعلنت دول الجوار رفضها الانخراط في أي تصعيد ضد إيران، رغم اختلاف موقع تلك الدول وعلاقاتها مع النظام الإيراني، وتمثلت تلك المواقف على النحو التالي:
(*) إعلان الحياد: رغم العلاقات المتوترة والتي ظهرت في العديد من المواقف بين باكو وطهران، أكد الرئيس الأذري إلهام علييف استعداد بلاده للمساهمة في خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حسبما نقلت وكالتي "أذرتاج" و"إرنا" الرسميتين عن علييف خلال محادثاته مع وزير الدفاع الإيراني عزيز نصر زادة في 6 فبراير 2026.
ومع دلالة وطبيعة الوفد الإيراني لباكو في ذلك التوقيت يتضح حجم المخاوف لدى طهران من انخراط أذربيجان عسكريًا أو لوجستيًا في أي هجوم يستهدفها، وهو ما أكدته تغطية صحيفة "طهران تايمز" باللغة الإنجليزية التي أشارت إلى أن علييف قدم "ضمانة أمنية" أن بلاده "لن تسمح بتوجيه أي تهديد من أراضيها لجمهورية إيران الإسلامية"، بينما تشهد باكو في الوقت ذاته تعزيزًا للتعاون والشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة على خلفية زيارة نائب الرئيس جيه دي فانس بشأن تطوير ممر ترامب للسلام والازدهار. كما تظل مواقف أرمينيا وتركمنستان وأفغانستان أقل بروزًا رغم الارتدادات الواسعة لأي تصعيد على أمن الحدود في تلك الدول.
(*) تخفيف التوتر: عملت دول الجوار على إظهار حسن النوايا تجاه طهران من خلال العديد من الإجراءات للمساهمة في خفض التوتر وتعزيز الثقة المتبادلة مع طهران، وعلى رأس تلك التوجهات تأكيد التضامن مع إيران وعدم استخدام أراضيها أو أجوائها عسكريًا ولوجيستيًا في أي هجوم ضد طهران وعلى رأس هذه الدول المملكة العربية السعودية خلال اتصال هاتفي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس مسعود بزشكيان، وكذلك إعلان الخارجية الإماراتية بعدم استخدام مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها الإقليمية في أي عمل عسكري يستهدف إيران، ردًا على تقارير إعلامية إسرائيلية زعمت توفير الإمارات والأردن دعمًا لوجيستيًا لضربة محتملة ضد إيران.
وبدرجات متفاوتة، تقوم باكستان والعراق بجهود دبلوماسية متوازنة رفضًا لأي تصعيد عسكري قد يؤثر على أمن البلدين وتخوفاتهما من الدور الإسرائيلي في تصعيد التوتر، فضلًا عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة والتي تفرض قدرًا من التوازن على تحركات إسلام أباد وبغداد بين الجانبين.
(*) الوساطة: لعبت دول الجوار دورًا أكبر في جهود خفض التصعيد عبر بذل جهود الوساطة وطرح أفكار ورؤى لحلحلة أزمة الملف النووي بترحيب من الطرفين مثل عُمان والسعودية وقطر وتركيا إلى جانب مصر، وهو ما يظهر في حرص طهران على مباركة وجود جبهة إقليمية لموازنة الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية، عبر الاتصالات الدورية لإطلاع الشركاء الإقليميين على سير المحادثات والزيارات ذات الطابع الدبلوماسي لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ووزير الخارجية عباس عراقجي للعواصم الإقليمية؛ لمواصلة المشاورات بشأن مسار المفاوضات المعقد مع الجانب الأمريكي.
ارتدادات التصعيد
مع احتمالية تصعيد الأزمة وصولًا إلى صدام عسكري واسع النطاق، تتخوف دول الجوار من ارتدادات محسوبة جراء تعهد النظام برد فعل قوي على الصعيد الإقليمي، أو نتيجة ضعف سلطته في مناطق معينة قد تغري دول مجاورة أو جماعات معارضة مسلحة للتدخل في المناطق الحدودية التي تضم حواضن عرقية لها.
