الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل تصمد هدنة ترامب لوقف التصعيد العسكري في الشرق الأوسط؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصة تروث سوشيال في 23 مارس 2026، عن إرجائه الضربات العسكرية على محطات الكهرباء الإيرانية وبنيتها التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام، تفاؤلًا حذرًا، بالتوازي مع إعلانه استمرار محادثات بشأن الوضع في إيران خلال هذا الأسبوع، قائلًا "إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا محادثات مثمرة خلال عطلة نهاية الأسبوع"، وإنه اتخذ قرار تأجيل الهجمات بناءً على نبرة ومضمون هذه المحادثات المتعمّقة والمفصّلة والبنّاءة، والتي ستستمر طوال الأسبوع. وأضاف ترامب أنه أصدر تعليماته لوزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد محطات الطاقة الإيرانية والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام؛ رهنًا بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية.

في المقابل، أعلنت الخارجية الإيرانية، في بيان 23 مارس 2026، عن وجود مبادرات لخفض التصعيد بعد أن تسلمت ايران رسائل من أصدقاء إقليميين توحي بهذا الغرض، كما أشارت الخارجية الإيرانية في هذا البيان إلى أن إعلان ترامب عن تلك المبادرة، يأتي في إطار رغبته لخفض أسعار الطاقة، وكسب الوقت لتنفيذ خططه للحرب. وتعليقًا على مبادرة ترامب، بدا الموقف الإسرائيلي الذي تناولته بعض التحليلات بأنه كان على علم بهذه المبادرة، وهو الأمر الذي جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشير إلى أن الرئيس ترامب يسعى لإدماج نتائج وإنجازات الحرب التي تحققت في اتفاق شامل يحقق أهداف الحرب التي تمكنت من سحق البرنامجين النووي والصاروخي لإيران.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يُثار تساؤل مركزي حول ماهية العوامل التي أدت بترامب إلى إعلان مثل هذه الهدنة، ودلالات التوقيت، وكذلك السيناريوهات المحتملة لتداعيات الهدنة الجزئية على مسار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.

دوافع التهدئة

هناك العديد من العوامل التي شكّلت دوافع أمريكية جعلت الرئيس دونالد ترامب يتجه نحو إعلان تلك الهدنة ولمدة خمس أيام، تنتهي صباح السبت القادم 28 مارس 2026. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك العوامل على النحو التالي:

(*) ارتفاع أسعار الطاقة: أدى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز، إلى ارتفاع أسعار الطاقة بعد انخفاض مرور الناقلات بنحو 97% عن مستويات ما قبل اندلاع التصعيد في إقليم الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي كان له تأثيره المباشر على ارتباك أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع نسب التضخم، واتجاه عدد من الدول لاتخاذ إجراءات تقشفية لمواجهة تداعيات انخفاض التدفقات النفطية وخشية الدول، وفي مقدمتها الدول الأوروبية، من أن يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى الإضرار بمصالحها الاقتصادية. ودفع ذلك الموقف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لرفض الانخراط في الحرب، رغم استهداف إيران للقواعد البريطانية في الخليج والمحيط الهندي، لذلك بدا الموقف البريطاني يوازن بين تحالفاته الخارجية وعلاقته الإستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية ومصالحه الداخلية المتمثلة في رفض الدخول في الصراع.

(*) استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية: يشكّل استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية أحد المتغيرات الداعمة لوقف الحرب والاتجاه نحو المفاوضات، فترامب هو من قرر دخول الحرب، وهو من يمتلك إيقافها. وفي ظل ارتفاع فاتورة التكلفة العسكرية، من تحريك للقوات والمدمرات الأمريكية إلى الشرق الاوسط، تصبح المفاوضات هي المسار الأفضل؛ بعد أن كشفت تلك الحرب أيضًا عن إخفاق منظومة الدفاع الإسرائيلية في التصدي للقدرات الصاروخية الإيرانية، إذ فشلت القبة الحديدية ومقلاع داوود وغيرهما من منظومات الدفاع، في التصدي لصواريخ إيران التي وصلت إلى عمق تل أبيب، بل وصلت إلى تخوم مفاعل ديمونة، وما يمثله ذلك من دلالة رمزية لها مغزاها وتداعياته في حال انفلات الأمور وعدم ضبطها ليصبح الإقليم أمام مسارات ضبابية.

(*) خداع إستراتيجي: ثمة تيار داخل إيران يتساءل: لماذا خمسة أيام وليس أسبوعًا؟، فهناك تشكيك من داخل الولايات المتحدة بأنها مهلة مقصودة لتهدئة الأسواق. واذا كانت هناك ضربة ستكون بداية الأسبوع بعد أن تغلق الأسواق على أسعار منخفضة. وتنتهي الأيام الخمسة فجر السبت، وهو ما يعني انتهاج ترامب لسياسات تجعل من الصعوبة التنبؤ بسلوكه أو التنبؤ بالقرارات التي يتخذها، لا سيما وأنه يتخذ القرار وعكسه في نفس التوقيت.

(*) تعرض ترامب لخديعة من معاونيه: هناك اتجاه يرى أن أحد العوامل التي دفعت ترامب نحو المفاوضات، ما تعرض له من خديعة من معاونيه عن إمكانية تطبيق النموذج الفنزويلي في إيران. غير أن ذلك التوجُّه بدا صعبًا للغاية؛ في ظل التباين بين النظامين والخبرات التاريخية لكلا الدولتين، فإيران دولة دينية بالأساس وتقوم على محورية المعتقد الديني، ومركزية فكرة الاستشهاد، وأنه لا خسارة في مواجهة العدو فإما النصر أو الاستشهاد، يُضاف إلى ذلك طبيعة الأمة الإيرانية، وما تمتلكه من عمق حضاري قادر على تجاوز الهزائم واستيعاب التحديات ومواجهتها. فقد أدت المواجهات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى مزيد من التماسك المجتمعي ومساندة النظام برغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي أنتجتها الحرب. كما لا تزال إيران قادرة على تحريك أذرعها ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فتصعيد حزب الله في جنوب لبنان ضد إسرائيل، وكذلك تحريك أذرعها في العراق. وبرغم صمت الحوثىيين الذي يفسره البعض بأنه إما نتاج لحوافز حصلوا عليها باتفاق مع الولايات المتحدة لوقف استهداف ناقلات النفط عبر البحر الأحمر وخليج عدن، ووقف استهداف تل أبيب بالمُسيّرات، أو أن الحوثيين سيتم إدخالهم في معادلة الحرب في توقيت ما يكون كل الأطراف قد أُنهكوا بما يجعل من دخولهم المحتمل وانخراطهم في التصعيد العسكري مؤثرًا في مسار الحرب ونتائجها.

(*) تهدئة الأسواق: هناك اتجاه يرى أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تنتهي بنهاية الأسبوع الحالي، تهدف إلى تهدئة أسواق النفط وانخفاض الأسعار خلال تلك المدة، بحيث يغلق الأسبوع على مستوى معقول من الأسعار، ويعتقد ذلك الاتجاه بأنه من المرجح أن تُستأنف الضربات بعد انتهاء تلك المهلة، لا سيما وأن عمليات الاستهداف المتبادلة لم تتوقف.

(*) الاستهداف المتبادل للمنشآت النووية: لم يعد الاستهداف المتبادل بين إيران وإسرائيل للمنشآت النووية من المحرمات، بل بلور التصعيد بين الجانبين معادلة رمزية تقوم على أساس ديمونة الإسرائيلي مقابل بوشهر الإيراني، لذلك شكّل الاستهداف المتبادل رسائل رمزية، ربما لها دلالاتها، وأن عواقبها ستتجاوز حدود الدولتين، فالخطر الإشعاعي، وفق الخبراء، ممتد إقليميًا لمحيط يتراوح بين 500 و1000 كيلومتر في حالة الاستهداف المباشر.

مساران محتملان

انطلاقًا من تنوع العوامل التي أدت إلى اتجاه ترامب نحو إعلان هدنة الخمسة أيام، فإن السيناريوهات المحتملة للتصعيد في إقليم الشرق الأوسط، ربما تكون بين مسارين محتملين لا ثالث لهما:

