الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تؤثر روسيا في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيسان الروسي والإيراني في الكرملين- أرشيفية

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

أدت الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى تحولات إستراتيجية متسارعة في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فلم تعد المسألة تقتصر على صراع ثنائي حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل تحولت إلى ساحة تصعيد إقليمي مركب تتداخل فيه حسابات إسرائيل والولايات المتحدة، بما يجعلها اختبارًا مباشرًا لتوازنات القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا، التي برز دورها المحوري في معادلات الإقليم منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015.

في هذا السياق، تُثار تساؤلات جوهرية؛ وهي: ما الثوابت المحددة لحسابات الموقف الروسي إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ وكيف يتم قراءة هذه الحرب من منظور روسي؟ وما مدى استفادة أو خسارة روسيا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ وهل تمثل روسيا عاملًا حاسمًا في مسار هذه الحرب، أم أن دورها سيبقى ضمن حدود التأثير السياسي والدبلوماسي؟

في ضوء ما سبق، يرصد التحليل التالي الحسابات الروسية تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ثوابت روسية

يمكن تحديد أهم ثوابت السياسية الخارجية لروسيا في إدارة التوترات أو النزاعات الشرق أوسطية، فيما يلي:

(*) المنطق الروسي القائم على إدارة التوتر لا تفجيره: تنطلق روسيا من مبدأ ثابت في سياساتها الشرق أوسطية قوامه تعظيم النفوذ عبر إدارة الأزمات لا عبر حسمها، غير أن هذا المنطق يواجه اختبارًا حقيقيًا مع انتقال التصعيد من ضربات أمريكية محدودة إلى عمليات إسرائيلية مكثفة ومباشرة ضد إيران، فموسكو -التي عارضت سابقًا الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وتبنت خطابًا ناقدًا للضربات الأمريكية- تجد نفسها الآن أمام تصعيد لا تتحكم في إيقاعه بالكامل، ورغم ذلك لا يزال الحساب الروسي يقوم على ركيزتين: رفض الهيمنة الأمريكية، وتجنب الانخراط العسكري المباشر في مواجهة مفتوحة.

(*) الاعتبار الجيوطاقي الروسي في ظل تعدد الجبهات: ترى موسكو أن أي حرب إقليمية واسعة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى فوضى غير قابلة للضبط، وتهديد خطوط الملاحة والطاقة، وربما توسيع الانتشار العسكري الأمريكي في الإقليم، ومع دخول إسرائيل عسكريًا تتزايد مخاطر انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، فقد تمتد هذه الحرب إلى الساحة السورية بعد أن طالت لبنان، وهو ما قد يقوِّض أحد أهم إنجازات السياسة الخارجية الروسية خلال العقد الأخير.

وشكَّلت مثل هذه الثوابت الموقف الروسي من الضربات الأمريكية الإسرائيلية خلال ما عُرف إعلاميًا بـ"حرب الـ12 يومًا"، إذ اكتفت موسكو خلال جولات التصعيد السابقة بإدانة سياسية للضربات الأمريكية دون تقديم مظلة ردع عسكرية مباشرة لإيران.

وكشف هذا السلوك عن طبيعة التحالف الروسي الإيراني بوصفه تحالفًا مصلحيًا لا دفاعيًا، غير أن تكثيف الضربات الإسرائيلية والأمريكية الراهنة على إيران يضع هذا التحالف أمام اختبار جديد، فاستمرار الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية قد يُفسر إيرانيًا كدعم غير كافٍ، بينما أي تصعيد روسي مباشر قد يهدد قنوات التنسيق القائمة مع إسرائيل، خصوصًا في سوريا.

الحرب الحالية من وجهة نظر روسية

يمكن تحديد قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من منظور روسي في ضوء ما يلي:

(&) الإطار الإستراتيجي للعلاقة الروسية الإيرانية: شهدت العلاقات بين موسكو وطهران خلال العقدين الأخيرين تطورًا ملحوظًا، خاصة في مجالات التعاون العسكري والطاقة ومواجهة الضغوط الغربية، وتعزز هذا التقارب بعد الحرب في أوكرانيا، إذ وجدت روسيا وإيران نفسيهما تحت منظومة عقوبات غربية متشابهة، وفي هذا السياق أصبحت إيران بالنسبة لروسيا شريكًا إستراتيجيًا في مواجهة الهيمنة الغربية، وحليفًا إقليميًا في الشرق الأوسط يسهم في موازنة النفوذ الأمريكي، وشريكًا عسكريًا وتقنيًا في بعض مجالات التسليح والتكنولوجيا.

لذلك، فإن أي حرب تهدد إيران تمثل -في الحسابات الروسية- تغييرًا خطيرًا في توازن القوى الإقليمي قد يؤدي إلى توسع النفوذ الأمريكي قرب حدود روسيا الجنوبية.

(&) الموقف الرسمي للقيادة الروسية: اتخذت القيادة الروسية موقفًا واضحًا نسبيًا منذ بداية الحرب، يجمع بين التضامن السياسي مع إيران والدعوة إلى وقف التصعيد، إذ أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان ضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية والعودة إلى الحلول الدبلوماسية، كما عبَّر بوتين عن تعازيه للقيادة الإيرانية في ضحايا الهجمات، مؤكدًا تضامن موسكو مع طهران في مواجهة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

وفي الإطار ذاته، صرح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن "الصراع ليس حرب روسيا"، مشيرًا إلى أن من بدأ الحرب يجب أن يعمل على إنهائها، في إشارة واضحة إلى واشنطن وحلفائها.

فهذا الخطاب يعكس توازنًا دقيقًا للموقف الروسي إزاء هذه الحرب؛ قوامه "دعم سياسي لإيران دون التورط المباشر في الحرب".

(&) موقف روسيا من انتخاب مجتبي خامنئي مرشدًا لإيران: اتخذت القيادة الروسية موقفًا داعمًا وسريعًا تجاه القيادة الإيرانية الجديدة، فبعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة تهنئة إلى مجتبي خامنئي عقب انتخابه مرشدًا أعلى، مؤكدًا أن روسيا "ستظل شريكًا موثوقًا لإيران"، وأن موسكو تقف إلى جانب طهران في ظل ما وصفه بالعدوان العسكري الذي تواجهه.

كما شدد بوتين في رسالته على ثقته بأن المرشد الجديد سيواصل نهج والده ويوحد الشعب الإيراني في مواجهة الظروف الصعبة، وهذا الموقف يعكس عدة دلالات إستراتيجية؛ أهمها: الاعتراف السريع بالقيادة الجديدة لضمان استمرار التحالف بين موسكو وطهران، ورسالة سياسية للغرب مفادها أن تغيير القيادة الإيرانية لن يؤدي إلى انهيار النظام أو فقدانه للدعم الدولي، ومحاولة تثبيت الاستقرار الداخلي الإيراني لأن أي فراغ في السلطة قد يهدد المصالح الروسية في المنطقة، كما أن وجود نظام إيراني قوي يمنع الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة على الشرق الأوسط، وهو هدف إستراتيجي طويل الأمد للسياسة الخارجية الروسية.

وجاء هذا الموقف الروسي متقاطعًا مع مواقف دول أخرى مثل الصين التي دعت إلى احترام سيادة إيران ورفض استهداف قيادتها الجديدة.

حدود تأثير الحرب على المصالح الروسية

تحمل الحرب الحالية بالنسبة لروسيا مزيجًا من المكاسب والمخاطر، ويمكن توضيح ذلك في ما يلي:

(-) المكاسب المحتملة: يأتي في مقدمة هذه المكاسب تشتيت التركيز الأمريكي، فانخراط الولايات المتحدة في حرب جديدة في الشرق الأوسط قد يقلل من الضغط العسكري والسياسي الذي تمارسه واشنطن على موسكو في ملفات أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا.

واستفادة روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة، فأي تصعيد في الخليج أو تهديد لإمدادات النفط يؤدي غالبًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يعود بفوائد اقتصادية مباشرة على روسيا بوصفها أحد كبار مصدري الطاقة في العالم، هذا فضلًا عن تعزيز مكانة روسيا كوسيط دولي، إذ تسعى موسكو لتقديم نفسها كقوة قادرة على الوساطة بين أطراف الصراع، ما يمنحها دورًا دبلوماسيًا مهمًا في النظام الدولي.

(-) الخسائر والمخاطر المحتملة: يأتي في مقدمة هذه المخاطر احتمال إضعاف إيران، فإذا أدت الحرب إلى تدمير كبير في البنية العسكرية أو السياسية الإيرانية فإن روسيا ستفقد أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط، فضلًا عن خطر توسع الصراع، فاتساع الحرب الراهنة إقليميًا قد يهدد المصالح الروسية في الشرق الأوسط، خصوصًا في مناطق النفوذ الروسي.

