أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، 9 مارس 2026، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي وصفتها الدوائر الأمريكية بـ"الغضب الملحمي" أوشكت على الانتهاء، قائلًا "حرب إيران انتهت إلى حد كبير"، من دون أن يُقدم إطارًا زمنيًا محددًا لذلك، مؤكدًا أيضًا أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على طهران حقق أهدافه وفق تعبيره برغم استمرار العمليات العسكرية في المنطقة. هذا التناقض في التصريحات للرئيس الأمريكي ترامب ما بين توقف الحرب واستمراريتها في تنفيذ الهجمات ضد إيران لضمان إنهاء برنامجها النووي، والقضاء على قدراتها الصاروخية، وفك ارتباطها بأذرعها في الشرق الأوسط. يجعل الخبراء والمحللين في حيرة بين تلك المتناقضات، لا سيّما أن ترامب عاد ليؤكد أن قرار وقف الحرب سيتم بالتنسيق والتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتبنى استمرار الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني.
هذا التناقض في الموقف الأمريكي، الذي يجسده ترامب في تصريحاته انعكس أيضًا على تصريحات أركان إداراته بعد أن أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، التبرير الأكثر إثارة لتوجيه الضربات الأمريكية لإيران، قائلًا: "كنا نعلم أن إسرائيل ستتحرك، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية، وإذا لم نهاجم مسبقًا فسنخسر عدد أكبر من الجنود". الأمر الذي يطرح تساؤلًا مركزيًا حول ماهية توجهات مؤسسات صنع القرار الأمريكي من ذلك التصعيد، وأبرز المحددات التي انعكست على تبني تلك الرؤى والتوجهات.
توجهات داعمة
تنوعت توجهات ورؤى مؤسسات صنع القرار الأمريكي من التصعيد العسكري في إقليم الشرق الأوسط، ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:
(*) البيت الأبيض: خلال حديثه للشعب الأمريكي لتبرير الهجوم الأمريكي على إيران عدد الرئيس دونالد ترامب، 27 فبراير 2026، وقبيل شنّ الهجوم بيوم واحد سياسات النظام الإيراني، التي أدت إلى زعزعة الاستقرار العالمي، إذ أشار إلى أن النظام الإيراني دأب على مدى عقود، على زعزعة استقرار العالم عن قصد، إذ قتل أفرادًا من القوات الأمريكية ومواطنين أمريكيين، وهدد حلفاء في المنطقة، وعرّض أمن الملاحة الدولية التي يعتمد عليها العالم للخطر، وأضاف ترامب أن دعم النظام الإيراني الواسع لقوى وميليشيات بالوكالة مصنفة كمنظمات إرهابية -منها الحوثيون، وحزب الله، وحماس، وغيرهم- أسهم في نشر سفك الدماء والفوضى في أنحاء الشرق الأوسط لفترة طويلة. وهذا ليس مجرد ادعاء، بل حقيقة نعلمها يقينًا، ودفع رجالنا ونساؤنا ثمن أفعال هذا النظام والحرس الثوري الإيراني بأرواحهم.
(*) الخارجية الأمريكية: أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو، التصريح الأكثر إثارة بشأن انخراط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد إيران، قبيل تقديمه إحاطة لكبار المشرعين الأمريكيين، قائلًا: "إن الولايات المتحدة شنت هجومًا استباقيًا على إيران بعدما علمت أن حليفتها إسرائيل تعتزم شن هجوم، الأمر الذي كان سيؤدي إلى رد انتقامي ضد القوات الأمريكية". وفي 9 مارس 2026، تحدث روبيو عن الحرب مع إيران متهمهًا بأخذ العالم رهينة، مؤكدًا أن الهدف تدمير قدرة ذلك النظام على إطلاق الصواريخ، عبر تدمير الصواريخ نفسها ومنصات إطلاقها، وضرب المصانع التي تصنعها، وإضعاف أسطوله البحري، وذكر أن هذا النظام لا يتردد في مهاجمة جيرانه وبنيتهم التحتية للطاقة وحتى المدنيين، واعدًا بأن العالم سيصبح أكثر أمانًا عندما تُنجز هذه المهمة.
(*) وزارة الحرب الأمريكية: أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، 9 مارس 2026، أن الولايات المتحدة لم تبدأ بعد مرحلة استخدام القنابل الثقيلة ضد الأهداف العسكرية الإيرانية، مضيفًا خلال مقابلة مع شبكة سي بي أس، أن العمليات العسكرية ضد إيران تسير وفق الخطة ولا نتعجل إعلان نصر مبكر، قائلًا إن الحرب الحالية غير متكافئة عن عمد، ومشيرًا إلى أن القدرات الجوية المشتركة مع إسرائيل الأقوى عالميًا، لافتًا إلى أن الرئيس ترامب كان محقًا بقوله إن هناك ضحايا فمثل هذه الأحداث لا تحدث دون خسائر وستقع خسائر أخرى، وأشار وزير الحرب الأمريكي، إلى أن مراسم الاستسلام في طهران متروكة للجانب الإيراني.
