لا يزال ملف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني يراوح التصريحات الإيجابية الحذرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، مع تصاعد المخاوف بشأن العودة للحرب الإسرائيلية الإيرانية التي تبدو مرجَّحة في سياق استمرار التعثر الدبلوماسي الحالي.
وبينما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 نوفمبر 2025، إلى أن إيران تسعى لرفع العقوبات الأمريكية عليها، معربًا عن انفتاحه لبحث رفع العقوبات الواسعة كما يبدو كورقة تفاوض رابحة في يد واشنطن للضغط على طهران من أجل الوصول لاتفاق.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي فرص العودة لمفاوضات أمريكية إيرانية بشأن التوصل لاتفاق ونقاط التفاهم والاختلاف بين الجانبين إلى جانب الظروف والتحديات المحيطة بذلك الملف.
رسائل حذرة
أقدمت إيران والولايات المتحدة على إيصال رسائل بالانفتاح على التفاوض والتوصل لاتفاق بشأن الملف النووي، إلا أن تلك الرسائل لم تخلُ من الحذر والتشكك من إمكانية التوصل لتسوية في الأمد القريب.
(*) رسائل غير مباشرة: تبدو الثقة بين الجانبين الأمريكي والإيراني في أدنى مستوياتها منذ الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الثلاث في أصفهان ونطنز وفوردو في 23 يونيو 2025، إذ تشير تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن بلاده تتبادل الرسائل مع واشنطن عبر أطراف ثالثة، بينما تصر طهران على نهج المحادثات غير المباشرة مع واشنطن ما لم تتغير سياسات الأخيرة تجاهها.
وتسعى طهران لاستنساخ -إن لم يكن تحسين شروط- تجربة اتفاق 2015 الذي انحصر في الشأن النووي لمنع طهران من تصنيع سلاح نووي ووضع قيود على قدرات ووسائل إيصال السلاح وخاصة برنامج الصواريخ الباليستية، ولم يتطرق إلى ملف النفوذ الإقليمي ممثَّلًا في دعم الفصائل المسلحة في لبنان واليمن والعراق.
كما ترغب إيران في الحصول على ضمانات مسبقة تشمل عدم انخراط الولايات المتحدة في أي تصعيد إسرائيلي تتحسب طهران لحتمية وقوعه قريبًا، إلى جانب تخلي واشنطن عن الدفاع عنها عبر قواعدها المنتشرة بالمنطقة في محيط إسرائيل وبالتالي ردع أي عدوان إسرائيلي عبر تعظيم رد الفعل الإيراني في غياب الدفاعات الأمريكية.
ورغم صعوبة تحقيق ذلك، قال المرشد الأعلى علي خامنئي في 3 نوفمبر 2025 إن التعاون بين بلاده والولايات المتحدة غير ممكن طالما احتفظت الأخيرة بقواعد في المنطقة واستمرت بدعم إسرائيل.
(*) تفاوض تحت الزناد: تحاول الولايات المتحدة فرض المزيد من التكاليف على إيران من أجل إرغامها على توقيع اتفاق وفق سقف المطالب الإسرائيلية والغربية، بينما تحذر دول الجوار العربي من خطورة التصعيد ضد طهران رغم التحديات التي واجهتها الأخيرة في أعقاب التصعيد الإقليمي إبان حرب غزة، والذي طال جانبًا من قوة محورها الإقليمي إلى جانب تأثيرات الحرب مع إسرائيل والأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة جراء العقوبات الاقتصادية وارتدادات التغير المناخي، التي تتمثل في نقص المياه والكهرباء والدعوة لإخلاء العاصمة طهران.
وعلى الجانب الآخر، عززت إيران من جهود الاستعداد لتصعيد قادم منذ انتهاء حرب الـ12 يومًا وصولًا لاتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة، والذي اعتبره مستشار المرشد علي أكبر ولايتي يعني انتهاء وقف إطلاق النار في ساحات أخرى، ممثلة في لبنان والعراق واليمن.
وتمثلت إجراءات إيران إعادة تنظيم المجلس الأعلى للأمن القومي واختيار علي لاريجاني أمينًا عامًا، وتأسيس مجلس الدفاع الوطني.
