الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف يرى ترامب نفسه كصانع للسلام العالمي؟

  • مشاركة :
post-title
ترامب وجائزة نوبل للسلام

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

يردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه نجح في إنهاء العديد من الصراعات، وعقد العديد من الاتفاقيات، وهو ما جعل البيت الأبيض يصفه بأنه "رئيس السلام"، وذلك من خلال الإشارة إلى أبرز الاتفاقيات التي يعتقد أنها تشكل ركائز لذلك السلام، من بينها عقد اتفاقات بين أرمينيا وأذربيجان، وكمبوديا وتايلاند، وإسرائيل وإيران، والهند وباكستان، وصربيا وكوسوفو، بالإضافة إلى اتفاقيات إبراهيم التي وُقعت في ولاية ترامب الأولى بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ويثير ذلك تساؤلًا مركزيًا وهو: هل أسهم نهج ترامب في مواجهة الصراعات والأزمات الدولية في إحلال السلام العالمي، أم أن تلك التسويات لا تعدو كونها صفقات تستهدف بالأساس تحقيق المصالح الأمريكية، وخدمة الشعار الرئيسي لترامب "أمريكا أولًا"؟

صراعات معقدة

تتنوع الاتفاقات التي تمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عقدها ما بين الأطراف المتصارعة، أو من خلال التدخلات والضغوط لوقف التصعيد المتبادل، والتي يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:

(*) أرمينيا وأذربيجان: جاء توقيع اتفاق السلام الشامل بين أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض بوساطة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أغسطس 2025، والذي سعى إلى إنجاز تسوية براجماتية للصراع الممتد بين الدولتين. وقد تضمن الاتفاق إنشاء ممر اقتصادي يربط أذربيجان بمنطقتها نخجوان عبر أرمينيا، أُطلق عليه "ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين". وتقديرًا لوساطة ترامب وجهوده الدبلوماسية في التوصل لهذا الاتفاق، أعلن الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، حيث وصف الرئيس علييف الاتفاق بأنه يمثل بداية شراكة استراتيجية، مشيدًا بمسار ترامب للتجارة والسلام، كما اعتبر رئيس الوزراء الأرميني أن هذا التقدم ما كان ليتحقق بدون الالتزام الشخصي من ترامب.

(*) الكونغو ورواندا: وقعت كل من رواندا وجمهورية الكونغو في 2 مايو 2025 بالبيت الأبيض اتفاقًا للسلام برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث وقع الاتفاق وزيرا خارجية البلدين بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي وصف الاتفاق بأنه خطوة حاسمة نحو الاستقرار الدائم. فيما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقًا على توقيع الاتفاق: "اليوم انتهى العنف والدمار وبدأت المنطقة فصلًا جديدًا من الأمل والسلام". وسعى الاتفاق إلى إنهاء وتيرة العنف والنزاع بين البلدين، لاسيما بعد تصاعد العنف في شرق الكونغو منذ يناير 2025 بعد سيطرة حركة "إم 23" على مدن استراتيجية مثل جوما وكافو، مما أدى إلى انسحاب قوات حفظ السلام، وتفاقم الأزمة الإنسانية بعد أن تسبب الصراع في مقتل نحو 3 آلاف شخص، وتشريد 7 ملايين آخرين.

(*) الهند وباكستان: جاء التصعيد المتبادل بين الهند وباكستان على خلفية الهجوم الدامي الذي شنه مسلحون في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من إقليم كشمير في 22 أبريل 2025، وأسفر عن مقتل ما يقرب من 26 شخصًا معظمهم من السائحين. تلقي نيودلهي اللوم على مجموعة يزعم أنها تعمل من باكستان، فيما نفت إسلام آباد هذه المزاعم، وهو الأمر الذي أدى لتزايد المواجهات بين الجانبين الهندي والباكستاني، وزيادة المخاوف الدولية من اتساع رقعة الصراع، وخروجه عن السيطرة في ظل امتلاك الدولتين للسلاح النووي الذي يعد رادعًا يحول دون التصعيد المتبادل. على خلفية ذلك المشهد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 مايو 2025 في منشور على منصة "تروث سوشيال" عن اتفاق شامل وفوري لوقف إطلاق النار بين الجارتين، وأضاف أن البلدين وافقا على وقف النار بوساطة أمريكية وشكر كل من الهند وباكستان على الحس السليم والذكاء بعد اختيارهما إنهاء الأزمة.

