لا يزال اسم الأديب العالمي نجيب محفوظ ينبض عبر تفاصيل حيّة ترويها ابنته أم كلثوم؛ تفاصيل تحمل بين طياتها ما هو أبعد من الذكريات، إذ تفتح نافذة على عالمه الإنساني الخفي، وعلى رؤيته العميقة لفنّه وحياته وكتاباته التي صنعت ملامح الأدب العربي الحديث.
وبهدوء يشبه ملامح والدها، تكشف أم كلثوم في ذكرى ميلاد الأديب العالمي عن كواليس لم تُروَ كثيرًا، وعن موقفه من الأعمال التي قُدّمت عن رواياته، وكيف كان ينظر إلى المرأة في أدبه، وإلى الخيال الذي كان يسبق الواقع دائمًا في عالمه الإبداعي، لتكشف عن جوانب إنسانية في حياته قبل أن يكون أيقونة أدبية.
قدّمت أم كلثوم نجيب محفوظ، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، صورةً إنسانيًة عن والدها الأديب العالمي، مستعيدة بعض ملامح حياته الخاصة ورؤيته الفنية، بالتزامن مع حلول ذكرى ميلاده.
أكدت أم كلثوم أن الأسرة لم تكن تخصّص طقسًا معيّنًا للاحتفال بعيد ميلاد والدها، قائلة: "كنّا نحضر قالبًا من الحلوى، لكنّه لم يكن يشارك في تناوله بسبب إصابته بمرض السكري، فنحن من كنّا نتناوله، لم يكن هناك أي طقس مميّز في هذا اليوم، وإن صادف لقاء أصدقائه يحتفلون به أيضًا".
أعمال كثيرة لم تُقدَّم بعد
وتوضح أن معظم أعماله الروائية الكبرى قُدّمت فنيًا، بينما تظل مجموعة من القصص القصيرة لم تُقدَّم للشاشة أو تُحوَّل لأعمال فنية، مضيفة: "أغلب رواياته تحوّلت إلى أعمال فنية، أمّا القصص القصيرة فهناك عدد كبير منها لم يُنتج حتى الآن".
كما كشفت عن وجود تعاقدات لمشروعات فنية لتحويلها إلى أعمال على الشاشة، ولكن لم يتم الإعلان عنها بعد، من بينها: "أولاد حارتنا، العائش في الحقيقة، الحرافيش"، مشيرة إلى أن "عدد الأعمال التي لم تُقدَّم ربما يتجاوز ثمانية أعمال أو أكثر".
الكتابة حتى اللحظات الأخيرة
وتؤكد ابنته لموقع "القاهرة الإخبارية" أن نجيب محفوظ ظل ممسكًا بالقلم حتى سنواته الأخيرة، وكان آخر ما كتبه "أحلام فترة النقاهة"، لتقول: "أحلام فترة النقاهة بدأت بعد محاولة اغتياله، واستمر في كتابتها حتى ما قبل رحيله.. كانت كتابات قصيرة وبسيطة، لكنها عميقة في مضمونها".
رؤيته للأعمال المأخوذة عن رواياته
وعن تعليقاته على الأعمال الفنية التي حوّلت عن رواياته وأعماله الأدبية، قالت: "كان دائم التأكيد أن محاسبته تكون على ما كتبه هو فقط، كان يدرك أن للدراما اعتبارات تجارية، ولذلك كان يتفهّم التغييرات التي تطرأ على النص الأصلي، رغم احتفاظه بملاحظات كثيرة على عدد كبير من الأعمال، ولكنه كان مجاملًا".
وترى أم كلثوم أن بعض الأعمال لم تُقدَّم بالشكل اللائق، قائلة: "هناك أعمال لم تكن جيدة، ولا أستطيع تذكّر أسمائها الآن، لكنّ عددها ليس قليلًا، وأظن أنه كانت لديه ملاحظات على كثير منها".
ولا تحبّذ إعادة تقديم أعمال فنية سبق تقديمها لوالدها، لتبرر ذلك بقولها: "عادةً عندما يُعاد تقديم العمل لا يحافظ على القيمة الشعورية التي ارتبط بها المتلقي الأول، لذلك لا أفضّل الفكرة".
الروايات في الدراما الحديثة
وحول موجة تحويل الروايات إلى أعمال درامية، قالت: "هناك بعض الأعمال الجيدة، لكن الأغلبية ليست على المستوى المطلوب، بعض الأعمال أحببتها شخصيًا، لكن لا أعرف ماذا كان سيقول عنها هو".
وتضيف أنّ والدها كان يرى صعوبة تحويل رواياته إلى سيناريوهات: "كان يقول إن الرواية تحمل معنى عميقًا وراء القصة الظاهرة، بينما تكتفي الأعمال الدرامية غالبًا بالشكل الخارجي دون الوصول إلى جوهر الفكرة".
المرأة في عالم نجيب محفوظ
تحدّثت أم كلثوم عن الجدل المتعلق بصورة المرأة في روايات والدها، مشيرة إلى أنّه رفض ما روّجته الدراما حول إساءته للمرأة، وقالت: "حين سُئل عن ذلك، أكد أن الأعمال الدرامية هي التي رسّخت هذه الصورة، وليس كتاباته".
وأوضحت أن المرأة كثيرًا ما ظهرت في أعماله باعتبارها رمزًا لمصر، قائلة: "في رواية ميرامار مثلًا كانت المرأة رمزًا لمصر. وقد اعترض على مشهد موت البطلة في الفيلم لأنها لم تُكتب بهذه الصورة في الرواية، كذلك كانت المرأة في بعض الروايات رمزًا للقيمة الحقيقية، حتى لو كانت ذات سمعة سيئة، فهي قد تكون أفضل من أصحاب النفوذ الظاهري".
هل كتب عن حياته الشخصية؟
وعن مدى اقتراب أعماله من سيرته الذاتية، نفت أم كلثوم ذلك بشكل قاطع: "كان يسخر من الأشخاص الذين يظنون أنه يكتب عن نفسه أو المحيط به، هو يتأثر بشخصية أو فكرة، ثم ينطلق الخيال ليصنع عالمًا كاملًا، هذا هو الأدب في رأيه".
وأشارت إلى أن "الثلاثية" مثلًا تشترك مع حياته فقط في المرحلة الزمنية والأفكار السائدة آنذاك، لكنها لا تعبّر عن حياته الشخصية.