الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

في ذكراه الـ20 .. كيف وصل نجيب محفوظ بالرواية من المحلية إلى العالمية؟

  • مشاركة :
post-title
نجيب محفوظ

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

يوسف القعيد: مؤسس الرواية العربية الحديثة وصاحب مشروع روائي متكامل
أحمد القرملاوي يكشف سبب تحويل أعمال محفوظ إلى كوميكس

كان للأديب العالمي نجيب محفوظ، أثر واضح ليس على الرواية المصرية والعربية فحسب، بل أثّر في الإسهامات العالمية وأثراها، واستقى منه كبار الأدباء ونهل من فكره الكثير، وتُرجمت أعماله عالميًا، بل إن سر نجاحه كان في استطاعته أن يستقي من بيئته المحلية موضوعات وشخصيات وصلت إلى العالمية، وحصد بأعماله أرقى الجوائز في تاريخ البشرية، وهي جائزة نوبل في الآداب، التي استحقها عن جدارة في الوقت الذي لم يخطط فيه لهذا الإنجاز.

ما تزال أعمال وقصص نجيب محفوظ تروى، وأبطال حكاياته تعيش بيننا، فلم تمت بموت كاتبها بل عاشت وستظل لأجيال متعاقبة، وفي هذه السطور تحدث موقع "القاهرة الإخبارية" مع عدد من الأدباء الذين عاشوا وتشبعوا بأعماله، ليفتحوا دفاتره ويكشفون سر وصول أعماله ورواياته للعالمية، وأبرز القضايا التي تناولها محفوظ وتصلح لأن تتم معالجتها اليوم، كما تطرقوا إلى الرواية الأهم في مشواره، والعمل الأقرب لشخصيته.

مؤسس الهوية العربية الحديثة

من جانبه، أكد الروائي المصري يوسف القعيد، أن الأديب العالمي نجيب محفوظ يمثل أحد أهم مؤسسي الرواية العربية الحديثة، وصاحب مشروع روائي متكامل امتد على مدار سنوات طويلة، مشددًا على أن الاحتفاء بإرثه الأدبي لا ينبغي أن يقتصر على ذكرى ميلاده أو رحيله.

وقال يوسف القعيد لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن نجيب محفوظ "مؤسس الهوية العربية الحديثة"، وصاحب مشروع روائي ضخم ومتكامل، موضحًا: "نجيب محفوظ صاحب مشروع روائي كامل ومتكامل استمر سنوات طويلة جدًا، وهو الأستاذ الذي نتعلم منه رغم رحيله منذ سنوات ليست قليلة، وما زلنا نتعلم منه ومن نتاجه الأدبي".

وأضاف: "من يزورني في منزلي سيجد أن كتب نجيب محفوظ تملأ الغرفة التي أعيش فيها، هو مؤسس الرواية العربية الحديثة، وصاحب المشروع الروائي الضخم جدًا، الذي يجب أن نحتفل به كل يوم وليس فقط في ذكرى ميلاده".

نجيب محفوظ
الأكثر توزيعًا

وعن أسباب النجاح الذي حققه نجيب محفوظ ووصول أعماله إلى العالمية، أكد "القعيد" أن محفوظ كان روائيًا حقيقيًا يمتلك عالمًا روائيًا متكاملًا، وهو ما أهّله للحصول على جائزة نوبل في الآداب.

وقال: "الرواية التي استحق عنها نوبل جاءت عن جدارة، لأنه روائي فعلي ويقدم عالمًا روائيًا فعليًا وحقيقيًا وجيدًا وممتازًا".

وتطرق "القعيد" إلى أبرز القضايا التي تناولها نجيب محفوظ في أعماله، مؤكدًا أنه لم يغفل أي قضية يمكن أن يتناولها الروائي، موضحًا أن "كل القضايا التي يمكن أن يناقشها روائي تناولها نجيب محفوظ في رواياته، ولم يغفل قضية واحدة من القضايا التي يمكن أن يكتب عنها روائي، فهو مؤسس الرواية العربية وناقش كل القضايا، وأعماله الأدبية لا تزال حتى الآن الأكثر توزيعًا".