وبصفة عامة، تضع الحرب الحالية موسكو أمام معادلة معقدة: فهي قد تحقق بعض المكاسب الإستراتيجية من انشغال الولايات المتحدة بالصراع وارتفاع أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بخسارة حليف رئيسي إذا تعرضت إيران لضربة قاسية.

حسابات إستراتيجية

رغم التقارب مع إيران، فإن روسيا تتبنى مقاربة حذرة إزاء الصراع الحالي في الشرق الأوسط لعدة أسباب إستراتيجية؛ يأتي في مقدمتها ما يلي:

(*) تجنب روسيا المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة: أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران قد يضع روسيا في مواجهة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو يحمل خطر التصعيد بين قوتين نوويتين.

(*) الانشغال الروسي بالجبهة الأوكرانية: لا تزال روسيا منخرطة في صراع طويل في أوكرانيا، ما يجعل فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط أمرًا مكلفًا إستراتيجيًا وعسكريًا.

(*) الحفاظ على شبكة العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط: على الرغم من تحالفها مع طهران، تحافظ موسكو أيضًا على علاقات مع دول أخرى في المنطقة، بما فيها إسرائيل ودول الخليج، ما يدفعها إلى تبني سياسة توازن دبلوماسي بدل الانحياز الكامل.

وبناءًا على ما سبق، يتبين أن موسكو تتبع إستراتيجية "الدعم المحسوب"، والتي تقوم على ثلاثة مبادئ: دعم سياسي واضح لإيران وقيادتها الجديدة، وتجنب التدخل العسكري المباشر في الحرب، والسعي إلى لعب دور الوسيط الدولي إذا سنحت الفرصة، فهذه المقاربة تسمح لروسيا بالحفاظ على تحالفها مع إيران دون المخاطرة بصدام مباشر مع الولايات المتحدة.

أدوات التأثير الروسية

تمتلك روسيا عدة أدوات للتأثير في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، يأتي في مقدمتها ما يلي:

(#) التأثير الدبلوماسي: يمكن لموسكو استخدام موقعها في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرارات دولية ضد إيران أو لفرض مسارات تفاوضية للحرب الراهنة.

(#) الدعم العسكري غير المباشر لإيران: يشمل ذلك نقل التكنولوجيا العسكرية أو أنظمة الدفاع الجوي أو المعلومات الاستخباراتية.

(#) الوساطة: تحاول موسكو تقديم نفسها كوسيط محتمل بين الأطراف المتحاربة، وأشارت تقارير إلى أن بوتين طرح مقترحات دبلوماسية لحل الأزمة مع القيادة الأمريكية.

لكن رغم كل ما سبق، تواجه روسيا معضلة إستراتيجية حقيقية في تفعيل واستخدام أدوات التأثير السابقة. فالحرب وضعت موسكو بين خيارين صعبين؛ هما: دعم إيران بقوة أكبر على حساب المخاطرة بتصعيد مع الولايات المتحدة والغرب، فالاكتفاء بالدعم السياسي فقط لإيران قد يؤدي إلى خسارة حليف إقليمي مهم إذا تعرضت إيران لهزيمة كبيرة، ووصفت بعض التحليلات هذا الوضع بأنه يضع روسيا أمام خيارات صعبة بين خسارة حليف إستراتيجي أو الدخول في مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة.

وفي النهاية، يمكن القول إن روسيا تمثل فاعلًا مهمًا ولكن غير مباشر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حتى الوقت الراهن، وتسعى روسيا إلى إدارة دورها في هذه الحرب بطريقة تضمن حماية مصالحها الإستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الغرب، وهو ما يجعل دورها في هذه الحرب مؤثرًا، لكنه يظل في إطار التأثير غير المباشر أكثر من التدخل العسكري المباشر.

فالدور الروسي في هذه الحرب يتخذ طابعًا إستراتيجيًا ودبلوماسيًا أكثر منه عسكريًا، إذ تسعى موسكو إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية مصالحها الإقليمية، والحفاظ على الاستقرار الدولي، وتجنب صدام مباشر مع القوى الغربية. 

وفي ضوء ذلك، يبقى مستقبل الدور الروسي مرهونًا بتطورات هذه الحرب نفسها، فإذا طال أمد الصراع أو هُدِّدت مكانة إيران الإقليمية بشكل جذري، فقد تجد موسكو نفسها مضطرة إلى رفع مستوى دعمها طهران، وهو ما قد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بأكمله.