شارك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أمس السبت، في حفل إفطار الأسرة المصرية، الذي أُقيم بدار القوات الجوية، وخلال هذا اللقاء أفصح الرئيس عن التداعيات الاقتصادية السلبية للتوترات في منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه الأجواء المُلتهبة تُلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، ولم تكن مصر بمنأى عن هذه التداعيات، الأمر الذي يوضح أن التأثير الاقتصادي على الدولة المصرية من جراء الأحداث المُشتعلة يومًا تلو الآخر، أصاب بعض المؤشرات داخلها بشكل نسبي.
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التداعيات السلبية للأحداث في منطقة الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري، فضلًا عن توضيح آلية الدولة المصرية في مواجهة هذه التداعيات.
تداعيات الأحداث
يُمكن التعرف على تأثير أحداث منطقة الشرق الأوسط على مصر، من خلال النقاط التالية:
(-) انخفاض إيرادات قناة السويس: تُعد قناة السويس من أهم الممرات المائية في الشرق الأوسط، التي تُدر العملة الصعبة للاقتصاد المصري، لكن الأحداث المتوترة في منطقة الشرق الأوسط أثرت بشكل كبير على هذا الممر الملاحي، فكما يوضح الشكل (1) انخفضت عدد السفن المارة عبر هذه القناة من 5016 سفينة عام 2019 إلى 4810 سفن في 2020.
ولكن مع الاهتمام الكبير في الدولة باقتصاد الموانئ، تحسن مرور السفن بشكل ملحوظ، إذ ارتفع إلى 6750 سفينة في عام 2023، ولكن تسببت أحداث السابع من أكتوبر 2023، في انخفاض عدد السفن المارة لـ3142 سفينة، ومع اشتعال الأحداث في المنطقة بشكل أكبر مع تصاعد هجمات الحوثي بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية في غزة، سجل عدد السفن انخفاضًا عن الفترات السابقة، إذ سجل 3426 سفينة عام 2025، العدد الذي من المؤكد سيشهد انخفاضًا مع تزايد وتيرة الصراع بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
وبالتالي ترتب على ذلك كما أوضح الرئيس السيسي، أنه منذ عام 2020 ومع تعرض الدولة المصرية لأزمات وأمور سلبية كان من الصعب تجنبها، فقد خسرت الدولة نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، أي ما يوازي 500 مليار جنيه، ما أثر على تحرُك الدولة في مسار التنمية المُستدامة، فقبل الهجوم على إيران في الـثامن والعشرين من فبراير 2026، سجلت إيرادات قناة السويس 449 مليون دولار، بالمقارنة بنحو 368 مليون دولار، خلال نفس الفترة من العام السابق.
(-) تأثر قطاع الطاقة: تؤثر أسعار النفط العالمية على قطاع الطاقة في مصر بشكل كبير، فقد أشار الرئيس المصري إلى أن المنتجات البترولية تذهب بشكل ضئيل في استهلاك السيارات، بل الجزء الأكبر منها يُستخدم لتشغيل محطات الكهرباء والطاقة، ما جعل الاستهلاك يُقدر بنحو 20 مليار دولار في السنة، أي ما يوازي تريليون جنيه مصري.
وكما يوضح الجدول (1) أنه نظرًا لارتفاع استهلاك مصر من النفط (953 برميل يوميًا)، بينما يبلغ حجم الإنتاج نحو 639 ألف برميل يوميًا، فالعجز يبلغ نحو 314 ألف برميل يوميًا، الأمر الذي يحدث بسبب الزيادة السكانية الكبيرة في مصر.
ومع ارتفاع سعر برميل النفط بخلاف السعر المُقدر في الموازنة العامة "75 دولارًا للبرميل" بنحو 10 دولارات، ترتفع فاتورة استيراد النفط بنحو 1.09 مليار دولار، بينما إذا ارتفعت بنحو 20 دولارًا ترتفع فاتورة الواردات بنحو 2.19 مليار دولار، وفي الحالة الراهنة بارتفاع سعر البرميل بنحو 28 دولارًا حتى وقت كتابة التحليل، ففاتورة الواردات ترتفع بنحو 3.06 مليار دولار، الأمر الذي يرفع من عجز ميزان المدفوعات في مصر.
(-) تراجُع قطاع السياحة: تعتمد الدولة المصرية بشكل كبير على قطاع السياحة في بناء احتياطاتها النقدية الأجنبية، لكن الأحداث المُحيطة في المنطقة، تضع حدًا أمام نمو هذا القطاع الإستراتيجي في الدولة، فقد توقع بنك الاستثمار الأمريكي" مورجان ستانلي" تزايد المخاطر على القطاع السياحي في مصر مع استمرار الصراع الحالي بالشرق الأوسط وتواصل حالة عدم اليقين حتى الربع الثالث من عام 2026، الذي يُعد ذروة الموسم السياحي في مصر.