"الثلاثية" عمل خالد

وعن العمل الأدبي الذي يراه الأهم ضمن أعمال نجيب محفوظ، اختار يوسف القعيد "الثلاثية"، مشيدًا بقيمتها الأدبية وقدرتها على البقاء والتأثير، واصفًا أياها بالعمل الممتاز والخالد الذي لم يتكرر.

وأضاف أن سر نجاح "الثلاثية" تكمن في كونها عمل صادق وجيد ومليء بالشخصيات الحية التي تشبه من نقابلهم في الحياة من أفراد.

يوسف القعيد
كوميكس عالم محفوظ

وفي سياق متصل، وفي ظل مواكبة التغيرات كان تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى "كوميكس" ليس مشروعًا منفصلًا عن السياق الأوسع وهو "مشروع نجيب محفوظ"، إذ جاءت الروايات المصورة والكوميكس باعتبارها خطوة جديدة تفتح عالم محفوظ أمام جمهور ووسط إبداعي مختلفين.

من هذا المنطلق أكد الأديب أحمد القرملاوي، أن السؤال الذي كان يشغلهم عند حصولهم على الحقوق الحصرية لنجيب محفوظ ورغبتهم في تقديم مشروع ثقافي عن أديب نوبل، وهو "كيف نقدِّم نجيب محفوظ إلى الأجيال الجديدة من دون أن نفقد شيئًا من أصالته، ومن دون أن نحبسه داخل الصورة التي استقرت عنه طوال عقود؟".

أضاف:" لذلك تعاملنا مع محفوظ باعتباره عالمًا مفتوحًا على احتمالات كثيرة، وليس مجرد سلسلة كتب، لذا بدأنا بإعادة تصميم هويته البصرية من خلال مشاركة أكثر من أربعين فنانًا ومصممًا، كما أقمنا العديد من الفعاليات الفنية والثقافية منها مهرجان نجيب محفوظ، ومددنا جسورًا بين عالم محفوظ والجمهور المعاصر، من دون أن نغفل أولئك الذين لا تربطهم بالقراءة علاقة قوية. في هذا السياق، جاءت الروايات المصورة والكوميكس باعتبارها خطوة جديدة تفتح عالم محفوظ أمام جمهور ووسط إبداعي مختلفين، وكان تعاوننا مع إحدى دور النشر في إنتاج الكوميكس تجسيدًا لفكرة أساسية في المشروع: إننا لا نريد احتكار أعمال محفوظ، بل نفتح الباب أمام الفنانين والناشرين القادرين على إضافة شيء جديد إلى عالمه".

اكتشاف إرث أديب نوبل

وعن تعليقه حول سبب تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى كوميكس باعتبارها جزءًا من مشروعه منذ البداية، قال القرملاوي: "من البداية، رأينا في حصولنا على الحقوق الحصرية لأعمال نجيب محفوظ فرصةً للمجتمع ليس فقط لإعادة اكتشاف إرثه العظيم، وإنما لتحفيز جيل جديد من الفنانين للتفاعل مع عالمه وإنتاج أعمال تستوحي منه ولكنها تعبِّر في الوقت نفسه عن رؤاهم وأساليبهم الخاصة، فلم يكن مجرد مشروع إعادة نشر، بل مشروعًا ثقافيًّا وفنيًّا يهدف إلى إعادة تقديم نجيب محفوظ للمجتمع المعاصر عبر وسائط متعددة".

تابع: "من هنا كانت الكوميكس نتيجة طبيعية لهذه الرؤية، فنحن نؤمن بأن العمل العظيم لا تُقاس قيمته بقدرته على البقاء، وإنما بقدرته على إلهام فنانين آخرين لإنتاج أعمال مبتكرة. وتحويل محفوظ إلى روايات مصورة هو أحد أشكال هذا التفاعل، أرى أن هذا هو الفارق بين التعامل مع الأدب الكلاسيكي باعتباره تراثًا يجب حمايته، أو باعتباره مادة حية قادرة على التأثير في الحاضر في الحالة الأولى يتحول التراث إلى متحف، أما في الثانية فيصبح مساحة للنقاش وطرح الأسئلة والتعبير عن الأفكار وإنتاج الفنون".

