الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تنظر الصين للتقارب الأمريكي الروسي؟

  • مشاركة :
post-title
رؤساء الصين وروسيا والولايات المتحدة

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

تلفت التحركات الأمريكية تجاه روسيا الأنظار لموقف الصين من التقارب بين واشنطن وموسكو ومدى صلابة التفاهمات بين الجانبين وتأثيرها على الشراكة الصينية الروسية ومكانة الصين الدولية، في ظل تحول الاهتمام الأمريكي باتجاه بكين، خاصة في ظل تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، 26 فبراير 2025، بأن التقارب مع روسيا يهدف لفصلها عن الصين ومنع تحالف الجارين النوويين ضد الولايات المتحدة.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي الرؤية الصينية للتقارب الأمريكي الروسي وتأثيرها على مصالح بكين وموقعها في النظام الدولي ومستقبل العلاقات بين الأقطاب الثلاثة.

أربعة محددات

يمكن الوقوف على محددات الموقف الصيني من تقارب روسيا والولايات المتحدة على النحو التالي:

(*) العلاقات الروسية الصينية: تبدي إدارة ترامب قلقها من أي تحالف استراتيجي بين القوتين النوويتين المناوئتين، وأظهرت الإدارة الجديدة توجهًا لفك الارتباط بين خصومها الدوليين والتحذير من وجود تحالف جيوسياسي قيد التشكل بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، إذ أشار وزير الخارجية ماركو روبيو، في حديثه لصحيفة برايتبارت المحافظة، 25 فبراير 2025، أن سياسة ترامب لحل الصراع بأوكرانيا تهدف لفصل موسكو عن بكين.

العلاقات الاقتصادية الروسية الصينية

ومنذ إعلان الشراكة الاستراتيجية بلا حدود، 4 فبراير 2022، على هامش حضور بوتين دورة بكين للألعاب الأولمبية الشتوية، تعزز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، التي بلغت في 2024 نحو 244.8 مليار دولار، تستحوذ الصادرات الروسية بما فيها النفط والمواد الخام الحصة الأكبر بواقع 129.3 مليار دولار، بينما ارتفعت حصة الصادرات الصينية بنسبة 4.1%، خلال العام الماضي، بنحو 115.5 مليار دولار مدفوعة بصادرات الإلكترونيات والسيارات والكيماويات، حسب بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية.

ومع تأكيد البلدين عمق الصداقة الروسية الصينية وعدم تأثرها بتدخلات أطراف ثالثة، تكثفت المحادثات بين مسؤولي البلدين، منذ يناير الماضي، وفي 21 يناير 2025 أجرى الرئيس الصيني شي جين بينج، اتصالًا عبر الفيديو مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لتعزيز التنسيق في مواجهة "الوضع الدولي المضطرب"، وبحسب وسائل الإعلام الصيني أشار الرئيس شي إلى أن بكين وموسكو تحركتا "يدًا بيد على الطريق الصحيح القائم على عدم الانحياز وعدم المواجهة وعدم استهداف أي طرف ثالث".

وفي المقابل بادر الرئيس الروسي بمهاتفة نظيره الصيني، 24 فبراير 2025، في الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في أوكرانيا لاطلاع شي جين بينج على الاتصالات مع الجانب الأمريكي، قبل أيام من زيارة سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرجي شويجو لبكين، 28 فبراير الماضي، الذي أكدت لقاءاته مع الرئيس شي وكبير الدبلوماسيين الصينيين، أهمية التنسيق الوثيق على الصعيدين الإقليمي والدولي وأهمية "مواصلة الجهود الدبلوماسية من أجل حل الأزمة الأوكرانية".

(*) الأمن الأوروبي: تقدم الرؤية الأمريكية لحل الصراع في أوكرانيا اقترابًا مختلفًا لديناميات منظومة الأمن الأوروبي تكون فيها روسيا فاعلًا رئيسيًا في مواجهة القوى الأوروبية الأخرى، مع انخراط أقل للولايات المتحدة في القارة الأوروبية، وهو ما قد يمهد لتسوية أشمل في مساحات أخرى من بينها تقاسم النفوذ في العديد من المناطق وأهمها القطب الشمالي.

وعلى الرغم من الفرص التي يقدمها انتصار موسكو في الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو الصين أمام معضلة كبرى في مشهد اليوم التالي للحرب بين مواصلة الانحياز إلى روسيا أو استغلال التباين الغربي الراهن من أجل استعادة مسار التقارب مع الاتحاد الأوروبي ولعب دور في التسوية الأوكرانية المنتظرة، باعتبارها الوسيط الأكثر موثوقية على الساحة الدولية، وهو ما يعتمد على درجة انفتاح الصين واستعدادها للعب دور أكبر في محاولة لملء الفراغ الأمريكي والاستجابة لمطالب بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب بالعمل مع الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم روسيا وأوروبا المستقلة استراتيجيًا عن الولايات المتحدة، إذ أشار كبير الدبلوماسيين الصينيين وانج يي، خلال مشاركته بمؤتمر ميونخ للأمن، فبراير 2025، إلى أن أوروبا "قطبًا دوليًا مهمًا في العالم المتعدد الأقطاب"، وأن بلاده "على استعداد للعمل مع الجانب الأوروبي لتوجيه العالم نحو مستقبل مشرق من السلام والأمن"، وربما يأتي الاقتراب الصيني الحذر من صعوبة التنبؤ بمدى استدامة أي صيغة للسلام لا تقبل بها جميع الأطراف المنخرطة في الصراع بما فيها أوكرانيا والقوى الأوروبية الأخرى.