وعلى الرغم من ذلك أوضح البنك أن القطاع أثبت مرونة نسبية رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية في غزة، لكن إذا أُطيلت فترة التصعيد العسكري الإقليمي، فإيرادات السياحة في مصر ستتأثر.
(-) تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار: حققت الدولة المصرية نجاحًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، في تحقيق استقرار لسعر صرف الجنيه أمام الدولار، والقضاء على السوق السوداء بشكل كبير، لكن تأتي الوفورات الخارجية السلبية للأحداث في المنطقة الإقليمية وتؤثر على سعر الصرف.
فكما يوضح الشكل (2) تراجع سعر الجنيه أمام الدولار من 47.97 جنيه لكل دولار في 27 فبراير 2026 إلى 52.44 جنيه لكل دولار في 15 مارس 2026 وحتى وقت كتابة هذا التحليل، الأمر الذي يحدث مع أي توترات جيوسياسية تدفع المستثمرين إلى سحب الدولار من داخل الدولة.
ويترتب على هذا التراجع في قيمة الجنيه موجات تضخمية داخل الدولة المصرية، فارتفاع فاتورة الواردات نتيجة لزيادة قيمة الدولار، تنتقل إلى سعر السلعة المحلي، الأمر الذي يضغط نسبيًا على معيشة المواطن ولكن بقدر أقل من الاقتصادات المُحيطة التي تُعاني بشكل كبير، بسبب الضعف الكبير في مرونة اقتصادها.
مواجهة التداعيات
تضع الدولة المصرية خططًا منهجية، لزيادة مرونة الاقتصاد ومواجهة تداعيات الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، وهو ما يتضح في الآتي:
(-) تنويع مصادر الطاقة: أشار الرئيس السيسي، إلى أن الدولة تسعى لإنتاج الطاقة الجديدة والمتجددة، وأن المستهدف الوصول إلى إنتاج 42% طاقة جديدة ومتجددة بحلول عام 2030، الأمر الذي يجعل الاقتصاد أكثر مرونة في حالة ارتفاع أسعار الطاقة بالعالم، فالاعتماد على الإنتاج المحلي يزيد من صلابة الاقتصاد بشكل كبير.
(-) مراقبة الأسواق: أوضح الرئيس السيسي، أن الدولة حريصة على تجنب رفع أسعار السلع الأساسية، فهي تواصل مراقبة الأسواق، لمنع أي استغلال، ما جعله يؤكد دور الحكومة في ذلك، بضرورة التدقيق الصارم في هذا الأمر، والتعامل الجاد مع كل من يثبت تورطه في الاستغلال وتقديمه للمحاكمة، وإحالة المُخالفين للمُحاكمة العسكرية، الأمر الذي يُشير إلى حزم الدولة في مواجهة جشع التجار.
(-) تعزيز برامج الحماية الاجتماعية: تهتم الدولة المصرية في ظل هذه الظروف بالفئات الأكثر احتياجًا، وهو المسار الذي تسلُكه الدول الناشئة بشكل كبير في أوقات الأزمات والتوترات. وعليه أوضح الرئيس السيسي، أن الدولة تواصل تقديم السلع المدعومة للأسر الأكثر احتياجًا، كما وجهت الحكومة بالإسراع في إطلاق حزمة اجتماعية جديدة تستهدف الفئات الأولى بالرعاية، ومحدودي ومتوسطي الدخل، بما يضمن تحقيق أكبر قدر من الحماية الاجتماعية.
وفي النهاية يُمكن القول إن الاقتصاد المصري يتأثر بالأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، فمصر لا تقع في منطقة مُنعزلة عن العالم، لكنها في قلب الوطن العربي، وتمتلك شرايين اقتصادية إستراتيجية، وبالتالي يرتبط تقدمها في العديد من المؤشرات الاقتصادية بمدى الاستقرار في المنطقة الإقليمية.
ومن هنا يظل الاقتصاد المصري عُرضة لجملة من التأثيرات غير المباشرة المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، فارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين البحري يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة وميزان المدفوعات، كما قد ينعكس على معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج المحلي.
ولكن بفضل السياسات التي اتخذتها الدولة في السابق من حيث جذب الاستثمارات وترويج قطاع السياحة، وبالتالي تعظيم احتياطاتها النقدية الأجنبية، استطاعت أن ترفع من درجة مرونتها بالمقارنة بباقي بعض الاقتصادات في المنطقة، التي تُعاني انهيارًا كبيرًا في عملتها المحلية وارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق.