الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

إياد نصار: انتصرنا للإنسان في "صحاب الأرض".. والعمل تجاوز الحدود العربية

  • مشاركة :
post-title
إياد نصار من مسلسل صحاب الأرض

القاهرة الإخبارية - إنجي سمير

- قدمنا الواقع القاسي من إبادة لشعب غزة.. وأصحاب الأرض تابعوا المسلسل بحماس
- تعرضنا لموجة هجوم مبكرة ندرك مصادرها.. وصوت الحقيقة أسكتهم
- أبرزنا أهمية الدور المصري الموثق بالحقائق والمواد المصورة
- شخصية "ناصر" اختبرت صدقي وإنسانيتي ومدى قدرتي على استيعاب معنى الفقد والألم
- مشاهد البكاء كانت حقيقية ونابعة من القلب.. والغزيون لم يكن لديهم وقت للحزن
- قدمنا بعض مشاهد الدعابة لتخفيف ثقل الأحداث.. والمخرج كان حريصًا على تحقيق توازن
- بيتر ميمي عاشق للممثل ويوفر البيئة المناسبة له لكي يقدم أفضل ما لديه
- الفن يجب أن يكون صوت من لا صوت له.. والفلسطينيون يعشقون الحياة والسلام

لم يتعامل الفنان الأردني إياد نصار مع مسلسل "صحاب الأرض" باعتباره عملًا فنيًا بل توثيقًا لقضية فلسطين، إذ استطاع عبر هذا العمل أن ينقل معاناتهم من خلال الأحداث الدرامية التي حركت الاحتلال الإسرائيلي للرد على المسلسل وصنّاعه، ليكون شوكة في ظهر العدو الإسرائيلي رغم أنه لم ينقل سوى جزء من بشاعة الجرائم التي ارتكبها الاحتلال ضد سكان غزة.

من خلال شخصية "ناصر"، قدّم إياد نصار أداءً إنسانيًا عميقًا، نقل عبره ملامح الألم والصمود في آن واحد، ليضع المشاهد أمام تجربة درامية تتجاوز حدود التعاطف إلى محاولة فهم حقيقة ما يعيشه الإنسان في قلب هذه المأساة بعيدًا عن لغة الأخبار وما نقلته وسائل الإعلام خلال الحرب على غزة، تفاعل الجمهور مع إياد نصار وصنّاع العمل وتوحُّدهم معهم، كان نتيجة طبيعية لما جسده الصنّاع لشخصيات من لحم ودم، ونقلهم واقعًا قريبًا، عاشه ملايين السكان من قطاع غزة.

وفي حواره مع موقع "القاهرة الإخبارية"، تحدث إياد نصار عن كواليس العمل وردود الفعل التي تلقاها، ليؤكد أنه يمثل محاولة صادقة لإيصال صوت الإنسان في غزة إلى العالم، عبر قصة تسعى لكسر الإطار المحلي والتوجه بلغة إنسانية يفهمها الجميع، وهو ما انعكس في التفاعل الكبير الذي حظي به العمل داخل العالم العربي وخارجه، خصوصًا مع وصول رسائل مؤثرة من داخل غزة نفسها تعكس مدى تأثير المسلسل في وجدان المشاهدين.

كما تطرق نصّار إلى تحديات الشخصية والمشاهد الصعبة بالعمل وتأثره لدرجة البكاء خلال الأحداث، وكذلك ردود الفعل والتي اعتبرها وسيلة من جانب الاحتلال لتشويه الحقيقة والتغطية على جرائمهم.

بداية.. كيف رأيت التفاعل الكبير مع المسلسل وشخصية "ناصر" في "صحاب الأرض"؟

بعيدًا عن ردود الفعل الإيجابية التي تلقيتها على شخصية "ناصر" والمسلسل بأكمله، لكن أكثر ما أسعدني هو وصول العمل إلى المشاهد بالطريقة التي كنا نطمح إليها، وأن الرسالة التي أردنا تقديمها وصلت بشكلها الصحيح، فقد كان هدفنا منذ البداية أن يخرج العمل من الإطار المحلي الضيق، بمعنى ألا يكون موجهًا فقط لمن هم بالفعل متعاطفون مع القضية الفلسطينية أو مؤمنون بحق الشعب الفلسطيني في أرضه؛ لأن هذه النقطة في الأساس محل اتفاق لدى الكثيرين في الوطن العربي.