(-) المسار الأول: توجيه ضربة أمريكية إسرائيلية نافذة قبل انتهاء المدة، فترامب اعتاد على شراء الوقت، والدليل على ذلك اتجاه حاملتي جنود مارينز أمريكيين إلى الشرق الأوسط وفق العديد من الخبراء، لتصلان إلى الشرق الأوسط نهاية مارس 2026 ومنتصف أبريل 2026، وهو الأمر الذي يتماشى مع السوابق التاريخية لانخراط ترامب في المواجهات ضد إيران، فحرب يونيو 2025 والمعروفة بحرب الـ 12 يومًا، تزامنت مع إجراء مفاوضات أمريكية إيرانية استضافتها سلطنة عُمان. واعتبرت بعض التحليلات أن تلك المفاوضات لم تكن سوى نوع من خطة للخداع الإستراتيجى مارسه ترامب لكسب الوقت. لذلك يدرك الإيرانيون أن ثمة شراء للوقت، كما فعل ترامب في الحرب السابقة، لذلك من المحتمل حال انتهاء المدة من دون تحقيق إنجاز يسهم في تحقيق أهدافها من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية بأن يتم استهدف مرافق النفط والغاز في إيران. ويبرر ذلك التوجه بأن ترامب يحتاج إلى تعزيز مصداقيته لدى ناخبيه، وكذلك تعزيز مصداقية الحزب الجمهوري، لا سيما في ظل الاستعداد لخوض انتخابات حاسمة للكونجرس الأمريكي نوفمبر 2026، سيكون لها تداعياتها على مدى قدرة ترامب على استمرار هيمنة حزبه على تشكيل المؤسسة التشريعية بأعضاء يتماشون مع توجهاته الداخلية أو الخارجية. هذا التوجه يجد سنده أيضًا فيما أعلنته قناة "سي بى إس نيوز" الأمريكية، بأن خطط ترامب لاستقدام جنود من المارينز إلى الشرق الأوسط لم تتغير، يُضاف إلى ذلك ما دعا إليه السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام إلى عدم استبعاد خيار غزو جزيرة خرج الإيرانية، والتي تبعد ما يقرب من 15 كيلومترًا من مضيق هرمز، وتشبيهها بمعركة "إيو جيما" ضد اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، وهي واحدة من أكثر معارك هذه الحرب دموية، حيث قُتل نحو سبعة آلاف جندي أمريكي وأُصيب أكثر من 20 ألف خلال أسابيع قليلة، بينما قُتل معظم الجنود اليابانيين في قتال عنيف لم يعرف الاستسلام تقريبًا، وهو ما يجعل هذه المعركة رمزًا للتضحية القصوى وليس الانتصار السريع.

(-) المسار الثاني: وهو الأقل احتمالًا، ويرتبط بنجاح جهود الوساطة الإقليمية والدولية، لتخفيض التصعيد واستكمال المفاوضات بين الجانبين، وهي الجهود التي أشار إليها موقع "أكسيوس" في 23 مارس 2026، بأن مصر وتركيا وباكستان نقلوا، خلال اليومين الماضيين، رسائل بين الولايات المتحدة وإيران، في إطار جهود دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد، ونقل الموقع عن مصدر أمريكي، قوله إن "وزراء خارجية الدول الثلاث أجروا محادثات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي". كانت وزارة الخارجية المصرية أصدرت بيانًا، في 23 مارس 2026، ثمّنت فيه تصريحات الرئيس الأمريكي، التي كشف فيها عن اتصالات مكثفة لخفض التصعيد، وإرجاء خطته لاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ورحبت بالجهود والمبادرات كافة، التي من شأنها خفض حدة التوتر؛ بما يُمهّد لإنهاء الحرب. في نفس السياق، أشارت صحيفة "فاينانشيال تايمز" إلى قيام رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير، بالاتصال بالرئيس الأمريكي والجانب الإيراني، وأن ثمة اتجاه نحو انعقاد مباحثات في إسلام آباد، ويُتوقع، وفق تقارير عديدة، مشاركة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قالبياف في تلك المباحثات، وذلك برغم نفي قاليباف نفسه على منصة "إكس" وجود أي مباحثات مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت الذي يعتبر فيه البعض قاليباف وسطًا بين القوى المتشددة والمعتدلة، يمكن أن يقود المرحلة القادمة، يعتبر آخرون أن ترويج اسمه يهدف إلى اغتياله معنويًا.

إجمالًا؛ وصلت الحرب لمرحلة إما أن تنتهي أو تذهب لحرق منشآت الطاقة في المنطقة وانفجار العالم، فهناك خطابان تصعيديان في الولايات المتحدة عبر فريق الحرب بجوار ترامب، وهم يتبنون وجهة النظر الإسرائيلية في ضرورة إسقاط النظام الإيراني وتدمير البرنامجين النووي والباليستي الإيرانيين، وكذلك تدمير القدرات البحرية وفك الارتباط بين إيران وأذرعها، وكذلك يسود في إيران تيار المحافظين ويبرز التوجه الرافض للمحادثات، وفي مقدمتهم المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامئني والحرس الثوري الإيراني، الذي يتبنى ضرورة تكبيد الولايات المتحدة أعلى خسائر، وكذلك إسرائيل لمنع التفكير مرة رابعة في استهداف إيران. غير أن استمرار هيمنة نتنياهو على توجهات فريق صناعة القرار حول ترامب، وهو الفريق نفسه الذي يشارك في التفاوض، وهو الذي استخدم المفاوضات في السابق ذريعة لشن الحرب، كل ذلك يصب في اتجاه استمرار الحرب بدلًا من التهدئة في إسرائيل وإيران.