الأديب أحمد القرملاوي
مواصلة الحضور

وعن تقييم تأثير نجيب محفوظ على الرواية العربية حتى اليوم، أكد القرملاوي أنه يرى أن تأثير نجيب محفوظ يتجاوز فكرة الروائي العربي الأشهر والأعظم، إلى كونه أيقونة ثقافية وفنية لا مثيل لها، فلم يتوقف منجزه عند مشروعه الروائي، بل تجاوزه إلى إنتاجه السينمائي والقصصي والمسرحي، وحضوره الدائم في كل نقاش سواء في الفلسفة أو التاريخ أو الفن أو علم النفس الاجتماعي، لقد قدَّم محفوظ عبر حياته الفنية نموذجًا فريدًا للكاتب المهموم بمجتمعه، والمتأمل لحركة التاريخ والواعي بطبيعة النفس البشرية؛ فهو نموذج غير متكرر سيظل يُلهم أجيالًا من الأدباء والفنانين، لذلك أرى أن مكانة محفوظ وتأثيره لا ينبغي أن تُقاس ببقاء أعماله على أرفف المكتبات وتحقيقها لأعلى المبيعات، بقدْر ما تُقاس بمواصلة حضوره وحضور أفكاره وشخصياته في النقاش المجتمعي لدى أجيال لم تعِش زمنه، ولم تعرف القاهرة التي كتب عنها".

وعن العمل الأقرب إلى شخصيته وفكره، أكد القرملاوي أنه "من الصعب اختزال نجيب محفوظ في عمل واحد، فقد اتسمت رحلته بالتجريب والانتقال المستمر بين عوالم وأشكال مختلفة، لكنني حين يَطلب مني أحد القراء الجدد اقتراح عمل وحيد يتعرف من خلاله على عالم محفوظ، فإنني أميل إلى "قلب الليل"، فهي رواية قصيرة، مبنية بالكامل على الحوار، يسيرة في قراءتها، وفيها الكثير من خصائص نجيب محفوظ الأسلوبية والفكرية والفنية، من شخصيات رمزية وتساؤلات وجودية تعكس أزمة الإنسان وحركة التاريخ وغيرها من الأفكار التي كثيرًا ما طرحها نجيب محفوظ في أعماله بشتى الطرق".

وأضاف: "أظن أن هذا الاختيار يعكس أيضًا ما اكتشفناه خلال تفاعلنا مع القراء الجدد، فعندما يأتيني شاب لم يقرأ لمحفوظ من قبل، لا أفترض أن نقطة دخوله يجب أن تكون بالضرورة "الثلاثية" أو "زقاق المدق"، أستكشف ذائقته أولًا؛ فقد أرشح لشخص "رحلة ابن فطومة"، ولآخر "ليالي ألف ليلة"، فعالم محفوظ واسع بما يكفي ليستوعب ذائقات مختلفة".

استكشاف عالم أديب نوبل

كما كشف القرملاوي عن سبب أن روايات نجيب محفوظ لا تزال تحظى باهتمام الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن محفوظ لم يكتب عن زمنه فحسب، حتى عندما كان يكتب عن أكثر تفاصيله التصاقًا بالمكان والزمان، والشخصيات التي رسمها والأسئلة التي طرحها تتجاوز زمنها وحدودها الواقعية، ولذلك يستطيع أي قارئ شاب اليوم أن يجد نفسه فيها، حتى لو تغيرت القاهرة واختلفت التكنولوجيا وطريقة الحياة.

تابع قائلًا: "هذا بالضبط ما نراه من خلال مشروع نجيب محفوظ، وأكثر ما يسعدني هو أن يأتيني قارئ في معرض كتاب أو أثناء إحدى الفعاليات ويقول إنه لم يقرأ لمحفوظ من قبل ويسألني: بأي رواية أبدأ؟ بالنسبة لي، هذه اللحظة تعني أن محفوظ لا يمثل لهذا القارئ مجرد اسم من أسماء الماضي، وإنما عالم جذاب يريد أن يدخله ويكتشفه".

