على مدى عقودٍ مثَّل التدمير المتبادل المؤكد مبدأ حاكم للسياسة الدولية وتحقيق الاستقرار الإستراتيجي بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة، وما تلاها حتى اندلاع حرب أوكرانيا، إلا أن تطور التكنولوجيا النووية واتساع عضوية النادي النووي أعادا النظر لمهام السلاح النووي؛ باعتباره آلية ردع للنزاع بين القوى العظمى وأداة لضبط التوازنات الدولية، وليس بالضرورة أداة لمنع نشوب النزاعات والحروب حول العالم بين القوى الحليفة غير النووية. وتظهر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في جوهرها محاولة لتقويض قدرات الأخيرة على التحول إلى قوة نووية؛ نظرًا لقدراته الكامنة والتي تحقق لها تحولًا سريعًا نحو مسار صنع السلاح النووي حال اتخاذ القيادة الدينية القرار بذلك، أو الحصول على مساعدة تقنية أو جيوستراتيجية روسية لطهران خاصة في ظل ترويج مراكز الفكر ووسائل الإعلام الغربية لتحالف رباعي ناشئ بين موسكو وطهران مع كل من بكين وبيونج يانج.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي احتمالات توظيف الردع النووي ومدى تأثيره على مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
خيارات إيران النووية
تعد إيران مثالًا بارزًا لدولة العتبة النووية التي تمتلك قدرات نووية كامنة على الصعيد التقني والمعرفي والعسكرية التي تمكِّنها من امتلاك سلاح نووي بدائي في غضون 6 إلى 12 شهرًا بحد أقصى من وقت اتخاذ القرار السياسي بتغيير العقيدة النووية بفتوى مضادة من المرشد الأعلى الثالث للجمهورية الإسلامية، أو تغيير شامل لسياستها الخارجية والدفاعية لتحقيق الردع.
(*) مظلة نووية روسية: تعد روسيا –في مقابل الولايات المتحدة- من الدول النووية القليلة التي تستطيع تجاوز القيود المفروضة على الانتشار النووي بصيغة دفاعية، وفي إطار التنافس الجيوستراتيجي مع الغرب، والولايات المتحدة خاصة، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا 24 فبراير 2022. وقد نشرت موسكو أسلحة نووية في بيلاروسيا، وأجرت تعديلات في عقيدتها النووية توسّع آفاق استخدام السلاح النووي لتعزيز الردع النووي تجاه ليس فقط الدول النووية، وإنما حال تعرضها لهجوم تقليدي من دولة حليفة للقوى النووية المناوئة، خاصة إذا قدّرت السلطات الروسية مخاطر وجودية على الدولة الروسية. وعلى الرغم من المكاسب النفطية الآنية من الحرب على إيران، قد تنظر روسيا للحرب على إيران في سياق التهديد الجيوستراتيجي الغربي لموسكو بتقليص مساحات المناورة وتطويقها وتقويض دورها كقوة عالمية، خاصة في حالة مطالبة طهران بالتدخل الروسي لحماية كيان الدولة الإيرانية. وقد يشمل ذلك نشر أسلحة نووية روسية بالأراضي الإيرانية، وهو خيار لا يمكن تحقيقه في ظل اشتعال الصراع، أو توفير مساعدة تقنية لطهران في إنتاج سلاح نووي على غرار التعاون مع كوريا الشمالية في تحديث قدراتها النووية، أو التلويح باستخدام السلاح النووي.
(*) تحول جوهري في القدرات النووية الإيرانية: عكفت إيران على الاستفادة من انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي في مايو 2018 لتعزيز قدراتها النووية عبر توسيع منشآت البرنامج النووي وتطوير أجهزة الطرد المركزي كمًّا ونوعًا؛ لزيادة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والذي بلغ نحو 460 كجم بنسبة 60%، حسب تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف (408.6 كجم حسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتاريخ 17 مايو 2025).
وتمتلك إيران القدرات التقنية التي تمكِّنها من صنع أسلحة نووية بدائية خلال مدة تترواح بين 6 و12 شهرًا من تاريخ اتخاذ القرار السياسي بصنع القنبلة، إلى جانب توافر الخبرات المعرفية والعسكرية المتمثلة في الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية. ويمثل المتغير الفارق في الداخل الإيراني في تقييد الخيارات الدفاعية لإيران وفشل منظومة الردع التي دأبت على تأسيسها منذ الحرب العراقية الإيرانية والمكونة من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة والوكلاء المسلحين في أرجاء المنطقة، إلى جانب تغير القيادة وسيطرة الحرس الثوري والتيار المتشدد على مفاصل الدولة في أعقاب المواجهات الإيرانية الإسرائيلية السابقة وتصفية هيكل القيادة العسكرية والسياسية، وبالتالي قد يعد الخيار النووي الفرصة الوحيدة لاستعادة الردع وإعادة ترميم توازن القوى حال توافر الإرادة السياسية والظروف الميدانية لتفعيل ذلك الخيار.