(*) الرأي العام الأمريكي: يُمثل الرأي العام الأمريكي متغيرًا محوريًا تستهدفه مؤسسات صنع القرار الأمريكية، من خلال تقديم المبررات والأسانيد التي على أساسها قامت الإدارة الأمريكية باتخاذ قرار شن الضربات الأمريكية على إيران. وبرغم اقتناع الكتلة الانتخابية الصلبة الداعمة لترامب، التي تُشكل حركة ماجا قوامها وشعارها أمريكا أولًا، وتأييدها كل سياسات الرئيس الأمريكي ترامب، في الداخل والخارج باعتباره المدافع الرئيسي عن المصالح الأمريكية، إلا أن ثمة تبلور لتيار أمريكي داخلي تتعالى أصواته ويرفض أن تستدرج إسرائيل الولايات المتحدة في حرب ممتدة بالشرق الأوسط تنعكس سلبًا على المصالح والحلفاء الداعمين للتوجهات الأمريكية، لذلك يعتقد هذا التيار بضرورة وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي، ويرى العديد من الخبراء بأن ترامب وحزبه سيدفعان ثمن ذلك الاندفاع خلف إسرائيل، خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي نوفمبر 2026.
محددات حاسمة
على الرغم من اختلاف الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من التصعيد العسكري ضد إيران، إلا أن ثمة محددات حاسمة جعلت من مواقف مؤسسات صنع القرار الأمريكي بهذه الدرجة من التوافق، نظرًا لاختيار ترامب فريق عمل متجانس يدين له بالولاء ويتبنى رؤيته داخليًا وخارجيًا. ما يمكن الإشارة إلى أبرز تلك المحددات على النحو التالي:
(*) خطر تفكك إيران: ثمة إدراك غربي وفي القلب منه أمريكي بأن تفكيك إيران وتحويلها إلى دولة فاشلة عاجزة عن القيام بالمهام الرئيسية للدولة سيكون له تداعياته السلبية على الدولة والمجتمع والإقليم أيضًا فمع انهيار النظام، وفقدانه السيطرة على أجزاء من البلاد، فقد يؤدي ذلك السيناريو المحتمل إلى تفكك إيران إلى كيانات متعددة على أساس عرقي، إذ تضم إيران عرقيات متنوعة مثل الأكراد والبلوش والعرب الأحوازيين، والأذريين، ومع وقوع معظم موارد إيران الطبيعية من النفط والغاز والمياه في مناطق تسكنها هذه الأقليات، يصبح ذلك السيناريو بيئة مواتية لانتشار الإرهاب والتهريب والجريمة بكل أنواعها في الإقليم.
(*) ضمان أمن الطاقة العالمي: يُشكل ضمان أمن الطاقة العالمي المحدد الأبرز لموقف مؤسسات صنع القرار الأمريكية، لا سيّما وأن إيران تضخ برغم العقوبات المفروضة عليها ما يقرب من مليون ونصف المليون برميل يوميًا في سوق النفط العالمي، كما يُمثل مضيق هرمز شرين لإمدادات الطاقة العالمية، إذ تمر منه ما يقرب من ثلث تلك الإمدادات، ومع توقف الملاحة في المضيق بسبب التصعيد العسكري، بحسب تعبير علي لاريجاني، الذي أكد أن إيران لم تغلق مضيق هرمز وإنما العمليات العسكرية، هي ما أدت إلى ذلك فإن أمن الطاقة سيواجه تهديدًا متناميًا بعد أن اتجهت اسعار النفط للارتفاع. الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي ترامب يعلن، 9 مارس 2026، أنه قرر رفع بعض العقوبات المتعلقة بالنفط، بسبب الاضطراب في الأسواق الناجم عن الهجوم المشترك مع إسرائيل على إيران. وصرّح للصحفيين، بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "سنرفع أيضًا بعض العقوبات المتعلقة بالنفط لخفض الأسعار"، موضحًا أن هذا الإجراء سيظل ساريًا، إلى حين تسوية هذا الأمر. ولوّح ترامب في الوقت نفسه بتصعيد أكبر ضد طهران إذا أقدمت على عرقلة إمدادات النفط العالمية، قائلًا: "لن أسمح لنظام إرهابي بأن يأخذ العالم رهينة ويحاول إيقاف الإمدادات النفطية للعالم. وإذا أقدمت إيران على أي فعل من هذا القبيل، فستتعرض لضربة أشد بكثير"، في تحذير مباشر على خلفية ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب.
