رغم مرور 20 عاما على رحيله، لا يزال نجيب محفوظ حاضرًا بقوة على الشاشة، وكأن عالمه الروائي لم يفقد قدرته على ملامسة الحاضر أو طرح أسئلة جديدة على كل جيل، فمن "بداية ونهاية" و"اللص والكلاب" إلى "زقاق المدق" و"ميرامار" وغيرها من الأعمال التي انتقلت من صفحات الروايات إلى السينما والتليفزيون، ظلت شخصيات محفوظ وأفكاره مادة خصبة لصناع الفن، الذين يعيدون اكتشافها وتقديمها برؤى تتناسب مع كل زمن.
ولا يتوقف هذا الحضور عند الاقتباسات التي سبق أن عرفتها الشاشة، إذ تتجدد محاولات تقديم عالم محفوظ بأشكال درامية مختلفة، في تأكيد على أن أعماله تجاوزت زمن كتابتها لتصبح قابلة لإعادة القراءة والتأويل، ومع كل مشروع جديد، يعود السؤال حول السر الذي يجعل روايات محفوظ قادرة على البقاء والتجدد، ولماذا لا تزال شخصياته وقضاياه قريبة من الجمهور رغم تغير المجتمع وتبدل أدوات الحكي.
وكان أحدث ما أُعلن في هذا السياق هو تحويل رواية "أولاد حارتنا" إلى عمل درامي جديد، من بطولة الفنان عمرو سعد في أولى تجاربه الإنتاجية، على أن يتولى إخراجه محمد ياسين.
والمشروع حاليًا في مرحلة التحضيرات واختيار فريق العمل، تمهيدًا لبدء التصوير، بينما يسعى عمرو سعد إلى إعادة تقديم عدد من أعمال محفوظ برؤية درامية جديدة.
عمق الشخصيات التي ابتكرها
وحول هذا الحضور المستمر، يقول الناقد كمال رمزي إن سر بقاء أعمال نجيب محفوظ حية وقابلة لإعادة التقديم يعود إلى عمق الشخصيات التي ابتكرها، وقدرتها على ملامسة جوهر الإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة، فمحفوظ -بحسب رمزي- لم يكن يكتفي برصد الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وإنما كان ينفذ إلى الدوافع النفسية للشخصيات، وهو ما يمنحها قابلية مستمرة لإعادة القراءة والتفسير والتجسيد فنيًا.
ويشير رمزي إلى أن قوة أعمال محفوظ تظهر بوضوح عند انتقالها من صفحات الروايات إلى الشاشة، إذ تمنح الشخصيات الممثلين مادة ثرية لاكتشاف أبعادها الداخلية وتقديمها برؤى مختلفة.
ويرى أن بعض العبارات والجمل التي كتبها محفوظ كانت بمثابة مفاتيح تكشف جوهر الشخصية، وتساعد الممثل والمخرج على بناء عالمها النفسي، وهو ما يفسر تألق عدد كبير من الفنانين في أدوار مستوحاة من أعماله، سواء في السينما المصرية أو في تجارب سينمائية عالمية.
ومن هذا المنطلق، تبدو روايات نجيب محفوظ في عيون رمزي أكثر من مجرد حكايات مرتبطة بزمان ومكان محددين، فهي أعمال تمتلك قدرة على تجاوز حدود عصرها، لأن القضايا والمشاعر والصراعات التي تناولتها تظل قابلة للحضور في سياقات جديدة، ولذلك يمكن إعادة اقتباسها وتقديم شخصياتها بأشكال مختلفة، مع احتفاظها بجوهرها الإنساني، وهو ما يفسر استمرار حضور عالم محفوظ في السينما والفن حتى بعد عقود من كتابة أعماله.
حضور استثنائي
أما الناقد عصام زكريا فيرى أن نجيب محفوظ لا يمثل فقط أحد أبرز الأسماء في الأدب العربي، بل يعد كذلك من أكثر الأدباء تأثيرًا في تاريخ السينما المصرية، التي أسهمت بدورها في توسيع دائرة انتشار أعماله وتعزيز حضورها لدى الجمهور.
ويؤكد زكريا أن العلاقة بين محفوظ والسينما كانت مُتبادَلة، إذ استفادت الشاشة من عالمه الروائي الثري، بينما منحت الأفلام والمسلسلات أعماله مساحة أوسع للوصول إلى المتلقي.
ويشير زكريا إلى أن أعمال نجيب محفوظ تتمتع بحضور استثنائي في السينما والتلفزيون، إذ تحولت كتاباته إلى عدد كبير من الأفلام والمسلسلات، ليصل إجمالي الأعمال المرتبطة باسمه إلى نحو 160 عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا، سواء باعتباره مؤلفًا أو مشاركًا في كتابة السيناريو، من بينها 19 عملًا شارك في كتابتها بصورة مباشرة.
ويرى أن هذا الحضور الممتد يعكس قدرة عالم محفوظ الأدبي على الانتقال من الصفحة إلى الشاشة والاحتفاظ بقدرته على جذب الجمهور.
ويلفت زكريا إلى أن تجربة محفوظ مع الشاشة يمكن النظر إليها من مسارين متكاملين: الأول يتمثل في "محفوظ كاتب السيناريو" الذي شارك بنفسه في صياغة عدد من الأعمال السينمائية، والثاني "محفوظ الأديب" الذي انتقلت رواياته وقصصه إلى السينما والتلفزيون، ويكشف هذا المسار المزدوج -بحسب رؤيته- عن طبيعة العلاقة العميقة بين محفوظ والسينما، وعن قابلية أعماله المستمرة لإعادة التناول والتفسير وتقديمها في أشكال فنية مختلفة.
لا تنتمي إلى زمن محدد
فيما يؤكد الناقد طارق الشناوي أن سر استمرار روايات نجيب محفوظ حتى اليوم يكمن في أنها لا تنتمي إلى زمن محدد بقدر ما تنفذ إلى جوهر الإنسان، وهو ما يجعل شخصياتها وصراعاتها قابلة لإعادة الاكتشاف مع تغير الأزمنة.
ويشير إلى أن صلاح أبو سيف، منذ قراءته لأعمال محفوظ، أدرك امتلاكها حسًا سينمائيًا واضحًا، وقدرتها على بناء عوالم وشخصيات يمكن نقلها إلى الشاشة دون أن تفقد عمقها، وهو ما جعل أعمالًا مثل "بداية ونهاية" و"الطريق" والثلاثية حاضرة في ذاكرة السينما.
ويوضح الشناوي أن جاذبية أعمال محفوظ لصناع السينما والدراما لا تتوقف عند نجاح الاقتباس الأول، وإنما تمتد إلى قابليتها لتقديم أكثر من قراءة ومعالجة، فالرواية الواحدة يمكن أن تكشف في كل مرة عن جوانب جديدة بحسب رؤية المخرج والظروف التي يعاد تقديمها خلالها، ولهذا لم يقتصر حضور محفوظ على السينما المصرية، بل تجاوزها إلى تجارب اقتباس في دول أخرى، مثل "بداية ونهاية" في المكسيك، كما أعيد تقديم "اللص والكلاب" بأكثر من معالجة، بما يعكس قدرة عالمه الأدبي على تجاوز الحدود الثقافية والزمنية.
ومن وجهة نظر الشناوي، فإن هذه القابلية للتجدد هي أحد أهم أسرار بقاء محفوظ في المشهد الفني حتى الآن، فرواياته لا تفرض معالجة واحدة نهائية، وإنما تستفز المخرجين للبحث عن رؤيتهم الخاصة داخل النص.