(&) موجات اللجوء: إلى جانب التراجع الحاد في مستويات معيشة الإيرانيين عمومًا، تمثل موجات اللجوء المحتملة زلزالًا يهدد أمن دول الجوار واستقرارها الاقتصادي، وتأتي تركيا في مقدمة دول العبور للاجئين وتعد وجهة مفضلة للاجئين من أفغانستان نتيجة التقارب الثقافي والديني من جهة، ووجود اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي لمنع عبورهم إلى القارة العجوز خاصة مع صعود اليمين المتطرف ونتيجة للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب الروسية الأوكرانية على أمن القارة.
وبحسب تقديرات بحثية، يوجد نحو 3.8 مليون أفغاني في إيران، ومن المحتمل أن يتوجه القسم الأكبر منهم إلى تركيا نظرًا للنسبة الكبيرة من المهاجرين غير النظاميين من الجنسية الأفغانية والتي بلغت نسبة 27.6% في 2025 بواقع 42000 من إجمالي 152000 مهاجرًا، حسب بيانات وكالة الهجرة التركية.
ومن المحتمل أن ترتفع أعداد طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين من الأفغان والإيرانيين الباحثين عن فرص عمل في المراكز الحضرية الكبرى بغرب البلاد، وهو ما يدفع بالإعلام التركي طرح فكرة إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي الإيرانية حال التصعيد، على غرار التدخل التركي في شمال سوريا خلال أزمة النزاع الأهلي والتي تلقي بظلالها على الاقتصاد والسلام الاجتماعي التركي بوجود 2.3 مليون لاجئ سوري.
وتتوزع التأثيرات على باقي دول الجوار بأوزان متفاوتة، إذ ترتبط أرمينيا بجالية تقدر أعدادها بنحو 100 ألف، بينما تحتل الأقلية الأذرية المرتبة الثانية في إيران كأكبر مجموعة عرقية بعد الفرس ويتجاوز عددها سكان دولة أذربيجان بتقديرات تتراوح بين 10 و25 مليون نسمة تمتد من شمال غرب البلاد وحتى العاصمة طهران، وهو ما سيفرض أعباءً اقتصادية وأمنية كبرى على دولة بحجم أذربيجان.
(&) تصاعد التهديدات والمصاعب الأمنية: في حال تعرض النظام لضربات مدمرة سيلجأ لتفعيل سلاح الجهاد بنسختيه السنية والشيعية ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية حول العالم وخاصة في دول الجوار التي تشهد اضطرابات أو حالات سيولة أمنية أو تلك التي تشهد تحالفًا مع التنظيمات الإرهابية على غرار علاقة تنظيم "القاعدة" الإرهابي مع كل من إيران التي تحتضن قيادة التنظيم، وحكومة طالبان في أفغانستان التي تؤوي عناصر التنظيم على أراضيها. كما يمثل دعم بعض دول الجوار لجماعات مسلحة انفصالية تهديدًا إضافيًا لأمن واستقرار المنطقة.
وتبقى باكستان في حالة ترقب حذر لإمكانية ضعف إيران لما له من تداعيات أمنية وإستراتيجية على أمنها، وهو ما دفع لتقارب ملحوظ في العام الماضي عقب موجة تصعيد حدودية. ويفرض التراجع النسبي لإيران حضورًا أكبر في توازن القوى الإقليمي بالشرق الأوسط، إلى جانب تصعيد التوترات السياسية والأمنية بالداخل في وجود أقلية شيعية تبلغ نحو 50 مليون نسمة وتصاعد التفجيرات الإرهابية.
وفيما يمثل حضور التهديد الأمريكي إحياءً لأجندة تنظيم "القاعدة"، قد يضطر التنظيم لإيجاد ملاذات آمنة أخرى لقيادته بين ساحات وجوده مثل أفغانستان وساحات بديلة كالعراق، الذي يظل تحت وطأة الصراع الأمريكي الإيراني من جهة، ومحاولة التنظيمات الإرهابية إعادة التموضع على أراضيه من جهة أخرى، خاصة مع نقل نحو 5700 من سجناء تنظيم "داعش" الإرهابي من سوريا إلى أراضيه، في ظل وجود خلايا نائمة للتنظيم.