ولذلك سعينا إلى تقديم العمل بلغة إنسانية عالمية، بحيث لا يقتصر على مخاطبة جمهور محدد، بل يتوجه إلى الإنسان أينما كان، فالإنسانية في النهاية أبقى وأطول عمرًا من السياسة والأيديولوجيات والصراعات المختلفة، ومن هذا المنطلق حاولنا أن ننتصر للإنسان أولًا، وأن نقدم المعاناة الإنسانية بعيدًا عن أي اصطفاف سياسي.

وبفضل هذا الطرح، استطاع العمل أن يتجاوز حدود المحلية والعالم العربي، ومن المتوقع أن يصل إلى جمهور أكبر حول العالم من خلال الترجمة، فالهدف الأساسي كان نقل ما حدث من إبادة ومعاناة لشعب غزة إلى العالم، بطريقة صادقة وعميقة، تعتمد على انتصارنا للإنسان قبل أي شيء آخر، لقد حاولنا أن نقدم الحقيقة كما شاهدها الجميع على الشاشات، وأن نظهر الجانب الإنساني بكل ما يحمله من ألم وواقع قاسي.

حدثني أيضًا عن ردود الفعل التي وصلتك من غزة أثناء عرض العمل وبعده؟

وصلتني أيضًا ردود فعل إيجابية من داخل غزة نفسها، وهو أمر كان له تأثير كبير في نفسي، فقد نشرت على صفحتي الشخصية على موقع "فيسبوك" مقطع فيديو لمواطن فلسطيني من غزة، وعلقت عليه بعبارة: "رسالة أثلجت صدري من غزة العزيزة"، بالفعل، هذا الفيديو منحني شعورًا إيجابيًا للغاية، لأنه أكد لي أن الرسالة التي أردنا إيصالها قد وصلت بالفعل كما كنا نطمح.

في البداية، كنا نتوقع أن أهل غزة، بسبب المأساة التي يعيشونها وتبعاتها المستمرة، ربما لا يرغبون في مشاهدة العمل في الوقت الحالي، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، فقد تابعوا المسلسل بحماس شديد، هذا الأمر كان مهمًا بالنسبة لنا؛ لأننا نؤمن بأن الفن يجب أن يكون صوت من لا صوت له، وأن ينقل معاناة الناس بصدق.

لقد حاولنا أن نقدم الحقيقة كما هي، فالشعب الغزاوي أو الفلسطيني بشكل عام لا يريد سوى أن يعيش حياة طبيعية بعيدًا عن الحروب والصراعات، وهذا هو المعنى الذي سعينا إلى إيصاله من خلال العمل، وقد لاقى بالفعل استحسانًا كبيرًا لدى المشاهدين في غزة، ووصلتنا رسائل مباشرة منهم، وكذلك مقاطع فيديو يعبرون فيها عن امتنانهم، مؤكدين أنهم بعد مشاهدة العمل شعروا بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من ينقل صوتهم إلى العالم وهذا الشعور تحديدًا كان مهمًا للغاية بالنسبة لنا.

ورغم هذه الردود الإيجابية، إلا أننا تلقينا أيضًا بعض ردود الفعل السلبية، خصوصًا قبل عرض المسلسل، فقد كانت هناك موجة هجوم مبكرة، كنا ندرك جيدًا مصادرها، وكان مضمونها أن العمل لن يقدم شيئًا جديدًا، لكن بعد عرض المسلسل وتسليط الضوء على الجانب الإنساني، تلاشت هذه الموجة تدريجيًا.

نحن لم نسع إلى تشويه أحد أو مهاجمة طرف بعينه، بل تحدثنا عن الإنسان ومعاناته، وانتصرنا للإنسانية بعيدًا عن أي مواقف سياسية أو أيديولوجية، لم نمجد أحدًا ولم نقف ضد أحد، وإنما حرصنا على إبراز الدور المصري وأهميته، وهو أمر موثَّق بالحقائق والمواد المصورة، لذلك كان ردنا دائمًا بالحقيقة، ولم نلتفت كثيرًا إلى السلبيات على مواقع التواصل الاجتماعي، وما أسعدني في النهاية هو أن الصوت الذي برز بقوة كان صوت الحقيقة، وهو صوت أهل غزة أنفسهم، الذين يعيشون المأساة على أرض الواقع، نحن ندرك أن الواقع هناك أقسى بكثير مما يمكن أن يقدمه أي عمل فني، لكننا حاولنا تقديم جزء من هذه الحقيقة وفي النهاية تبقى الحقيقة أقوى من أي شيء، وهي التي تثبت حتى اللحظة الأخيرة، فالشعب الفلسطيني يعشق الحياة ويريد فقط أن يعيش بسلام.