احتياطي العناصر الأرضية النادرة

(*) الاقتصاد والطاقة: يمثل الاقتراب الأمريكي لحل الصراع في أوكرانيا تحديًا اقتصاديًا رئيسيًا لنفوذ الصين من خلال التركيز على المصالح الاقتصادية والتجارية، خاصة فيما يتعلق بمخزون المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة في منطقة الصراع، إذ تحتل الصين المرتبة الأولى عالميًا في مخزون المعادن الأرضية النادرة بنحو 44 مليون طن متري، كما تتصدر قائمة الدول المنتجة لتلك العناصر بنحو 270 ألف طن متري في 2024، واستخدمت الصين حظر تصدير بعض تلك العناصر "الجاليوم والجيرمانيوم والأنتيمون والتيلرويوم والإنديوم والتنجستين والبييموث والموليبدنيوم" في خضم القيود الأمريكية المفروضة على وصول الصين للرقائق الإلكترونية المتقدمة في عهد بايدن.

وفي المقابل تتطلع الولايات المتحدة لتعزيز سلاسل توريد تلك العناصر الحيوية لضمان استمرار التفوق العسكري والاقتصادي الأمريكي، من خلال البوابة الروسية، إذ أبدى الرئيس فلاديمير بوتين، انفتاحه على توفير وصول واشنطن لسوق المعادن الأرضية لبلاده، التي تأتي في المرتبة الخامسة عالميًا بواقع 3.8 مليون طن متري، إلى جانب مساعي توقيع اتفاق المعادن مع أوكرانيا، التي تمتلك نحو 5% من المخزون العالمي للمواد الخام الحيوية حسب تقديرات كييف، من بينها نحو 20 نوعًا من المعادن الحيوية للأمن القومي الأمريكي وتشمل الليثيوم والتيتانيوم والجرافيت واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي يقع جزء كبير منها في مناطق وسط وشرق البلاد ويخضع بعضها للسيطرة الروسية.

توزيع المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة في أوكرانيا - وول ستريت جورنال

وعلى صعيد المشروعات الجيواقتصادية الكبرى، قد يؤثر التوجه الأمريكي لإيجاد بدائل عن مشروع الحزام والطريق الصيني، على مسار العلاقات الروسية الأمريكية الصينية بهدف خلق مسارات اقتصادية بديلة تقلص من أهمية مشروع البنية التحتية الكوني الصيني وتعزز الشقاق بين بكين وشركائها الآسيويين وفي مقدمتهم روسيا، على غرار مشروع الممر الاقتصادي "الهند-الشرق الأوسط-أوروبا"، ومشروع "شمال-جنوب" بين روسيا والهند وإيران وبعض دول آسيا الوسطى.

(*) قضايا الاستقرار الاستراتيجي: يُسهم التقارب مع الولايات المتحدة في دعم موقع روسيا كقوة عالمية تحظى بنوع من الاستقلال عن الصين وقادرة على لعب العديد من الأدوار على صعيد خفض التوترات الأمنية والجيوسياسية الدولية وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، إذ عرضت موسكو التوسط في محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران وهو ما يفتح الطريق أمام اتفاقات أشمل في مجال التحكم ومنع الانتشار النووي في سياق الاتفاقات الثنائية وقد يشمل دورًا مماثلًا للتوسط في أي محادثات مستقبلية بشأن كوريا الشمالية.

ويعزز الموقف الروسي الدور المبادر في توثيق العلاقات مع القوى الخاضعة للعقوبات الأمريكية والغربية، وفي 17 يناير 2025 عقدت موسكو وطهران اتفاقًا للشراكة الاستراتيجية لمدة 20 عامًا قبل أيام من تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية التعاون الدفاعي الملحوظ بين الجانبين في توريد المسيرات "الصواريخ الباليستية حسب الرواية الغربية" من إيران مقابل تسليم مقاتلات "سوخوي 35" التي أعلنت طهران مؤخرًا امتلاكها دون الإفصاح عن أعدادها.

ووثقت روسيا علاقاتها مع كوريا الشمالية في أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا بتوقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية، 18 يونيو 2024، وسط تنامي الدعم العسكري واللوجيستي من بيونج يانج للمجهود الحربي الروسي في ميدان المعارك.

