الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

حسين حمودة يكشف أهم روايات نجيب محفوظ.. وأزمة "خان الخليلي"

  • مشاركة :
post-title
نجيب محفوظ

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

بعد عشرين عامًا على رحيل الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ (1911 - 2006)، لا تزال شخصياته تتحرك بين صفحات رواياته وعلى شاشات السينما، وكأن الزمن لم يتمكن من إغلاق الأبواب التي فتحها على أسئلة الإنسان وهمومه، فمن "زقاق المدق" إلى "الثلاثية" و"أولاد حارتنا" و"الحرافيش"، لم يكتفِ محفوظ برصد تفاصيل المجتمع المصري، وإنما ذهب إلى ما هو أبعد من المكان والزمان، باحثًا عن الإنسان في ضعفه وقوته، وانتصاراته وانكساراته.

نال نجيب محفوظ "جائزة نوبل" عام 1988، ليكون بذلك أول عربي، ورابع أفريقي يحصل على هذه الجائزة العالمية المعتبرة.

وفي ذكرى رحيله العشرين في 30 أغسطس 2006، تكشف شهادة الناقد الدكتور حسين حمودة، أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة، الذي امتدت علاقته بنجيب محفوظ لنحو 12 عامًا، جوانب خاصة من عالم صاحب نوبل، بداية من سر خلود شخصياته، مرورًا بتجربته الروائية ومكانة "الحرافيش" في مشروعه الأدبي، وصولًا إلى علاقته بالسينما والترجمات العالمية، وحقيقة استناده في بداياته إلى شخصيات حقيقية من محيطه، التي كادت أن تدخله في معركة مع أحد جيرانه وأفراد عائلته.

في حواره مع موقع "القاهرة الإخبارية"، يروي "حمودة"، كيف كان نجيب محفوظ يرى الإنسان خلف كل شخصية، ولماذا ظل تأثيره ممتدًا في الرواية العربية حتى اليوم، وكيف استطاع أن يحول الحارة المصرية إلى فضاء إنساني رحب يخاطب القارئ في كل زمان ومكان؟، وتطرق إلى أبرز القضايا التي تناولها، وطبيعة الشخصيات التي ابتكرها وكيف أسهمت كتابته عن شخصية حقيقية في دخوله بمعركة مع هذا الشخص وأقاربه، بجانب علاقته بالسينما وترجمة أعماله إلى لغات أخرى ومدى إنصافها لرواياته.

د. حسين حمودة
كيف نجح نجيب محفوظ في تحويل التفاصيل المحلية المصرية إلى أعمال عالمية؟

نجح نجيب محفوظ في ذلك لأنه استكشف في عوالمه الروائية والقصصية وشخصياته وأماكنه أبعادًا إنسانية تخص الإنسان في كل مكان، كما أنه ربط عالمه الروائي والقصصي بقضايا متجددة تخص البشر في كل زمان ومكان.

إلى جانب ذلك، صاغ أعماله صياغات جمالية رائعة قادرة على أن تجد استجابات متعددة في دوائر تلقي واسعة جدًا، وهي صياغات لا تقل جمالًا عن أهم وأكبر الأعمال الروائية والقصصية في الأدب الإنساني.

كيف تقيم تأثير نجيب محفوظ على الرواية العربية؟

تأثير نجيب محفوظ على الرواية العربية تأثير هائل، لأنه قام بأدوار متعددة في مسيرتها.

هناك دور تأسيسي ارتبط بالنقلة التي أحدثها منذ رواياته المبكرة في الأربعينيات، وبوجه خاص "خان الخليلي" و"بداية ونهاية" و"زقاق المدق"، وحتى "الثلاثية" في خمسينيات القرن الماضي.

ثم جاء دوره في تطوير الرواية العربية من خلال أعماله التي أصدرها في الستينيات، مثل "اللص والكلاب" و"الشحاذ" و"السمان والخريف" و"ميرامار" وغيرها.

