الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

موجات صعود وهبوط.. ما وراء تقلبات سوق الذهب؟

  • مشاركة :
post-title
تقلبات سوق الذهب - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - د. رضوى محمد

تشهد سوق الذهب تقلُبات كبيرة خلال الفترة الراهنة، فالأوضاع المتوترة في الشرق الأوسط تعمل على تذبذُب العلاقة بين الطلب على الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية من ناحية، والطلب على الذهب من ناحية أخرى، وهو الوضع الذي يكون عليه الحال في الأوقات الضبابية، في قرارات المستثمرين التي تحدث في ظل الأحداث الجيوسياسية المُتصاعدة.

وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على أوضاع هذه السوق في الوقت الراهن، فضلًا عن التعرف على محدداتها المُختلفة، وأخيرًا يهدُف هذا التحليل إلى توضيح الاتجاهات المُحتملة لهذه السوق.

مؤشرات السوق

يُمكن التعرف على مسار مؤشرات سوق الذهب، من خلال النقاط التالية:

(-) سعر الأونصة: يتضح من الشكل (1) أن سعر أونصة الذهب تقلب بشكل كبير خلال الفترة محل الدراسة، فقبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، كانت الأونصة تتداول بسعر 5184.06 دولار، ولكن بعدما حدث الهجوم في الـ 28 من فبراير الماضي، قفزت الأونصة إلى 5321.01 دولار في 1 مارس 2026، ولكن بعد ذلك بدأت هذه السوق تُصحح أسعارها، فقد بلغت 5177 دولارًا في 11 مارس 2026، حتى سجلت 4996.9 دولار في صباح يوم 16 مارس 2026.

الشكل (1): سعر أونصة الذهب عالميًا خلال الفترة من 15 فبراير 2026 إلى 16 مارس 2026

(-) أسعار الذهب المحلية: تشهد أسعار الذهب في مصر قفزات تاريخية؛ وذلك نتيجة لارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري؛ بسبب الأحداث الجيوسياسية المُتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، فكما يوضح الشكل (2) ارتفع سعر الذهب عيار 21 في مصر من 6970 جنيهًا في 27 فبراير 2026 (قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران) إلى نحو 7580 في 1 مارس 2026، أي ارتفع بنسبة 8.7%، ولكن شهد بعد ذلك تذبذبًا بين الارتفاع والانخفاض، ولكن في مستوى أعلى من الـ 7000 جنيه، حتى استقر عند 7350 في صباح يوم 16 مارس 2026.

الشكل(2) يوضح سعر الذهب عيار 21 في مصر
مُحددات متنوعة

يتحكم في سوق الذهب مجموعة من المُحددات المتنوعة، والتي سيتم تناولها من خلال النقاط التالية:

(-) مؤشر الدولار الأمريكي: يوجد علاقة عكسية بين سعر الدولار وبين الطلب على الذهب، وعلى الرغم أنه في ظل التوترات والتقلُبات الجيوسياسية من المُفترض يزداد الطلب على أكثر الملاذات الآمنة (الذهب)، ولكن على الجانب الآخر من المُمكن أن يتجه المستثمرون إلى الأصول المُدِرّة للدخل؛ للحفاظ على مستوى السيولة لديهم.

وهو ما يتضح من الشكل (3) الذي يُشير إلى أن مؤشر الدولار الأمريكي ارتفع من مستوى 97.61 في 27 فبراير 2026 إلى مستوى 100.38 في 16 مارس 2026 وحتى وقت كتابة هذا التحليل، وهو أعلى مستوى وصل إليه منذ منتصف عام 2025. فهذا الارتفاع في سعر الدولار الأمريكي يجعل شراء الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات مختلفة.

الشكل (3): مؤشر الدولار الأمريكي من 27 فبراير2026 إلى 16 مارس 2026

وفي هذا السياق، يُمكن تفسير هذا الارتفاع في مؤشر الدولار الأمريكي مقابل انخفاض سعر أونصة الذهب، إلى أن المستثمرين من خلال نظرتهم الثاقبة للأمور، تذهب توقعاتهم إلى أن الاقتصاد الأمريكي من أكثر الاقتصادات تماسكًا خلال الأحداث الراهنة؛ بسبب عدم تأثير ارتفاع أسعار النفط عليه، فالولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الدول المُنتجة للنفط في العالم بحوالي 13.6 مليون برميل يوميًا.

(-) توقُع السياسة النقدية المُتشدة: إن توقعات المستثمرين حول خفض أسعار الفائدة لم تكُن كبيرة، فاجتماع الفيدرالي المُقبل سيكون في يومي 17 و18 مارس، وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضغط على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي " جيروم باول" لخفض سعر الفائدة، فالتضخم (2.4%) لا يزال بعيدًا عن المُعدل المُستهدف (2%).

وبالنظر إلى سوق العمل، نجد أن البيانات تُشير إلى تسجيل معدل بطالة 4.4% في فبراير 2026، فالسوق فقدت 92 ألف وظيفة، مما يُشير إلى احتمال ضعف سوق العمل، وبالتالي من المُمكن أن نجد تثبيتًا في سعر الفائدة الأمريكي، أو خفضًا قليلًا بنحو 1%، وهو الأمر الذي يضغط على طلب الدولار الأمريكي، ويُقلل من الطلب على الذهب.

