خاض المؤلف المصري عمار صبري سباق دراما رمضان 2026 بعملين دراميين مميزين، إذ قدّم هذا الموسم مسلسلين مختلفين في الشكل والمضمون، يلتقيان في التركيز على الإنسان وصراعه مع المجتمع والظروف القاسية. الأول هو "صحاب الأرض"، الذي يسرد تجربة إنسانية مؤثرة في ظل الحرب على غزة، والثاني "حكاية نرجس"'، الذي يغوص في عالم نفسي واجتماعي مليء بالصراعات.
صراع الإنسان بين الخير والشر
يوضح عمار صبري لموقع "القاهرة الإخبارية"' أن فكرة مسلسل "حكاية نرجس"، جاءت من خلال المنتج محمد مشيش والمخرج سامح علاء، وكان مصدرها شخصية واقعية أثارت اهتمامهما، لكنه استلهم منها فكرة القصة فقط، ليبدأ بعدها بناء الأحداث والعمل على المعالجة الدرامية والشخصيات من الخيال.
وأشار إلى أن المسلسل مبني على قصة عزيزة خاطفة الأطفال، لكنه صاغها بطريقة درامية مختلفة، ليقدم شخصية نرجس كشخصية معقدة، تعاني من التنمر والضغط المجتمعي، وتتحول إلى مجرمة تحت وطأة الظروف.
وعن التحديات التي واجهته في الكتابة، قال "صبري": "الشخصيات كانت صعبة للغاية، فقد تبدو شريرة وهي طيبة، أو العكس، مثل شخصية نرجس، التي تبدو طيبة لكنها تقوم بأفعال إجرامية، وكان من الصعب تقديم شخصية إنسانية فيها الخير والشر بشكل صادق للمشاهد".
وبشأن اختيار الممثلين، أشار "صبري" إلى أن اختيار ريهام عبد الغفور كان موفقًا جدًا، مؤكدًا أنها ممثلة متمكنة وقادرة على تقديم الدور المعقد.
وأضاف أن شخصية حمزة العيلي مليئة بالتحديات وتشكل مفاجأة للجمهور.
وعن الرسالة التي يأمل أن يخرج بها المشاهد، قال: "أتمنى أن يستمتع المشاهد في البداية بقصة مسلية، ثم يكتشف أن هناك مجموعة من المهمشين يمكن أن يتحولوا إلى مجرمين بسبب ضغوط الحياة والكلمات السيئة التي قد تغيّر الإنسان من شخص إلى آخر".
الدراما الإنسانية في زمن الحرب
أما مسلسل "صحاب الأرض"، فقد جاء اهتمام "صبري" به نتيجة متابعة الحرب على غزة عبر وسائل الإعلام، إذ قال: "الدافع الأساسي وراء اختيار هذا التناول الإنساني هو أن الحرب نُقلت مباشرة عبر شاشات التلفاز، فأصبح المشاهد يطلع على المعلومات والأرقام والإحصاءات، لكن ما أردت تقديمه هو الغوص في أعماق التجربة الإنسانية، في حياة الناس تحت وطأة الحرب، وفي تفاصيلهم الصغيرة وأحلامهم التي داهمها الخراب".
وأضاف أن العمل لا يحكي الحرب بوصفها صراعًا عسكريًا فقط، بل يركّز على أثرها على البشر والأسرة والفرد، مثل الأب الذي يكافح لتأمين رغيف خبز لابنه المصاب، الأسرة التي لم يبق منها سوى طفل يواجه العالم وحيدًا، والفرد الذي يجد نفسه يوميًا أمام قرارات مصيرية في ظل واقع قاسٍ، كل ذلك أردت توضيحه".
وأكد "صبري" أن التعبير عن الشهداء والضحايا كأرقام مجردة يقتل إنسانيتهم، لذا حرص على تقديمهم كأشخاص لهم أسماء وملامح وذكريات.
التحديات والبحث وراء العمل
لم يكن العمل وليد الخيال وحده، بل ارتكز على جهد بحثي مكثف، إذ قال: "أجريت مقابلات مع أهالي غزة الموجودين في مصر بغرض العلاج، والاستماع لشهاداتهم ومعاناتهم، والاطلاع على شهادات موثقة عبر الإنترنت ودراسة تفاصيل الأحداث الكبرى، والتركيز على الحياة اليومية لأهل غزة والتفاصيل الصغيرة التي لا تجد مكانًا في نشرات الأخبار".
وأشار إلى أن الشخصيات ليست نسخًا مطابقة لأشخاص بعينهم، لكنها مستوحاة من ملامح وتجارب متعددة لتكوين سرد متماسك يعكس الواقع الإنساني الأوسع.
صوت الضحية وذاكرة الدراما
يؤكد المؤلف المصري عمار صبري أن الهدف من العمل هو نقل سردية صوت الضحية، ويقول: "الأخبار تُحفظ في الأرشيف، أما الدراما فتعيش في ذاكرة البشر، وتملك القدرة على مخاطبة الوجدان الإنساني عبر الزمان والمكان، والهدف أن يكون العمل جسرًا ينقل صوت أصحاب الأرض إلى العالم، وأن يذكّر بأن وراء كل صورة إنسانًا، ووراء كل رقم حكاية".
وأشار إلى أن ردود الفعل الغاضبة من جانب الاحتلال الإسرائيلي لم تفاجئه، معتبرًا الاتهام بالانحياز اعتراف بقوة تأثير العمل، إذ ينحاز للعمل إلى الحقيقة وإلى المظلوم دون تجميل الواقع.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أنه يعمل حاليًا على مشروع فيلم جديد بين غزة والضفة الغربية أثناء الحرب، استمرارًا لاهتمامه بتوثيق التجربة الإنسانية في ظل الصراع.