كما فعّلت طهران جهودها الداخلية لمكافحة شبكات التجسس داخل مؤسسات الدولة وتصفية العناصر المناوئة للنظام، خاصة المتورطة في تجميع المُسيَّرات والوسائل القتالية بالداخل، بالتوازي مع استمرار أنشطتها لتجنيد عملاء لأنشطة التجسس وجمع المعلومات في الداخل الإسرائيلي من جهة ولتنفيذ عمليات اغتيال خارجية حول العالم تستهدف مصالح يهودية وإسرائيلية من جهة أخرى، فمثلًا اعتقلت الشرطة الدنماركية في 5 نوفمبر 2025 أفغاني للاشتباه بتجسسه لصالح لإيران وفق مخطط لاستهداف مؤسسات يهودية في ألمانيا، قبيل أيام من اتهام المخابرات الأمريكي للحرس الثوري الإيراني بالتخطيط لاغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك.
مخاطر حافة الهاوية
تشير التطورات السابق ذكرها إلى أن إيران لا تتحوط فقط من عودة "حتمية" للمواجهة العسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة وإنما لموجة أكبر من التهديدات،تشمل تهديد بقاء النظام عبر تأليب المجتمع الإيراني وتقوية المكونات المناهضة لمشروع "الجمهورية الإسلامية" من أجل تنفيذ عمليات تخريب في الداخل وتعزيز الضغط السياسي الدولي عبر أقطاب ورموز المعارضة في الخارج.
وعلى الرغم من تشدد سلوكها التفاوضي في ضوء فرض الطرف الآخر شروطًا تبدو مذلة للدولة والنظام، تسير إيران على خيط رفيع بين تصعيد حتمي ومباراة إستراتيجية يمكن إدارتها لتقليل مخاطر التصعيد وانتزاع ضمانات لعدم استهداف استقرار النظام داخليًا وأن تحتوي العملية التفاوضية أي تلويح باستخدام القوة العسكرية ضد إيران، بينما تتمسك إدارة ترامب بالتغلب على إرث الديمقراطيين في توقيع اتفاق لا يلبي المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ودون وضع مخاوف حلفاء واشنطن في منطقة الشرق الأوسط بعين الاعتبار، وبالتالي تأمل الإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق شامل ودائم ينهي التهديد النووي الإيراني للأبد بالتوازي مع ما تقرأه الإدارة من مشهد إقليمي مواتٍ عبر نجاح إسرائيل بتقليم أظافر إيران في المنطقة.
(&) سوء الإدراك: رغم انتهاج الفصائل الإقليمية ضبط النفس في مواجهة الهجمات الإسرائيلية عقب انتهاء الحرب على الجبهة اللبنانية وسقوط نظام الأسد في سوريا بالتوازي مع التلويح باستخدام القوة في لبنان والعراق لنزع سلاح الفصائل، قد يتصل انسداد الأفق التفاوضي بشأن الملف النووي وحالة الترقب الحذر بتصعيد إقليمي غير محسوب من كلا طرفي الصراع.
ويرتبط سوء الإدراك بالدرجة الأولى بالإدارة الأمريكية التي ترغب بتوقيع تسوية نهائية لإحلال السلام في الشرق الأوسط دون بذل الأثمان الملائمة لذلك، فالإدارة وإن تحللت قليلًا من تأثير نتنياهو للوصول إلى اتفاق شرم الشيخ بشأن وقف إطلاق النار في غزة، تتأرجح بين التمسك بالمطالب والتوجهات الإسرائيلية من جهة وانقسام الحلفاء الإقليميين في الخليج تحديدًا حول سبل التعامل مع إيران من جهة أخرى.
وقد يأتي سوء الإدراك مزيجًا من سوء تقدير أمريكي للموقف مع تحفيز إسرائيلي على استكمال المهمة على جبهات متعددة تبدأ من الوكلاء وتمتد إلى الداخل الإيراني، بالتوازي مع تصعيد إيراني بغرض امتلاك زمام المبادرة والتلويح باستخدام ورقة مضيق هرمز في تنفيذ عمليات استيلاء على ناقلات نفط عابرة للمضيق، ما يوفر الذرائع على إسرائيل لتجديد التصعيد.