(*) حماية إسرائيل من مخاطر التهديد الوجودي: مُنيت إسرائيل بخسائر كبيرة من عدوانها الغاشم على غزة بما جعل بعض التقديرات تشير إلى أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا بعد عملية السابع من أكتوبر 2023، التي كشفت هشاشة الأمن الإسرائيلي، وانكشافه وسقوط نظريات الردع الإسرائيلي بامتلاك القوة. هذا التهديد الوجودي أظهرته العديد من المؤشرات أولها فشل نتنياهو وجيش الاحتلال في تحقيق أي من أهداف حربه الغاشمة على غزة سواء ما يتعلق بالقضاء على حركة حماس أو إطلاق سراح المحتجزين لدى فصائل المقاومة، وثانيها ما يرتبط بمشاهد النزوح للمواطنين الإسرائيليين من المناطق المحاذية للعمليات العسكرية سواء في مستوطنات غلاف غزة أو المستوطنات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بإنشاء معسكرات لاستضافتهم. وثالثها انخفاض مستوى الهجرة إلى إسرائيل وتزايد عمليات الهجرة من إسرائيل إلى الخارج بما دفع البعض لتوصيف إسرائيل بأنها "الدولة الفندق"، التي ما أن تتعرض للخطر حتى يتركها القائمون فيها. ورابعها حالة الذعر والرعب التي يعيشها الداخل الإسرائيلي وفقًا لما تناقلته وسائل اعلام إسرائيلية من الهجوم الإيراني بالمسيّرات بما يكشف حالة الزيف التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي من قدرة حكومته اليمينية المتطرفة على فرض الواقع بامتلاك القوة الغاشم، حتى في ظل الحديث عن تماسك الداخل لمواجهة تحديات الخارج فقد تزامن الهجوم الإيراني مع مطالبات إسرائيلية من المعارضة تطالب بإسقاط حكومة نتنياهو وإجراء انتخابات مبكرة. ولا شك أن ما تعانيه إسرائيل من تهديدات وجودية جعلت المشروع الاستيطاني في أضعف حالاته، بعد أن سعى نتنياهو إلى الهروب بعيدًا بفتح تلك الجبهات الصراعية التي بلا شك لن تحقق استقرارًا أو سلامًا دائمًا لإسرائيل. وربما رغب نتنياهو من كل ذلك الدمار الذي أحدثه في دول الإقليم في تفادي محاكمته التي جعلت الرئيس الأمريكي ترامب يطلب من الرئيس الإسرائيلي العفو عنه.
(*) محاصرة الصعود الصيني: يبدو التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران في الشرق الأوسط بعيدًا عن المجال الحيوي للصين، إلا أن استهداف إيران، التي تمثل إحدى الدول الرئيسية الموردة للنفط إلى الصين يسهم في محاصرة الاقتصاد الصيني، وقبلها توجيه الرئيس الأمريكي ترامب بتنفيذ عملية عسكرية، مطلع يناير 2026، ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واختطافه لمحاكمته في أمريكا، والسعي لإقامة نظام جديد أكثر توافقًا مع السياسات الأمريكية، ما جعل ترامب يبحث عن صيد ثمين آخر وجده في إيران حيث تستحوذ الدولتان -إيران وفنزويلا- على ما يقرب من ثلث الاحتياطات العالمية من النفط، إذ تُعد فنزويلا أيضًا من الموردين الرئيسين للنفط إلى الصين، ما يعني تجفيف مصادر ضخ النفط إلى الاقتصاد الصيني لمحاصرة ذلك الصعود المتنامي للصين. غير أن الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة من المواجهات مع إيران التي تجلت في استدعاء ترامب لعدد من رجال الدين للبيت الأبيض للدعاء له ومساندته في مهمته، ومع إخفاقه في إسقاط النظام الإيراني جاء إعلانه عن ذلك الانتهاء الوشيك للحرب على إيران.
إجمالًا، على الرغم من أن ثمة اجماع لمؤسسات صنع القرار الأمريكية على دعم رؤية الرئيس ترامب وتوجهاته وما أصدره من تكليفات بشأن شن تلك الضربات على إيران لتدمير برنامجها النووي، وتفكيك منظومة إنتاج الصواريخ الباليستية باستهداف مصانع إنتاجها ومنصات إطلاقها، وكذلك تدمير القدرات البحرية لإيران، وفك ارتباطها بميليشياتها التي أسهمت في تعزيز عدم الاستقرار في دول الإقليم وقوضت مرتكزات الدولة الوطنية، إلا أن التحدي الأبرز الذي يواجه الولايات المتحدة في تصعيدها العسكري بإقليم الشرق الأوسط يرتبط باستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، ما سينعكس بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، الذي لا زال يعاني من مشكلات تضخمية وضعف تمويل التنمية وارتفاع الديون العالمية، الأمر الذي يتطلب تدخلًا من مجلس الأمن والقوى الكبرى لوقف الصراع ومنع تمدده، ولن يتأتي ذلك إلا من خلال حظر الانتشار النووي في إقليم الشرق الأوسط، الذي تتكالب عليه كل القوى الإقليمية والدولية لتوظيفه في أتون معركة لعبة الأمم.