بعد ذلك خاض محفوظ مغامرات جمالية متعددة في عدد من رواياته، منها "حديث الصباح والمساء" و"الحرافيش" وقبل ذلك "أولاد حارتنا"، وفي كل عمل من هذه الأعمال كانت هناك مغامرة إبداعية جديدة أضافت مساحات جديدة إلى الرواية العربية.

ما العمل الذي تراه الأهم والأكبر في تجربة نجيب محفوظ؟

في رأيي، وكذلك في رأي نجيب محفوظ نفسه، رواية "الحرافيش" من أهم أعماله، وربما أهم رواية عربية على الإطلاق.

هذه الرواية اتجهت في مسار خاص ومميز وغير مسبوق، إذ زاوج فيها نجيب محفوظ بين جماليات الرواية وجماليات الملحمة، وكتبها بلغة شعرية جميلة رفيعة الشأن.

وهي رواية تقوم على بناء خاص، ولغة خاصة، وشخصيات خاصة، وتمتلك رؤية واسعة لمسيرة البشرية.

كيف استطاع أن يكتب "الحرافيش" في فترة قصيرة نسبيًا؟

كتب نجيب محفوظ "الحرافيش" في موسم واحد، أي خلال نحو ستة أشهر، لكن هذا الإبداع الذي أنجزه في فترة قصيرة كان مرتبطًا بانشغاله بعالم الرواية لسنوات طويلة.

كما أفاد في كتابتها من انشغاله السابق بعالم "أولاد حارتنا"، التي كتبها عام 1959، بينما صدرت "الحرافيش" عام 1977. وبالتالي لم يكن عالم "الحرافيش" وليد الأشهر القليلة التي كتب فيها الرواية، وإنما كان ثمرة انشغال طويل بهذا العالم وشخصياته وأفكاره.

ما أبرز القضايا التي تناولها في أعماله ولا تزال مطروحة حتى الآن؟

تناول محفوظ قضايا تخص البشر، وهي قضايا عابرة للأزمنة. من بينها قضية العلاقة بين الفرد والجماعة، إضافة إلى القضايا المرتبطة بأسئلة الوجود الكبرى، مثل الحياة والموت، والزواج، والأعمار، والحب وغيرها.. هذه قضايا لا تنتهي أبدًا، وتمثل انشغالًا دائمًا للبشر في كل زمان.

هل يمكن أن نجد شيئًا من شخصية نجيب محفوظ نفسه داخل شخصياته؟

يمكن أن نجد نجيب محفوظ في طريقة صياغته لشخصياته، وفي نظرته الحانية وتعاطفه معها، بغض النظر عن اختلافه معها أو اختلاف هذه الشخصيات معه.

وكتب محفوظ عن طيف واسع جدًا من الشخصيات، من بينها الانتهازي والعاهرة وبعض اللصوص وغيرهم، لكنه كان يستكشف دائمًا في كل شخصية أبعادًا إنسانية.

كان يتساءل عن الظروف والملابسات التي قادت هذه الشخصيات إلى المصير أو الوجهة التي اتجهت إليها. ولذلك فإن حضور نجيب محفوظ في شخصياته جميعًا، رغم استقلالها عنه، يتمثل في حنوّه وعطفه وتعاطفه مع الجانب الإنساني فيها.

ما أبرز ما يميز شخصيات نجيب محفوظ؟

من أهم ما يميز شخصيات نجيب محفوظ أنها شخصيات من لحم ودم، لها حياتها الخاصة التي نستطيع أن نقترب منها ونراها كشخصيات حقيقية.

إلى جانب ذلك، فإن صياغة هذه الشخصيات جاءت جميلة جدًا، ولكل شخصية صوتها المستقل عن صوت نجيب محفوظ نفسه. فكل شخصية تتحدث بلغتها وتنطلق من تصوراتها ووعيها الخاص، وشخصياته متنوعة جدًا ولا تتكرر بين عمل وآخر. ولذلك نجد أن عددًا من شخصيات محفوظ تحولت إلى نماذج راسخة في الأدب، وكذلك في السينما التي قدمت أعمالًا مأخوذة عن قصصه ورواياته.