وفي هذا النطاق، أشارت مذكرة صادرة عن "كومرتسبانك" إلى أن توقعات تشديد السياسة النقدية تُعد سببًا رئيسيًا وراء الضغط على هبوط سعر الذهب، فعادًة ما يُستخدم الذهب؛ للتحوط ضد التضخم وعدم اليقين، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب؛ لأن المعدن لا يُدر دخلًا من الفوائد.

(-) عائد سندات الخزانة الأمريكية: تُعتبر سوق سندات الخزانة الأمريكية سوقًا منافسًا للاستثمار في الذهب، وتتحرك أسعار السندات عكسيًا مع عوائدها، فمنذ 13 مارس 2026 ارتفعت العوائد؛ بسبب الضغوط التضخمية والمخاوف المالية، فقد ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 13 نقطة أساسي خلال الأسبوع الماضي، إذ سجلت مستوى 4.26% في 16 مارس 2026، بالمُقارنة بنحو 3.95 في 27 فبراير 2026.

وهو الأمر الذ يدفع المستثمرون إلى التداول في هذه السندات، ويكون مدعومًا بتوقعات ارتفاع معدل التضخم الناتج عن التوترات الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي ستظل أسعار الفائدة الفيدرالية مرتفعة ولن تنخفض بشكل ملحوظ.

وبالتالي، فالطلب على هذه السندات يسحب من الطلب على سوق الذهب، كما أنه يجعل مستثمري الذهب يتجهوا للبيع؛ لتغطية نداءات الهامش وتوفير السيولة، وهو الأمر الذي يُفسر تسجيل الذهب انخفاض أسبوعي ثانٍ على التوالي على الرغم من استمرار الصراع الإقليمي.

(-) مشتريات البنوك المركزية: تؤثر مشتريات البنوك المركزية للذهب بشكل كبير على أسعاره، فالبنوك بدأت تتحوط ضد سياسة ترامب الخارجية، من خلال زيادة ما في احتياطاتهم من ذهب، وبالتالي في أوقات رواج هذا الشراء، نجد سوق الذهب ترتفع أسعارها، وفي المُقابل في أوقات ركود هذا الشراء، تهبط أسعار الذهب.

(-) جشع تجار الذهب: ترتفع أسعار الذهب في مصر بنسبة أكبر من ارتفاع سعر الأونصة عالميًا؛ بسبب رغبة التجار في تحقيق هامش ربح أعلى من خلال تقييم الذهب بسعر صرف أعلى من السعر السائد في السوق، وذلك بذريعة مواجهة أي خسائر مُفاجئة في هذا المعدن النفيس، خاصة في ظل الأحداث المُشتعلة في منطقة الشرق الأوسط.

ونتيجة لذلك، نجد أن أسعار الذهب المحلية ارتفعت بنسبة 2.8%، في المُقابل انخفضت أسعار الذهب العالمية بنحو 3%، حيث خسرت الأونصة بالأمس نحو 151 دولارًا لتستقر قرب 5021 دولارًا في نهاية التداول.

اتجاهان واردان

يُمكن بلورة الاتجاهات المُحتملة لسوق الذهب على المستويين المحلي والعالمي من خلال اتجاهين لا ثالث لهما، وهما كالتالي:

(-) استمرار الهبوط مع ارتفاع الدولار: إن هذا الاتجاه ينطلق من أن الدولار الأمريكي في الوقت الحالي يُحقق مكاسب كبيرة، ومع مراقبة المستثمرين لبيانات التضخم و إشارات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، وتطورات الصراع في الشرق الأوسط، وما سيترتب عليها من يظل الدولار قويًا واستمرار أسعار الفائدة مرتفعة، فستواجه أسعار المعادن النفسية هبوطًا.

وعلى المستوى المحلي للذهب، من المتوقع أن يتذبذب بين الارتفاع والانخفاض، ولكن أسعار الذهب في مصر من المتوقع ألا تشهد هبوطًا حادًا في الفترة القادمة، فستظل قرب مستوى الـ 7000 بالنسبة لعيار 21.

(-) ارتفاع في الربع الثالث والرابع من العام2026: إن اتجاه الفيدرالي لخفض سعر الفائدة لم يكن بعيدًا في ظل ضغوط ترامب، وبالتالي سيكون الذهب وعاءً إدخاريًا واستثماريًا مُجزيًا بشكل كبير، وسيقبل عليه المستثمرون في هذا الوقت، فبمجرد انخفاض سعر الفائدة الفيدرالية بنسبة تتراوح من 2% إلى 3%، ستشهد سوق الذهب العالمية ارتفاعًا كبيرًا، وسينعكس ذلك على الأسعار المحلية للذهب في مصر.

في النهاية، يُمكن القول إن الذهب يحكمه العديد من الاعتبارات التي تُشكِّل مستقبله، سواء بالصعود والهبوط، فعلى الرغم من تصاعُد أحداث الشرق الأوسط في الوقت الراهن، نجد أن سوق الذهب تشهد انخفاضًا؛ بسبب تفضيل المستثمرين لاعتبارات السيولة عن اعتبارات الاكتناز المُستقبلي.

ولكن من ناحية أخرى، لا نستطيع إلا أن نؤكد أن الذهب سيظل بريقه في الأفق العالمية، وسيظل ملاذًا آمنًا للمدخرين في جميع الدول وجميع الأسواق، خاصة في ظل السياسة الخارجية غير الحكيمة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.