لم يكن تحضيرك لشخصية "ناصر" بالأمر السهل.. حدثني عن ذلك؟

بالفعل، كان التحضير لهذه الشخصية صعبًا للغاية، فكنا نبحث عن أدق التفاصيل التي تمكننا من إيصال الشخصية والعمل إلى المشاهد بالشكل الذي نريده، الحالة العاطفية التي تعيشها الشخصيات في هذا العمل معقدة ومؤلمة، وهو ما جعل التحضير مختلفًا عن أي تجربة أخرى.

والحقيقة أنه في الأعمال الدرامية التقليدية، يقوم الممثل بدراسة الشخصية ومحاولة فهم مشاعرها المختلفة من حزن وفرح وقوة وضعف، ثم يجسدها أمام الكاميرا، لكن في مسلسل "صحاب الأرض" كان الأمر مختلفًا، إذ شعرت أن الشخصية هي التي تختبرني، وليس العكس، كانت تختبر صدقي وإنسانيتي، ومدى قدرتي على استيعاب معنى الفقد والألم.

فالشخصية هنا لا تمتلك ترف الحزن كما في الحياة الطبيعية، وأقصى ما يتمناه الإنسان في هذه الظروف هو أن يستيقظ في اليوم التالي ويتنفس بشكل طبيعي، وأن يطمئن إلى أن عائلته وأطفاله ما زالوا على قيد الحياة، هذا الشعور وحده كان كفيلًا بأن يضعني أمام اختبار حقيقي كممثل وكإنسان.

الصعوبة الحقيقية كانت في محاولة فهم هذا القدر من الألم، واستيعاب المأساة التي يعيشها الناس هناك، ثم نقلها بصدق إلى الشاشة، كان علي أن أسأل نفسي: هل أنا مؤمن فعلًا بحق هذا الشعب في الحياة؟ وهل أستطيع أن أعبر عن هذا الإيمان من خلال الأداء؟ لذلك يمكنني القول إن شخصية "ناصر" اختبرت إنسانيتي بقدر ما اختبرت قدرتي الفنية كممثل. وأعتقد أنني استطعت، إلى حد كبير، أن أكون على قدر هذا التحدي.

على ذكر الألم قدمت العديد من المشاهد الصعبة، مثل مشهد بكائك على فقدان شقيقك ومشهد القبض على ابنتك.. كيف كان التحضير لذلك؟

معظم مشاهد البكاء في العمل كانت حقيقية ونابعة من القلب، فبالطبع يعتمد الممثل في البداية على تقنيات معينة للتحضير للمشهد، لكنه في لحظة التصوير يترك نفسه للمشاعر لكي تقوده، على سبيل المثال، عندما علم "ناصر" باستشهاد "مجد"، لم يكن لديه وقت حقيقي للحزن، في تلك اللحظة كان عليه أن يتعامل مع الواقع بسرعة، لذلك قال: "إكرام الميت دفنه"، لكن اللحظة التي انهار فيها فعليًا كانت عندما سأله أحدهم عن "إبراهيم"، فقال: "هذا شقيقي الصغير"، ثم انهار تمامًا، في تلك اللحظة أدرك أن شقيقه الأخير قد رحل أيضًا.

هذه اللحظة كانت شديدة القسوة، لأنها تعكس واقعًا حقيقيًا تعيشه كثير من العائلات في غزة، هناك عائلات تخرج من منازلها دون أن تعرف إن كانت ستعود بنفس العدد أم لا، وهناك عائلات كاملة انتهت تمامًا، لذلك كانت تلك اللحظة فاصلة في حياة "ناصر".

أما مشهد بكائه على ابنته "كارما" بعد القبض عليها، فقد كان مختلفًا تمامًا، هذا المشهد مر بثلاث مراحل نفسية واضحة، أولاً مرحلة الإنكار، عندما قال لمنة شلبي إنها ربما لم تسمع الخبر جيدًا، ثم جاءت مرحلة الشعور بالذنب، لأنه شعر أن ما حدث لابنته كان نتيجة لفعله حين قتل مواطنًا إسرائيليًا، وأخيرًا جاءت لحظة الإدراك والانهيار الكامل، خصوصًا أن وجود الفتيات في المعتقل أمر قاسٍ للغاية، والجميع يدرك مدى صعوبة هذه التجربة، لذلك كان انهيار "ناصر" هنا مختلفًا عن انهياره عند فقدان شقيقه، لأنه كان انهيار أب يخشى على ابنته.

هل كانت هذه المشاهد تُصوَّر مرة واحدة أم كنت تضطر لإعادتها؟

غالبًا ما تكون اللقطة الأولى هي الأفضل، لأنها تحمل الشحنة العاطفية الحقيقية، لكن في بعض الأحيان يكون من الضروري إعادة المشهد لتصويره من زوايا مختلفة وعندما يحدث ذلك، يحتاج الممثل إلى فترة قصيرة لاستعادة طاقته العاطفية وشحن نفسه من جديد حتى يتمكن من تقديم المشهد بنفس الصدق.

وفي النهاية يختار المخرج أفضل اللقطات من بين هذه الزوايا المختلفة، أحيانًا تكون اللقطة الأولى هي الأقوى، وأحيانًا تكون هناك لقطة أخرى أكثر تأثيرًا، وأذكر مثلًا مشهد الضحك الذي يقول فيه "ناصر": "أنا منحوس.. اتزحلقت واتكهربت"، شعر المخرج بيتر ميمي أن هذا المشهد لا يجب إعادته، لأنه خرج بعفوية وصدق في المرة الأولى، فقرر عرضه كما هو.

هناك أيضًا مشاهد خفيفة في العمل.. هل كان الهدف منها تخفيف حدة الأحداث؟

بالتأكيد، وجود بعض اللحظات الخفيفة كان ضروريًا لتخفيف حدة الأجواء الثقيلة التي يفرضها موضوع العمل، كثير من هذه المواقف الكوميدية كانت تظهر بشكل تلقائي نتيجة طبيعة الشخصية نفسها.

فالشخصية الغزاوية لديها أسلوب خاص في الدعابة، حتى في أصعب الظروف والمخرج بيتر ميمي كان حريصًا على تحقيق توازن بين المشاهد الدرامية الثقيلة وهذه اللحظات الخفيفة؛ لأنه يدرك أن الدعابة تقرّب الشخصيات أكثر إلى الجمهور المصري.

كما أن خط قصة الحب بين "ناصر" و"سلمى" جاء بشكل رمزي أيضًا، ففي النهاية بقي "ناصر" متمسكًا بأرضه، بينما عادت "سلمى" إلى مصر، وهو ما يعكس طبيعة الظروف التي يعيشها كل منهما.

وماذا عن تحدي اللهجة؟

اهتممت كثيرًا بتعلم تفاصيل اللهجة الخاصة بأهل غزة، فلكل منطقة طريقتها في الكلام، وأهل غزة تحديدًا لديهم طبيعة خاصة، وغالبًا ما تبدو انفعالاتهم أكثر حدة، وهو أمر مفهوم نتيجة الضغوط الهائلة التي يعيشونها يوميًا.

كان هذا جزءًا أساسيًا من دراستي للشخصية، وقد ساعدني في ذلك بشكل كبير المخرج بيتر ميمي، الذي يتميز بقدرته على التعامل مع جميع عناصر العمل الفني بكفاءة عالية، فهو يختار عناصر فريقه بعناية، ويعرف كيف يستثمر قدراتهم بالشكل الأمثل.

كما أن المخرج بيتر ميمي عاشق للممثل، ويحرص على توفير البيئة المناسبة له لكي يقدم أفضل ما لديه، وهو أيضًا مؤمن بالقضية التي يتناولها العمل، ومتحمس للفكرة من الأساس، لذلك عندما يشعر الممثل بأن المخرج يؤمن بما يقدمه، فإنه يمنحه روحه كاملة، شخصيًا، لا أستطيع العمل مع مخرج لديه مشكلة مع الممثل أو لا يُقدِّر دوره، ولهذا كنت سعيدًا للغاية بهذه التجربة.