حدود المناورة
تبدو نهاية الحرب، وفق المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية، أقرب من اللجوء لخيار الردع النووي، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
(&) الظرف الدولي: اعتمدت السردية الإيرانية للحرب الحالية على كونها طرفًا مسالمًا جرى الاعتداء على سيادته في خضم عملية تفاوضية للمرة الثانية خلال 8 أشهر، مع التأكيد على أن تلك الحرب مفروضة على إيران لمنعها من امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، وبالتالي فإن رصد أي تحركات لتحويل برنامجها النووي المُعطَّل نسبيًا يعرضها لخسارة التضامن الدولي ويخلق حالة من الشرعية للحملة ضدها، وبالتالي توسيع التحالف على إيران، فضلًا عن المراقبة والرصد الجوي والفضائي الدقيق لأي أنشطة في محيط المنشآت النووية الإيرانية.
(&) فقدان الداعم الدولي: على الصعيد الدولي، لا تبدو أي قوة دولية على استعداد للتلويح باستخدام السلاح النووي لوقف الحرب على إيران، فمن جهة تلتزم الصين بسياسة دفاع نووي تقتضي عدم البدء بالضربة الأولى "No-first Use"، وبالتالي فإن التلويح باستخدام السلاح النووي أو توفير مساعدة تقنية لإيران يعرضها للانخراط في النزاع ويخالف مبادئها النووية، وعلى الجانب لا تبدو روسيا في حاجة للجوء إلى ذلك التهديد والانخراط في صراع مباشر مع الولايات المتحدة، رغم تقديمها مساعدات استخباراتية لإيران.
(&) تعظيم الأصول المتاحة: تمتلك إيران أدوات للمناورة تسعى لتحويلها إلى أصول إستراتيجية لتعزيز الضغط الدولي على الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل وقف الحرب، على رأسها الأصول الإستراتيجية الثابتة، وأهمها مضيق هرمز الذي قد يدفع العديد من الدول للتدخل بثقلها من أجل وقف الحرب. ويعد استخدام المضيق أصلًا إستراتيجيًا وورقة تفاوض مهمة لمنع توسع التحالف المناهض لإيران وتوفير دعم دولي وممارسة ضغوط مباشرة على واشنطن داخليًا ودوليًا.
وإجمالًا؛ تشير الأدبيات الغربية إلى الأسلحة النووية كقدرات ردع للصراع بين القوى العظمى وليس لمنع نشوب الحروب في ساحات هامشية، كما أن تطور التكنولوجيا النووية وتوسع نادي القوى المسلحة نوويًا قد يُغري الأطراف المتصارعة باستخدام أسلحة نووية تكتيكية في نطاق إقليمي. وعلى الصعيد العسكري تعد الصراعات الإقليمية الراهنة، وفي مقدمتها الحرب على إيران معارك استنزاف، وهو ما يحقق مكاسب إستراتيجية متباينة لكل من روسيا والصين، حيث يضمن الطرفان انخراط الولايات المتحدة بمفردها في صراع طويل الأمد يقلّص من التزامها بالحرب في أوكرانيا والتصعيد حول جزيرة تايوان، ويعزز الحاجة لموارد الطاقة الروسية عالميًا بينما يعرض الإمدادات الحيوية للطاقة إلى الصين للخطر إذا لم تستطع التكيف مع الآثار الممتدة لإطالة أمد الصراع عبر تحويل الاهتمام الأكبر نحو الطاقة الروسية، وهو ما يخدم موسكو جيوسياسيًا ويقلّص خيارات بكين بالاعتماد الحرج على الجارة الشمالية. وعلى الرغم من ضآلة احتمالات استعادة معادلة الردع الإيرانية في ظل الحرب باللجوء إلى السلاح النووي، إلا أن التحولات الجارية في الداخل الإيراني مع فشل معادلة الردع قد تدفع طهران لامتلاك سلاح نووي فعليًا إذا ما نجحت في تجاوز الحرب الحالية دون انهيار النظام أو فقدان قدراتها النووية الكامنة. وعلى الجانب الآخر، يمثل التفوق بالقدرات النووية للطرف المهاجم مع انخراط الولايات المتحدة في الصراع رادعًا وحائلًا دون انخراط مباشر لأي من القوى النووية الشرقية لدعم إيران، إذ لم تعلن أي من روسيا والصين خطوطًا حمراء لواشنطن منذ بداية الحرب وحتى استهداف تسلسل القيادة ومراكز ثقل النظام ومنشآته النووية والنفطية.