هل استند نجيب محفوظ في بناء شخصياته إلى أشخاص حقيقيين عرفهم في حياته؟

في أعماله المبكرة، استند نجيب محفوظ بالفعل إلى شخصيات يعرفها، لكنه ابتعد عن هذه الطريقة فيما بعد.

في رواية "خان الخليلي"، مثلًا، صاغ شخصية قريبة من أحد جيرانه، لكن نشر الرواية قاده إلى ما يشبه المعركة مع هذا الشخص وبعض أقاربه.

وفيما بعد استطاع أن يبتعد عن النقل المباشر للشخصيات التي يعرفها، وأن يقدم في صياغته لها أبعادًا أخرى مختلفة.

بمعنى أنه كان يأخذ أحيانًا بذرة واقعية لبعض الشخصيات، لكنه كان ينمي هذه البذرة ويصوغها صياغة إبداعية خاصة به.

وهناك أعمال أخرى اتجه فيها إلى تقديم شخصيات إبداعية موازية لشخصيات واقعية، كما في رواية "المرايا"، التي تقدم ما يشبه السير الشخصية لبعض الشخصيات التي عرفها نجيب محفوظ.

وبوجه عام، كان محفوظ يفيد من الشخصيات التي عرفها في الحياة، لكنه كان يعيد صياغتها إبداعيًا وفق رؤيته الخاصة.

ماذا عن ترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى اللغات الأجنبية؟ وهل أنصفت الترجمات أعماله؟

الترجمات التي قدمت أعمال نجيب محفوظ تفاوتت في مدى دقتها، لكنها في النهاية أسهمت في تقديم أعماله إلى العالم.

وهناك تفاصيل كثيرة حول الأخطاء التي وقعت فيها بعض الترجمات المبكرة، كما حدث مع "زقاق المدق" التي ترجمت إلى الإنجليزية في إحدى الترجمات المبكرة، وكانت بها أخطاء كثيرة، ثم أعيدت ترجمتها بعد أكثر من ثلاثين عامًا على يد مترجم آخر.

كيف ترى العلاقة بين روايات نجيب محفوظ والأفلام السينمائية المأخوذة عنها؟

الأفلام السينمائية المأخوذة عن أعمال نجيب محفوظ هي في النهاية قراءات إبداعية من المخرج والسيناريست والممثلين وغيرهم.

وبالتالي، لا تتطابق هذه الأفلام بالضرورة مع أعمال محفوظ، ولا يمكنها أن تلم بكل أبعاد النص الأدبي.

ونجيب محفوظ نفسه كان مدركًا لهذا المعنى، وكان دائمًا يقول إنه مسؤول عن النص الذي كتبه، وليس عن الفيلم السينمائي المأخوذ عن هذا النص، لأن الفيلم ينتمي إلى مبدعين آخرين.

لماذا رفض نجيب محفوظ أن يتولى تحويل أعماله بنفسه إلى السينما؟

رفض محفوظ ذلك لأنه كان يرى أن الفيلم السينمائي له متطلبات أخرى، وأن السينما فن جماهيري ولها حساباتها الخاصة، ولذلك كان يرى أنه مسؤول فقط عما كتبه هو، وليس عن العمل السينمائي الذي يُبنى على نصه.

هل كان نجيب محفوظ يكتب وهو يستهدف الحصول على جائزة نوبل؟

لا، لم تكن جائزة نوبل في ذهنه على الإطلاق، وعندما حصل عليها لم يكن مُصدقًا أنها أصبحت حقيقة، وهذا يعكس جانبًا مهمًا من تجربته، فقد كان اهتمامه الأساسي مُنصبًا على الكتابة والإبداع، وليس على الجوائز أو التكريمات.