يشهد الشرق الأوسط حالة استقطاب حاد على خلفية المواجهة المفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. فهذه المواجهة ليست تصعيدًا لتوترات أو صدامًا عسكريًا مباشرًا بين طرفين، وإنما هي نتاج لتشابك تحالفات متقابلة. لذلك فإن فهم مستقبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الوقت الراهن يقتضي تحليل ديناميات التفاعل بين التحالفات والتحالفات المضادة، وحدود قدرتها على الضبط أو الدفع نحو تصعيد أوسع لهذه الحرب.
في هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات؛ هي: ما طبيعة التحالفات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟.. وما أهم آليات تفاعل هذه التحالفات مع هذه الحرب؟.. وكيف يبدو مستقبل هذه الحرب مع نشاط هذه التحالفات؟
في ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل ليستعرض النقاط الأساسية التالية:
تحالفان متضادان
بعد مرور عدة أيام على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يتبين أن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية ثنائية الطرفين، بل صراع شبكي تتداخل فيه تحالفات وتحالفات مضادة إقليمية ودولية. وبالتالي تتزايد أهمية تحليل كيفية وطريقة تفاعل هذه التحالفات مع تلك الحرب التي لا تزال مشتعلة. فمدى هذا التفاعل أو التعاطي من جانب تحالفات طرفي الصراع يلعب دورًا كبيرًا في تحديد نطاق الحرب ومدتها واحتمال توسعها. وفي ضوء ذلك، يمكن تحديد التحالفات المرتبطة بهذه الحرب فيما يلي:
(*) التحالف الأمريكي–الإسرائيلي: يضم هذا التحالف الولايات المتحدة التي توفر التفوق العسكري عبر القوة الجوية والبحرية، والاستخبارات، والدفاع الصاروخي، والعقوبات الاقتصادية. ويضم كذلك إسرائيل التي تضيف التفوق الاستخباراتي والقدرة على تنفيذ الضربات الدقيقة داخل العمق الإيراني أو في الساحات المحيطة (سوريا، لبنان).
ويمكن أن يحصل هذا التحالف على دعم لوجستي وسياسي محتمل من دول غربية مثل المملكة المتحدة وفرنسا (قواعد، معلومات، غطاء دبلوماسي). ويتوفر لهذا التحالف كذلك شبكة شراكات إقليمية غير معلنة بالكامل مع بعض الدول التي تشترك في القلق من تمدد النفوذ الإيراني، لكنها تحرص في الوقت ذاته على تجنّب الانخراط المباشر.
ويواجه هذا التحالف، على الرغم من تماسكه العسكري، معضلة استراتيجية تتمثل في: كيف يمكن توجيه ضربات مؤثرة لإيران أو أذرعها دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة مرتفعة التكلفة السياسية والاقتصادية داخليًا وخارجيًا؟
(*) شبكة التحالفات المضادة بقيادة إيران: تضم هذه الشبكة إيران وأذرعها الإقليمية؛ مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق وسوريا. وقد يحصل هذا التحالف على دعم مباشر أو غير مباشر من حلفاء مثل روسيا (تكنولوجيا عسكرية، دعم سياسي في مجلس الأمن) والصين (غطاء اقتصادي ودبلوماسي).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك دولًا وقوى إقليمية ودولية تميل للتموضع البراغماتي بين التحالفين السابقين مثل تركيا؛ فهي عضو في الناتو لكنها تحتفظ بعلاقات مع إيران وروسيا، وقد تلعب دور الوسيط في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الراهنة على إيران لتجنب انفجار إقليمي واسع. وهناك دول أخرى قد تسمح بدعم لوجستي أمريكي، لكنها تحاول تجنب أن تصبح ساحات استهداف مباشر.