(*) كمبوديا وتايلاند: اتفقت كل من كمبوديا وتايلاند في 28 يوليو 2025 على وقف إطلاق نار غير مشروط بعد خمسة أيام من الصراع عبر الحدود أسفر عن مقتل العشرات ونزوح آلاف المواطنين، حيث تم توقيع الاتفاق في ماليزيا بعد ضغوط من الرئيس ترامب الذي هدد بوقف الصفقات التجارية مع البلدين. ووجه رئيس وزراء كمبوديا هون مانيت، والقائم بأعمال رئيس الوزراء التايلاندي فومتام ويتشاياتشاي الشكر إلى الرئيس الأمريكي ترامب والحكومة الصينية لجهودهما المتعلقة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، وذلك خلال تواجدهما في ماليزيا. وقبل توقيع الاتفاق، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال" في 26 يوليو 2025 بأنه تواصل مع رئيس وزراء كمبوديا، والقائم بأعمال رئيس الوزراء التايلاندي، وأن الجانبين اتفقا على الاجتماع والعمل بسرعة من أجل التوصل لوقف إطلاق النار.

(*) صربيا وكوسوفو: في 27 يونيو 2025، زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه حال دون اندلاع مواجهة بين صربيا وكوسوفو، قائلًا: "كانت صربيا وكوسوفو على وشك الدخول في حرب كبيرة. قلت لهم: إذا خضتم الحرب فلن يكون هناك تجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فقالوا: قد لا نخوضها". وأشار البيت الأبيض إلى جهود ترامب الدبلوماسية خلال ولايته الأولى، حيث وقعت الدولتان اتفاقيات لتطبيع العلاقات الاقتصادية في عام 2020.

(*) إيران وإسرائيل: عقب تجدد المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل ودخول الولايات المتحدة على خط المواجهة بين الجانبين في 22 يونيو 2025 باستهدافها لثلاث منشآت نووية إيرانية، جاء إعلان الرئيس ترامب عن بدء سريان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران. ففي 23 يونيو 2025، نشر ترامب على منصة "تروث سوشيال" قائلًا: "بشكل رسمي، ستبدأ إيران وقف إطلاق النار، وعند الساعة الرابعة والعشرين سيعلن رسميًا انتهاء حرب الأيام الإثني عشر، ويودع العالم هذا الحدث".

مصالح أمريكية

يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتدخل لتسوية بعض الصراعات المعقدة، ومنها على سبيل المثال الصراع الروسي الأوكراني، لا سيما وأنه أشار خلال حملته الانتخابية إلى توقف الحروب بمجرد انتخابه. وفي خطاب التنصيب، جعل من إحلال السلام العالمي ووقف الحرب من أولوياته خلال ولايته الثانية. وإذا كان ترامب يسعى لتسوية العديد من الصراعات المعقدة، فإن ذلك يرتبط بدافعين أساسيين؛ الأول يتعلق بترجمة شعاره الانتخابي "أمريكا أولًا"، وسعيه لتعزيز المصالح الأمريكية واستمرار الهيمنة والنفوذ في أقاليم العالم المختلفة، وهو ما تجلى في الاتفاق بين الكونغو ورواندا؛ بهدف تعزيز الوجود الأمريكي في إفريقيا لمواجهة النفوذ الصيني وتعزيز سلاسل الإمداد الأمريكية في مجال الطاقة والتكنولوجيا، وكذلك الحصول على حقوق موسعة في قطاع التعدين بالكونغو، خاصة في المعادن الاستراتيجية مثل الكوبالت والليثيوم. كما هدف ترامب من توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في تلك المنطقة، وهو ما جعل كل من روسيا وإيران تعترضان على الاتفاق محذرتين من تغييرات جيوسياسية في المنطقة.

وفي الحرب الإسرائيلية الإيرانية، جاء التدخل الأمريكي لمساندة الحليف الاستراتيجي بالانخراط في مسار الحرب، والإعلان عن وقف إطلاق النار لمنع تمدد الصراع واتساع نطاقه وخروجه عن السيطرة.

أما الدافع الثاني، فإنه يرتبط بطموح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وهو الأمر الذي جعل إدارته تشير إلى أن الوقت قد حان منذ فترة طويلة لمنح "صانع السلام الأول" جائزة نوبل للسلام.

مجمل القول، يرى الرئيس الأمريكي وإدارته أنه صانع للسلام العالمي، ونجح في تسوية العديد من الصراعات من خلال توقيع اتفاقات بين الأطراف المتصارعة. والمؤكد أن تلك الجهود تتماشى مع المصالح الأمريكية بالأساس، وتخدم استمرار النفوذ الأمريكي في أقاليم العالم المختلفة، وتوظف أيضًا لدعم ترامب في الحصول على جائزة نوبل للسلام. وربما يبقى الموقف الأمريكي مما يحدث في غزة والمعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني، وتعقيدات الصراع الروسي الأوكراني بما يحول دون تسويته بمثابة تحديات أساسية لإرساء السلام العالمي.