في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، استضافت القاعة الرئيسية ندوة بعنوان "الأثر والامتداد: تجليات الميراث المحفوظي في الرواية العربية الجديدة"، بمشاركة عدد من الروائيين والنقاد، وبإدارة الكاتب والناقد المصري شعبان يوسف، حيث أجمع المشاركون على أن نجيب محفوظ يظل "مرجعية لا يمكن القفز عليها" في مسار الكتابة الروائية العربية.
صانع شخصيات خالدة
وافتتح شعبان يوسف الندوة مؤكدًا أن نجيب محفوظ لم يكن مجرد راوٍ بارع أو صانع شخصيات خالدة، بل صاحب مشروع سردي متكامل تشكّل في تماس مباشر مع التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي شهدها المجتمع المصري طوال القرن العشرين، مشيرًا إلى أن تأثير محفوظ تجاوز نصوصه الفردية ليؤسس لتقاليد جديدة في الكتابة الروائية العربية.
واعتبر أن "محفوظ نجح في تحويل الحارة الشعبية والوقائع اليومية إلى مادة فنية ذات طابع كوني دون أن تفقد جذورها المحلية"، لافتًا إلى قدرته على استلهام الواقع الشعبي وتحويله إلى تخييل سردي فتح آفاق الخيال أمام أجيال لاحقة من الكتاب.
وأضاف أن "نصوص محفوظ لا تزال مصدر دهشة، لأنها تسمح بقراءات متجددة تختلف باختلاف السياقات التاريخية والثقافية"، معتبرًا أنه لعب دور "الأستاذ الثقافي" الذي قدّم حلولًا فنية لأسئلة الرواية العربية في لحظات ارتباك كبرى، خاصة خلال ستينيات القرن الماضي.
البنية الذهنية
من جانبه، تناول الكاتب والناقد أحمد عبد اللطيف تجربة نجيب محفوظ من زاوية "البنية الذهنية" التي حكمت مشروعه السردي، موضحًا أن محفوظ لم يكن ناقلًا للواقع بقدر ما كان يعيد بناءه فنيًا عبر آليات ذهنية معقدة تجعل الرواية مساحة لاكتشاف ما نعرفه دون أن ننتبه إليه.
وأشار إلى أن نشأة محفوظ في لحظة تاريخية مضطربة، من الاحتلال البريطاني إلى ثورة 1919 وصعود الحركة الوطنية، انعكست بعمق على أسئلته السردية المتعلقة بالهوية والسلطة واللغة. وتوقف عبد اللطيف عند اختياره للفصحى القريبة من المحكية، معتبرًا أن هذا الاختيار "لم يكن تقنيًا فقط، بل تعبير عن وعي ثقافي وسياسي" في سياق كان فيه تعريف الهوية المصرية محل صراع، مؤكدًا أن محفوظ قدّم نموذجًا للرواية الحديثة دون الوقوع في فخ استنساخ النموذج الأوروبي.
وعي بالزمن
وفي مداخلتها، ركّزت الناقدة رضوى الأسود على علاقة نجيب محفوظ بالزمن، معتبرة أن سر استمرارية مشروعه الروائي يكمن في وعيه العميق بالزمن بوصفه عنصرًا بنائيًا داخل النص، لا مجرد إطار للأحداث.
وأوضحت أن محفوظ قدّم الزمن كمساحة تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع التاريخ الجمعي، مضيفة أن "شخصياته تتحرك بوعي مأزوم بين الماضي والحاضر، وبين ما كان وما يمكن أن يكون"، وهو ما يمنح رواياته قدرة استثنائية على تجاوز السياقات الزمنية المغلقة. وأكدت أن اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة والهواجس اليومية جعله قريبا من القارئ عبر الأجيال، معتبرة أنه "كاتب لا يدعي امتلاك الحقيقة، بل يترك نصوصه مفتوحة على الأسئلة والتأويلات".
العالمية
بدوره، تناول الروائي طارق الطيب تجربة نجيب محفوظ من زاوية العالمية، مؤكدًا أن وصوله إلى العالمية لم يكن عبر التخلي عن المحلي، بل عبر التمسك العميق بتفاصيل المكان المصري، حيث تحولت الحارة والمقهى والشارع إلى عوالم مكتملة تعكس أنماط التفكير والقيم.
وقال إن "محفوظ قدم الإنسان المصري بوصفه نموذجًا إنسانيًا عامًا، يمكن للقارئ في أي مكان في العالم أن يتماهى معه"، معتبرًا أن قدرته على تحويل المحلي إلى إنساني شامل هي جوهر العالمية الحقيقية". كما أشار إلى تأثير محفوظ على الأجيال اللاحقة من الكتاب العرب، موضحًا أن الكثير منهم كتب متأثرًا به أو سعيًا لتجاوزه، وفي الحالتين يظل حاضرًا بوصفه "مرجعية لا يمكن القفز عليها"، مختتمًا بقوله إن "محفوظ علم الكتاب أن التجريب الحقيقي لا ينفصل عن فهم الواقع، وأن الشكل لا قيمة له دون رؤية".