الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تؤثر الأحداث في منطقة الشرق الأوسط على سوق الطاقة؟

  • مشاركة :
post-title
الأحداث في الشرق الأوسط وسوق الطاقة العالمية

القاهرة الإخبارية - د. رضوى محمد

في اليوم الحادي عشر من الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، يشتعل الحديث بشكل كبير حول الآثار الاقتصادية التي تُخلِّفها الأحداث الحالية في المنطقة، فالعالم أجمع يتأثر في جميع مؤشراته الاقتصادية، خاصة في أسعار النفط، التي تشهد تقلُّبات حادة، وهو الأمر الذي يوضح أن التأثيرات الخارجية للأحداث الحالية لا تطال فقط الأطراف الفاعلة في الأحداث والدول المجاورة، بل تمتد إلى أبعد من ذلك، مما يُشير إلى أن الحلول العسكرية لا تأتي بأي ثمار، لكنها تأتي بالهدم والتدمير.

وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التداعيات الاقتصادية المختلفة للتوترات المتفاقمة على سوق الطاقة العالمية، مع توضيح خريطة توزيع الضرر بين المناطق المختلفة في العالم، مع الإشارة إلى خطط الدول الراهنة لمواجهة تداعيات الأحداث.

تداعيات مؤثرة

تُخلِّف الأحداث الحالية في الشرق الأوسط عددًا من التداعيات السلبية الرئيسية، التي تتمثل بشكل أساسي في الآتي:

الشكل (1) يوضح أسعار النفط خلال الفترة من 6 مارس 2026 إلى 10 مارس 2026

(-) تقلُّبات كبيرة في أسعار النفط: تتأثر سوق النفط بشدة بأي حدث في المناطق المختلفة في العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط، فعندما تزداد الضربات والهجمات العسكرية وترتفع حرب التصريحات السلبية، تنطلق أسعار النفط إلى الأعلى بشكل كبير، ولكن بمجرد ما يتم الإعلان عن بدايات وقف إطلاق النار وتهدئة الأوضاع تصحح هذه السوق أسعارها.

وبالقياس على أرض الواقع، ففي وقت مبكر من يوم أمس، سجّل سعر خام برنت أكبر ارتفاع يومي، إذ تداول قرب مستوى 120 دولارًا للبرميل قبل أن ينخفض في وقت لاحق إلى 104 دولارات، كما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط 102 دولار.

ولكن في تعاملات ما بعد التسوية، وبدعم من دعوة وكالة الطاقة الدولية بالسحب من المخزونات، تراجعت العقود الآجلة لخام "برنت" إلى 88.94 دولار للبرميل، كما انخفض خام غرب تكساس إلى 94.44 دولار، وفي صباح اليوم استمر خام غرب تكساس الوسيط في الانخفاض إلى 87.96 دولار للبرميل.

ويُمكن تفسير هذا الهبوط في أسعار النفط إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران تقترب من نهايتها، كما أعلن أنه ينوي رفع العقوبات المتعلقة بالنفط، وقد زاد من الضغط الهبوطي تصريح وزراء مالية مجموعة السبع أن المجموعة على أهبة الاستعداد للإفراج عن النفط من الاحتياطيات الإستراتيجية إذا لزم الأمر.

(-) خفض إنتاج النفط: أثرت توترات منطقة الشرق الأوسط على أرباح الشركات المُنتجة للنفط في المنطقة، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن أعلنت 4 دول رئيسية منتجة للنفط عن تخفيضات كبيرة في الإنتاج، حيث خفضت السعودية والإمارات والعراق والكويت إنتاجها النفطي مجتمعة بما يصل إلى 6.7 مليون برميل يوميًا، بالشكل الذي يوضحه الجدول (1)، وهو الأمر الذي يُعَدُّ تعديلًا جوهريًا في إمداد النفط العالمية من بعض أكثر الدول تأثيرًا في تصدير النفط.

الجدول (1) يوضح انخفاض إنتاج النفط في بعض الدول

فكما يوضح الشكل (2) أن دول المنطقة تُعَدُّ من الفاعلين الرئيسيين في سوق النفط العالمية، إذ إن المملكة العربية السعودية تُساهم بنحو 10.1 مليون برميل يوميًا، يليها العراق بنحو 4.09 مليون برميل يوميًا، ثم الإمارات بنمو 3.4 مليون برميل يوميًا، ثم إيران بنحو 3.12 مليون برميل يوميًا، تليها الكويت بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا، ثم ليبيا بنحو 2.4 مليار برميل يوميًا، وأخيرًا قطر وعُمان، بنحو 1.3 و1.02 مليون برميل يوميًا على التوالي، وبالتالي مع اتخاذ أي قرار لخفض الإنتاج ستتأثر الإمدادات العالمية من هذا الخام.

الشكل (2) يوضح إنتاج دول منطقة الشرق الأوسط من النفط في يناير 2026-المصدر: أوبك

(-) ارتفاع أسعار الغاز: تضرر قطاع الغاز بشكل كبير من الأحداث الحالية في منطقة الشرق الأوسط، فبعد هجمات إيران على قطر، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا بنسبة 50%؛ باعتبار قطر من أكبر الدول المصدرة للغاز في العالم، ولكن بعد تصريحات ترامب انخفضت هذه الأسعار في بداية تداولات، يوم الثلاثاء 10 مارس، فقد انخفضت العقود الآجلة للغاز الطبيعي بنسبة 1.5% لتصل إلى 3.07 دولار.

ولكن بالرغم من هذا الانخفاض يتوقع محللو بنك ANZ أن يكون لتوقف الإنتاج من قطر، تداعيات واسعة على السوق خلال الفترة المقبلة.