(&) تصعيد عسكري متدرج: لا تتبنى إيران خيارًا عسكريًا استباقيًا للردع، لكنها في المقابل تعتزم دخول أي معركة بكامل أوراق الضغط دون أن تفقد المبادرة على غرار ما جرى في الضربة الإسرائيلية الأولى بحرب الـ12 يومًا التي أدت لتحييد قادة الصف الأول بالجيش والحرس الثوري.
وتسعى إيران في المقام الأول لتعظيم كلفة أي هجوم يطولها عبر الإعلان عن تجاوز ترسانتها الصاروخية مستويات ما قبل الحرب مع إسرائيل في يونيو 2025، مع توقعات المحللين بأن يتجاوز الرد الإيراني على أي هجوم إسرائيلي محتمل بإغراق الدفاعات الإسرائيلية بنحو 2000 مقذوف بين صواريخ باليستية وكروز وطائرات مسيرة ما يعادل 4 أضعاف معدل الضربات الإيرانية يوميًا خلال حرب يونيو.
ويُبنى نموذج الرد الإيراني المحتمل على تصعيد عسكري متدرج ينتقل من حالة بناء الردع إلى التلويح بالقوة عبر التلويح بحرب إقليمية تشترك فيها جميع الفصائل والميليشبات الموالية لإيران ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية بالتوازي مع إحداث اضطرابات كبرى في حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، ويأتي استيلاء الحرس الثوري في 14 نوفمبر 2025 على ناقلة متجهة من الإمارات إلى سنغافورة تحمل موادًا بتروكيماوية ترجمة عملية لذلك التوجه.
وإلى جانب ذلك، تواصل طهران ترميم قدرات "حزب الله" اللبناني، إذ رصدت الخزانة الأمريكية تدفق مليار دولار من طهران إلى الحزب منذ مطلع العام الجاري.
وإجمالًا؛ يظل الملف النووي الإيراني رهينة بتطورين رئيسيين: التوصل لتسوية إقليمية عادلة يقبل بها مختلف أطراف الصراع، أو وقوع تغيير جوهري في مسار التفاعلات الإقليمية بما يشمل إعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط وفك ارتباطها بالتوجهات الإسرائيلية مع بقائها كضامن لأمن إسرائيل مقابل انفتاح إيران على تسوية موثوقة تنهي عزلتها وتعيد انخراطها في مشروعات التكامل الإقليمي.
ولا يبدو التوصل لاتفاق سهل المنال نظرًا لاستمرار الغموض بشأن اليورانيوم المخصب وتقييد تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحقق من وضع اليورانيوم عالي التخصيب ومنع مفتشي الوكالة من دخول المنشآت الثلاث التي قصفتها الولايات المتحدة في يونيو 2025.
ومع التلويح بخيارات تصعيدية، لا يزال النظام الإيراني في حالة ترقب انتظارًا لرسائل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بشأن منح ضمانات تحول دون العودة لمسار الصدام العسكري، وتستفيد مؤقتًا من حالة الغموض التي تحيط بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أن التزام خطابها بالبعد القانوني والرد المتناسب على أي إجراءات أو فرض عقوبات ضدها لا ينفي احتمالية اللجوء لخيار تصنيع سلاح نووي كلما تعاظمت فرضية الصدام العسكري شبه الحتمي بين إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل بصفة أساسية من جهة أخرى.
وعلى الجانب الآخر لا تزال الأولوية الأمريكية في فصل الملفات والتعامل مع ملف النفوذ الإقليمي دبلوماسيًا وأمنيًا لتفادي نشوب صدام إقليمي تمهيدًا لدخول مفاوضات الملف النووي مرحلة حاسمة تفقد فيها إيران إحدى أوراق قوتها بينما تمسك واشنطن بورقة احتواء حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو مقابل ضمانات واتفاقات أمنية وملفات أوسع على صعيد إعادة الزخم لمسار "الاتفاقيات الإبراهيمية".