وعلى الرغم من اللغة الحذرة على الصعيد الرسمي، تحتفظ باكو بدعم الأقلية الأذرية إعلاميًا وشعبيًا، خاصة تلك المطالبة بتوحيد أذربيجان واستعادة "أذربيجان الجنوبية"، وهو ما ظهر في سماح السلطات بإقامة تظاهرات أمام السفارة الإيرانية في باكو خلال موجه المظاهرات الأخيرة في كل المحافظات الإيرانية.
ومع الحرب الإسرائيلية الإيرانية والتدخل الأمريكي في يونيو 2025 استعادت الحركات المنادية بحقوق الأذريين الإيرانيين حضورها الإعلامي رغم عدم وجود تأثيرات ملحوظة على الأرض، وفي حال بروز اضطرابات في المحافظات ذات الأغلبية الأذرية ستعزز باكو اتصالاتها مع الفاعلين على الأرض مع محاولة الدفع بالفاعلين المعارضين للتنسيق والسيطرة على الوضع ميدانيًا وفرض مناطق عازلة وتجنب موجات نزوح واسعة للعمق الأذري، نظرًا لما قد يثيره ذلك السيناريو من مخاوف امتداد التمرد للداخل.
(&) اضطرابات اقتصادية وتجارية: تمتلك إيران مكانة جيواقتصادية مهمة لجيرانها رغم ضعف حجم التجارة البينية معها، ومن أبرز عوامل تلك المكانة الجغرافيا الإيرانية الممتدة بين الشرق الأوسط ووسط آسيا وروسيا، وانعكست تلك الجغرافيا في اعتبارها ممر إستراتيجي يربط تركيا وأذربيجان بدول العالم التركي في وسط آسيا من جهة وتعد شريانًا تجاريًا حيويًا لدول جنوب القوقاز، كما تقع على امتداد مشروعات التكامل الاقتصادي الكبرى وعلى رأسها الحزام والطريق الصيني، وممر شمال-جنوب الرابط بين الهند جنوبًا وروسيا شمالًا، وتتيح إطلالتها على مضيق هرمز والرابط بين الخليج العربي من جهة والمحيط الهندي وبحر العرب من جهة أخرى التأثير على تدفقات الطاقة العالمية والتجارة البحرية في المنطقة.
وتشمل الاضطرابات المحتملة المباشرة في سوق الطاقة العالمية جراء تأثر الملاحة بمضيق هرمز عبر زرع الألغام البحرية وتنفيذ عمليات قرصنة بحرية، في تذبذب أسعار الطاقة وفقدان نحو 7% من إنتاج النفط عالميًا بواقع 7.1 مليون برميل يوميًا تصدرها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة عبر المضيق، إلى جانب قدرات إضافية لزيادة الإنتاج بقيمة 2.6 مليون برميل يوميًا تمثل جانبًا من فائض قدرات الإنتاج التي تستخدمها دول الخليج ومنظمة أوبك لضمان استقرار أسواق الطاقة.
وعلى الصعيد التجاري تظل تركيا من أبرز القوى الإقليمية المتضررة من احتمال تعرض إيران لضربة عسكرية، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري نحو 5.7 مليار دولار، فضلًا عن مشروع خط "مرند-شيشمة-سوراية marand-cheshmeh-soraya" الحديدي الذي اتفقت طهران وأنقرة على تنفيذه في نوفمبر الماضي باستثمارات تقدر بنحو 1.6 مليار دولار. وعلى الصعيد الداخلي يؤدي اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي الإيراني والذي يمثل نحو 10% من إجمالي الاستهلاك المحلي التركي لارتفاع مستويات التضخم الذي بلغ 31% بداية العام الجاري.
وإجمالًا؛ يمثل ضعف مؤسسات الدولة الإيرانية وتراخي قبضتها على المناطق الحدودية أو توظيف قدراتها غير المتماثلة في توجيه ضربات انتقامية ضد خصومها وأعدائها ردًا على ضربات عسكرية مركزة، تهديدًا لدول جوار إيران على الأصعدة الأمنية والاقتصادية والسياسية، فضلًا عن حالة عدم اليقين بشأن مصير الدولة الإيرانية.