آليات التفاعل
تتزايد أهمية تحليل كيفية وطريقة تفاعل التحالفات سالفة الذكر مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي ما زالت مشتعلة. فمدى هذا التفاعل أو التعاطي من جانب تحالفات طرفي الصراع يلعب دورًا كبيرًا في تحديد نطاق الحرب ومدتها واحتمال توسعها. ويحاول كل طرف في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران توسيع نفوذه دون الانجرار إلى حرب شاملة، لكن وجود أطراف وأذرع مسلحة أخرى يزيد من خطر الانزلاق غير المقصود. فالتفاعل بين التحالفات ليس خطيًا، بل شبكة معقدة من الردع، والردع المضاد، والحسابات السياسية. وفي ضوء ذلك يمكن تحديد آليات تفاعل التحالفات والتحالفات المضادة إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران، وذلك على النحو التالي:
(*) الآلية القائمة على "الردع المعزز": يتبنى هذه الآلية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي الذي يعمل وفق مبدأ "الردع المعزز" من خلال شن الضربات المركزة، وحماية الملاحة في الخليج، وتوسيع الدفاعات الجوية لدى الحلفاء الخليجيين، ومحاولة منع توسع الحرب إلى مواجهة شاملة.
(*) الآلية القائمة على "الحرب غير المتكافئة": تعتمد إيران وحلفاؤها على استراتيجية "الحرب غير المتكافئة" التي يمكن من خلالها تجنب مواجهة تقليدية مباشرة طويلة، وبدلًا من ذلك: فتح جبهات متعددة (لبنان، العراق، البحر الأحمر)، واستهداف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية عبر الوكلاء، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز. هذا فضلًا عن غطاء دولي نسبي من قوى كبرى مثل روسيا والصين، اللتين لا تنخرطان عسكريًا مباشرة، لكنهما توفران دعمًا سياسيًا واقتصاديًا يحدّ من فعالية العزل الغربي الكامل. وتتميز هذه الشبكة بمرونة عالية؛ فهي لا تحتاج إلى إعلان حرب شاملة، بل تستطيع إدارة تصعيد منخفض الحدة ومتعدد الجبهات، بما يُربك الخصم ويُطيل أمد الاستنزاف.
وفي ضوء ما سبق، يمكن تحديد مسارات الحرب الراهنة عبر ثلاث دوائر تفاعل رئيسية:
(*) دائرة الردع المتبادل: كل طرف يسعى إلى تثبيت "معادلة ردع" جديدة دون تجاوز الخطوط التي تستدعي مواجهة مباشرة واسعة. غير أن تعدد الفواعل غير الدوليين يزيد احتمالات سوء التقدير.
(*) دائرة التدويل السياسي: قد يتحول الصراع إلى ساحة تنافس داخل المؤسسات الدولية، حيث يتقاطع مع الصراع الأوسع بين الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، بما يربط مستقبل الحرب بسياقات النظام الدولي الآخذ في التحول.
(*) دائرة الاقتصاد والطاقة: أي تصعيد واسع يهدد أمن الملاحة في الخليج وأسعار الطاقة العالمية، وهو ما تم تقريبًا بغلق مضيق هرمز، يدفع قوى دولية أخرى للضغط نحو الاحتواء السريع، تجنبًا لاضطراب اقتصادي عالمي.
وفي النهاية، يمكن القول إن مستقبل الحرب الراهنة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى لا يتوقف فقط على ميزان القوة العسكرية لطرفي الصراع، بل على مدى قدرة التحالفات المتقابلة على إدارة هذه الحرب ضمن سقف محسوب. فكلما تعزز التنسيق داخل كل محور، ارتفع مستوى الردع، لكن في المقابل تزداد احتمالات الاحتكاك غير المقصود. لذلك فإن مستقبل هذه الحرب سيظل رهنًا بمعادلة دقيقة: ردع متبادل يمنع الانفجار الشامل، لكنه لا يفضي إلى سلام مستدام. وفي هذا التوازن القلق، تبقى المنطقة أمام اختبار طويل لإدارة الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران أكثر من حسمه.