خريطة توزيع الآثار السلبية

على الرغم من أن التأثيرات السلبية شملت العديد من دول العالم، فإن الضرر لم يكُن بنفس النسبة على مستوى جميع المناطق، وهو ما يتضح على النحو التالي:

الجدول (2) يوضح نسبة تأثُّر مناطق العالم من الأحداث في الشرق الأوسط

(*) دول منطقة الشرق الأوسط (27%): تضررت دول منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير من الأحداث في إيران، فقد تأثرت مستويات الاستثمار والتجارة بشكل كبير، كما تراجعت العائدات الدولارية لدول المنطقة، بالإضافة إلى أن الأموال الساخنة في هذه الدول تخرج بشكل مفاجئ مع هذه الأحداث بشكل يؤثر على سعر الصرف، وبالتالي أسعار الواردات، ومن ثم أسعار السلع والخدمات.

(*) شرق آسيا (22%): تُعَدُّ منطقة شرق آسيا من المتأثرين بشدة من الأزمة؛ نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج، خاصة دول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فأي اضطراب في إمدادات النفط أو ارتفاع حاد في الأسعار، سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي والنقل، ما قد يضغط على معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة. كما أن تعطُّل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها الصناعات الآسيوية التصديرية.

(*) أوروبا (20%): تعاني أوروبا من حساسية مرتفعة تجاه تقلُّبات أسعار الطاقة، خاصة بعد التحديات التي واجهتها في تأمين مصادر بديلة للطاقة خلال السنوات الأخيرة. ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التصعيد في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل داخل دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، كما قد يؤثر التوتر الجيوسياسي على ثقة المستثمرين والأسواق المالية الأوروبية.

(*) أمريكا الشمالية (12%): يظل التأثير في أمريكا الشمالية محدودًا نسبيًا مقارنة بمناطق أخرى؛ نظرًا لقدرة دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، على الاعتماد بدرجة أكبر على إنتاج الطاقة المحلي. ومع ذلك، قد تشهد الأسواق المالية تقلُّبات ملحوظة، كما قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى ضغوط تضخمية تؤثر على المستهلكين والشركات.

(*) جنوب آسيا (10%): تعتمد اقتصاديات جنوب آسيا بدرجة كبيرة على استيراد النفط من الخليج، خاصة دول مثل الهند وباكستان، لذلك فإن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات النفطية وتوسيع عجز الحساب الجاري، ما قد يضغط على العملات المحلية ويؤثر على معدلات النمو الاقتصادي.

(*) إفريقيا وجنوب الصحراء (6%): يأتي التأثير في هذه المنطقة بشكل غير مباشر عبر ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية؛ نتيجة زيادة تكاليف النقل والطاقة عالميًا. كما قد تتأثر الاقتصادات الهشة في دول مثل نيجريا وكينيا بتقلُّبات أسعار الغذاء والطاقة، ما قد ينعكس على مستويات التضخم والاستقرار الاقتصادي.

(*) أمريكا اللاتينية (3%): تتعرض أمريكا اللاتينية إلى تأثير محدود نسبيًا؛ بسبب بُعدها الجغرافي عن مسرح الأحداث، واعتماد بعض دولها على إنتاج الطاقة المحلي مثل البرازيل والمكسيك، ومع ذلك قد تظهر تأثيرات غير مباشرة عبر تقلُّبات التجارة العالمية وأسعار السلع.

مُخرجات الدول

تتخذ الدول مجموعة من الحلول البديلة للخروج من الأزمة الراهنة، ومن هذه الحلول ما يلي:

(-) خطوط أنابيب بديلة: تحول المملكة العربية السعودية مسار الإمدادات عبر خط أنابيب إلى ميناء غربي البلاد، فالسعودية تمتلك خيارات بديلة لتصدير النفط، وذلك عبر خط بترولاين، القادر على نقل 7 ملايين برميل يوميًا.

في هذا السياق، أبلغت شركة أرامكو السعودية مشتريها، بضرورة تحميل الشحنات من ميناء ينبُع على الساحل الغربي للبحر الأحمر؛ لتجنُّب مضيق هرمز، وهو ما دعمه وزير البترول المصري بأن مصر يُمكنها المساعدة في تسهيل نقل النفط الخام السعودي من ينبُع عبر خط أنابيب" سوميد" إلى البحر المتوسط.

(-) تأمين الاحتياطيات الإستراتيجية: أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر أنها نفذت خلال الفترة الماضية حزمة من الخطوات الاستباقية؛ لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات، من خلال زيادة الكميات المكررة بمعامل التكرير المصرية، والاستغلال الأمثل للطاقات التخزينية الكبيرة والبنية الأساسية التي يمتلكها القطاع، مع تكوين أرصدة آمنة من المنتجات المستوردة.

وفي النهاية، يُمكن القول إن التوترات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط تترك آثارًا بعيدة المدى على العالم أجمع، فالأحداث تمثل عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل معادلة أسعار الطاقة العالمية؛ بسبب تمركز جزء كبير من إنتاج النفط والغاز في هذه المنطقة، إضافة إلى مرور نسبة كبيرة من تجارة الطاقة عبر ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز، وهو الأمر الذي يُعطل الإمدادات، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع نتيجة ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية".

وعلى المدى القصير، قد يؤدي استمرار التصعيد إلى تقلُّبات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. أما على المدى المتوسط والطويل، فمن المُرجح أن تدفع هذه التطورات العديد من الدول إلى تسريع سياسات تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات، سواء عبر توسيع الاستثمار في مصادر بديلة أو بناء احتياطيات إستراتيجية.