يهدد تغير المناخ أحد أشهر رموز المطبخ الفرنسي، بعدما تسببت موجات الحر والجفاف المتكررة في تدهور المراعي، التي تعتمد عليها الأبقار المنتجة للحليب المستخدم في صناعة أنواع تقليدية من الجبن.
وشهدت فرنسا العام الجاري ظروفًا مناخية استثنائية، إذ سجل شهر يوليو الماضي أعلى متوسط لدرجات الحرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1900، كما كان ثالث أكثر أشهر يوليو جفافًا في تاريخ البلاد، وفق هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.
وأدت موجات الحر الطويلة ونقص الأمطار إلى تحول المراعي الخضراء إلى حقول صفراء جافة، ما تسبب في تعرض الأبقار للإجهاد الحراري وتراجع إنتاج الحليب، إضافة إلى انخفاض أعداد العجول أو ولادتها بحالة صحية أضعف.
ويواجه منتجو الجبن التقليدي المشكلة بصورة أكبر بسبب القواعد الصارمة التي تحكم بعض أنواع الجبن الفرنسي الحاصلة على علامة AOP، التي تضمن ارتباط المنتج بمنطقة جغرافية محددة، بدءًا من إنتاج الحليب وحتى مراحل تصنيع الجبن وتعتيقه.
ويعد جبن سالير من أكثر الأنواع تضررًا، هذا الجبن المصنوع من حليب الأبقار الخام ينتج أساسًا في منطقة كانتال بفرنسا، إذ ترعى الأبقار على ارتفاعات تتراوح بين 800 و1500 متر فوق سطح البحر، في مراعي غنية بالأعشاب تنمو فوق منطقة بركانية.
ويشترط إنتاج سالير بين 15 أبريل و15 نوفمبر 2026، مع اعتماد الأبقار بصورة أساسية على العشب. كما لا يسمح بأن تتجاوز الأعلاف الإضافية 25% من المادة الجافة في غذائها، مع اشتراط أن تأتي بعض مكونات العلف من المنطقة نفسها. غير أن الجفاف جعل الالتزام بهذه القواعد أكثر صعوبة.
واضطر المزارع وصانع الجبن لوران لور، الذي يعمل في المجال منذ 35 عامًا، إلى وقف إنتاج سالير في 8 يوليو الماضي، والتحول إلى إنتاج جبن "كانتال"، الذي يشبهه في طبيعته، لكنه يخضع لقواعد أكثر مرونة، تسمح بإنتاجه طوال العام وتتيح استخدام نسب أكبر من التبن والحبوب والذرة.
وقال "لور" إن مشكلة نقص العشب التي كانت تظهر سابقًا مرة كل 15 أو 20 عامًا أصبحت تتكرر تقريبًا كل عامين، مؤكدًا أن الوضع "يزداد سوءًا".
وتوقفت أكثر من ثلاثة أرباع الشركات المنتجة لجبن "سالير"، البالغ عددها نحو 80 منتجًا، عن الإنتاج خلال الصيف، بسبب موجات الحر والجفاف.
ودفعت الظروف المناخية الحكومة الفرنسية إلى السماح بإجراء تعديلات مؤقتة على قواعد بعض أنواع الجبن الحاصلة على علامة AOP، تعني أن نوع الجبن وطريقة إنتاجه ومكوناته مرتبطة ببيئة ومنطقة معينة، بما في ذلك طبيعة الأرض والمناخ والأعلاف المستخدمة في تغذية الأبقار.
وحصل منتجو أنواع مثل بوفور وكومتي وأبوندانس على موافقات لزيادة نسبة الأعلاف المستخدمة في تغذية الأبقار أو الحصول على أعلاف من خارج المناطق المحددة لإنتاج تلك الأجبان.
لكن منتجي سالير لم يطلبوا إعفاءً مماثلًا، معتبرين أن خفض نسبة العشب إلى أقل من 50% سيجعل المنتج لا يستحق، من وجهة نظرهم، الاحتفاظ باسم سالير.
ويطالب منتجو بعض أنواع الجبن منذ سنوات بتعديل قواعد الإنتاج بصورة دائمة لمواجهة آثار تغير المناخ، سواء من خلال تغيير فترة الرعي أو السماح باستخدام كميات أكبر من التبن والأعلاف الإضافية أو الحصول على الغذاء من خارج مناطق الإنتاج.
ولا تتعلق الأزمة بحجم الإنتاج فقط، إذ تشير أبحاث فرنسية إلى أن تغيير النظام الغذائي للأبقار قد يؤثر مباشرة في خصائص الجبن ونكهته.
وأجرى باحثون في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية والغذاء والبيئة دراسة، العام الماضي، أطعموا خلالها أربع مجموعات من الأبقار أنظمة غذائية مختلفة لمدة أربعة أشهر لمحاكاة ظروف الجفاف.
وبعد جمع الحليب، استخدم الباحثون العينات في صناعة جبن كانتال، ثم خضعت المنتجات للتحليل في المختبر والتقييم من جانب مجموعة من المستهلكين المتخصصين.
وأظهرت النتائج أن الجبن المصنوع من حليب أبقار تعتمد بصورة أكبر على العشب كان أغنى بأحماض أوميجا 3، كما تفوق في الطعم والرائحة والقوام.
ووفق المعهد، تكون الأجبان المصنوعة من حليب الأبقار التي ترعى على العشب أكثر ليونة واصفرارًا وأكثر عطرية، بينما تصبح الأجبان المصنوعة من حليب أبقار تتناول القليل من العشب أو لا تتناوله أكثر بياضًا وصلابة وأقل وضوحًا في النكهة.