كما علّق "القرملاوي" على نجاح محفوظ في تحويل تفاصيل الحياة المصرية اليومية إلى أعمال ذات بُعد إنساني عالمي، التي وصفها بأنها واحدة من أعظم مواهبه، إذ قال: "لم يحتَج إلى مغادرة الحارة أو البيت أو المقهى المصري حتى يصل إلى الإنسان في كل مكان، بل كان يعرف أن التفاصيل المغرقة في المحلية تحمل في جوهرها أسئلة إنسانية تتسع للجميع، فالشخصية المصرية عند محفوظ ليست مجرد شخصية تؤدي دورًا في مجتمع محدد، وإنما إنسان يواجه الحب والخوف والطموح والفشل والموت والرغبة في الحرية والبحث عن معنى للحياة، لذلك، كلما ازداد التصاقه بالتفاصيل، ازداد اقترابه من الهم الوجودي للإنسان في كل مكان، ربما لهذا السبب بالتحديد كان من الضروري أن نقدِّم محفوظ باعتباره عالمًا قابلًا لإعادة تأويل القراءة".

أسئلة محفوظ

وعن أبرز القضايا التي تناولها محفوظ ولا تزال مطروحة حتى الآن قال القرملاوي: "أعتقد أن جزءًا كبيرًا من عظمة محفوظ يرجع إلى أنه لم يتعامل مع القضايا باعتبارها موضوعات تنتهي بانتهاء زمنها، أسئلته عن علاقة الإنسان بالمجتمع، والصراع بين المثالي والأرضي، وعن البحث عن معنى للحياة، لا تزال حاضرة بأشكال مختلفة، وهذا أحد الأسباب التي تجعلني أرى أن التعامل مع محفوظ باعتباره "تراثًا" يضيِّق من إمكاناته، فالتراث الحقيقي ليس شيئًا نضعه في صندوق ونحرسه، وإنما شيء نعيد اكتشافه في كل مرة من خلال أسئلتنا الجديدة".

وأشار "القرملاوي" إلى أن أعمال نجيب محفوظ كانت سابقة لعصرها، إذ رأى أن أديب نوبل قدَّم الرواية في كل القوالب المعروفة واستمرَّ يُجرب ويطور في البنية السردية ويُكثف نصوصه الأدبية حتى جعل من الأحلام شكلًا أدبيًّا جديدًا، ومن الشوارد والخواطر نصوصًا قصصية مكتملة، فتجاوز كل الأشكال الأدبية المتعارف عليها في السابق واللاحق.

أضاف: "أظن أن رحلة محفوظ تقدِّم درسًا مهمًّا في هذا الصدد؛ فقد اتسمت بالدأب المستمر والتجريب والشجاعة ومحاولة استشراف آفاق جديدة للإبداع الأدبي، إلى جانب رحابة الصدر في مواجهة النقد والاختلاف".

وعما يميز شخصيات نجيب محفوظ عن غيرها في الأدب العربي قال: "أهم ما يميزها هو كونها شخصيات مُحكمة البناء وشديدة التعقيد لدرجة تجعل من الصعب نسيانها بعد فراغنا من قراءة العمل الأدبي، مَن يستطيع نسيان محجوب عبد الدايم أو حميدة أو جعفر الراوي أو كمال عبد الجواد أو سعيد مهران؟، إنها شخصيات وثيقة الصلة ببيئاتها الاجتماعية، إلا أن تركيبتها الإنسانية المعقَّدة تجعلها قابلة للتعميم لدرجة استيعاب البشرية جمعاء في شخصية واحدة مُحكمة البناء؛ مَن ذا الذي لم يُلامس أزمة صابر الرحيمي في "الطريق"، أو لم يسقط في حيرة عباس في "أفراح القبة"، أو لم يحلم بحظ عطا المراكيبي في "حديث الصباح والمساء"؟ إنها شخصيات كونية -لو جاز التعبير- بإمكانها استيعاب الحيرة الإنسانية والتعبير عن تساؤلات الإنسان في كل مكان وزمان".