وعلى الجانب الآخر قد يعزز ذلك التوجه من موقف الصين في قضية تايوان وغيرها من النزاعات الإقليمية في بحري الصين الجنوبي والشرقي، ناهيك عن تعزيز التنسيق الاستراتيجي طويل الأمد مع روسيا في مناطق المحيطين والقطب الشمالي وآسيا الوسطى والوضع في شبه الجزيرة الكورية، خلافًا لتوجهات إدارة ترامب بفك ارتباط القطبين النوويين.

مستقبل العلاقات

قياسًا على نهج دونالد ترامب في إدارة العلاقات مع الحلفاء والخصوم، مع الأخذ في الاعتبار الأفق الزمني المحدود للرئيس الأمريكي في تنفيذ أجندته، يمكن القول إن مستقبل العلاقات بين القوى الثلاث ينطوي على أحد السيناريوهين التاليين:

الدبلوماسية الثلاثية: ويقوم هذا السيناريو على مسار ثلاثي لإدارة العلاقات بين القوى الكبرى لضمان قيادة فعّالة للمنظومة العالمية وحل النزاعات الدولية ومعالجة قضايا الاستقرار الاستراتيجي وقضايا التجارة الثنائية في إطار اتفاقيات وتفاهمات رسمية. ويدعم ذلك الاهتمام الترامبي المفرط بنصف الكرة الغربي وتقييد دور الاتحاد الأوروبي الذي ينتقده الرئيس الأمريكي بشدة ويعتبره عدوًا، علاوة على صعوبة تحقيق الفصل الكامل بين روسيا والصين بمدى زمني قصير، في ظل تقلب سياسات الولايات المتحدة تجاه منافسيها الاستراتيجيين باختلاف سياسات ساكن البيت الأبيض.

وعلى الجانب الآخر؛ يمثل الانفتاح الأمريكي المفاجئ ضمانة لروسيا بالتقاط أنفاسها جراء الحرب وتقليص الاعتماد الاقتصادي الحرج على الصين في ظل التحديات الديمغرافية والجيوسياسية التي يفرضها تعاظم نفوذ بكين، دون فك الارتباط الكامل بين الجانبين الذين يتشاركان حدودًا مشتركة تقدر بنحو 4200 كم.

وقد تستغل الصين ذلك السيناريو على المدى البعيد لتثبيت حضورها ونفوذها في أوروبا وتعزيز فرص التوصل لتسوية سياسية عادلة ومستدامة للأزمة الأوكرانية وتقليل مخاطر اندلاع صراع جديد في القارة العجوز بالعمل مع الشركاء الأمريكيين والروس والأوروبيين، إلى جانب اتباع الصين سياسة خارجية ثابتة وقابلة للتنبؤ وتمتلك خبرات متراكمة من الصراع الدائر في أوروبا ورغبتها في عدم التحالف مع أي طرف ضد طرف آخر في إطار رفضها لـ"عقلية الحرب الباردة".

فك الارتباط: وفيه يتعزز الانقسام العالمي بين كتلتين على غرار حقبة الحرب البادرة، إما عبر نجاح مساعي الولايات المتحدة لفصل روسيا عن الصين - خلافًا للمسار الذي اتخذته علاقات الولايات المتحدة مع الصين الشعبية لفك ارتباطها عن الاتحاد السوفييتي في إطار الحرب الباردة - من خلال تقاسم النفوذ في أوروبا والقطب الشمالي، أو بتعميق التحالف العسكري والأمني بين موسكو وبكين من جهة في مواجهة واشنطن والقوى الغربية من جهة أخرى، بالتوازي مع اتساع نطاق الحرب التجارية وتهديد وحدة النظام الاقتصادي العالمي.

وإجمالًا؛ رغم تطلعه لإحداث تغييرات جذرية في واشنطن والعالم، يشير صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتوجهات سياسته الخارجية إلى تحولات جوهرية في إدارة المنظومة الدولية تُمثل تحقيقًا لنبوءة لطالما روجت لها روسيا والصين بميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، تزامنًا مع غياب استراتيجية أمريكية كبرى، منذ صعود دونالد ترامب في 2017.

وخلافًا للدبلوماسية الثلاثية التي قامت على فك الارتباط بين الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، قد تتجه العلاقات بين الأقطاب الثلاث الكبرى روسيا والصين والولايات المتحدة إلى نموذج جديد من "الدبلوماسية الثلاثية"، في إطار تنسيق روسي صيني قد يتعاظم تدريجيًا حال انشغال الجانب الأمريكي بالملفات الداخلية، وهو ما يعزز مكتسبات بكين في استعادة زخم النفوذ الصيني في الفضاء الأوراسي، فانسحاب الولايات المتحدة أو تقليص انخراطها في أوروبا لا يترك مجالًا واسعًا لروسيا في تقويض الاعتماد الحرج على الصين على صعيد العلاقات الثنائية أو الترتيبات الأوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي.