تواجه مدينة كونري، عاصمة الفلفل الأحمر في باكستان، تحديات متزايدة؛ بسبب موجات الحر والفيضانات والجفاف وارتفاع تكاليف الزراعة، ويحاول المزارعون التكيُّف مع الظروف المتغيرة، لكن أساليب زراعة وتجفيف الفلفل التقليدية التي توارثتها أجيال، باتت مهددة بالاختفاء.
عاصمة الفلفل
وحسب صحيفة "نيويوك تايمز" الأمريكية، فإن باكستان تُعَد من أكبر منتجي الفلفل الأحمر في العالم، بينما تُعرَف بلدة كونري الصغيرة بأنها عاصمة هذا المحصول، ويجفف المزارعون الفلفل بالطريقة التقليدية تحت أشعة الشمس، لكن الغبار يتصاعد بكثافة في أيام السوق، حتى يصبح الهواء الحار خانقًا ويتسبب في دموع العينين وحرقة الحلق.
وتؤدي الظواهر الجوية القاسية، من حرارة شديدة وفيضانات وجفاف، إلى جانب عدم القدرة على التنبؤ بالطقس وارتفاع التكاليف المصاحبة لهذه الأحداث، إلى اختفاء نمط حياة شكّل أجيالًا من المزارعين تدريجيًا.
ووفق أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، المتاحة لعام 2024، بلغ إنتاج باكستان من الفلفل والفلفل الحار المجفف نحو 120,647 طنًا متريًا في عام 2024.
واحتلت باكستان بحسب بيانات عام 2024 المستندة إلى «فاو»، المرتبة الثامنة عالميًا في إنتاج الفلفل الحار والفلفل المجفف، ضمن مقارنة شملت 56 دولة.
أزمة المناخ
يسهم قطاع الزراعة بنحو ربع الاقتصاد الباكستاني تقريبًا، ويوفر العمل لنصف القوة العاملة في البلاد، لكن الدولة الواقعة في جنوب آسيا، والتي يزيد عدد سكانها على 250 مليون نسمة، تُعَد من أكثر دول العالم عرضة لتغير المناخ.
ودمرت الفيضانات الكارثية، التي ضربت باكستان عام 2022، نحو 4.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية، ويقول مزارعون في إقليمي السند والبنجاب المجاور، الذي يُعَد سلة خبز باكستان، إنهم ما زالوا يعانون آثار تلك الكارثة.
ويُعَد الفلفل الأحمر من بين أكثر المحاصيل تضررًا، ويقول المزارعون الباكستانيون إن زراعة هذا المكون الأساسي في المطبخ الباكستاني تحولت إلى تحدٍ مستمر.
وخلال السنوات الأخيرة، أدى الطقس المتقلب إلى تعاقب موجات الحر والفيضانات بصورة متكررة، ما دمر المحاصيل وألحق ضررًا خاصًا بالمزارعين التقليديين أصحاب الحيازات الصغيرة، الذين يجدون صعوبة في التكيف مع ارتفاع التكاليف.
وتنتج بلدة كونري الصغيرة أكثر من 85 بالمائة من إجمالي الفلفل الأحمر في باكستان، لكن شهر مارس كان شديد الحرارة هذا العام لدرجة تعذر معها بدء الزراعة، لذلك أرجأ بعض المزارعين بذر البذور حتى مايو، ما أدى إلى تقليص موسم النمو وتعريض النباتات الصغيرة والهشة لمزيد من الإجهاد الحراري.
وفي سباق مع الوقت وتغير المناخ، بدأ المزارعون بإضافة كميات من الأسمدة إلى التربة أكبر بكثير من السابق، في محاولة يائسة لإبقاء النباتات حية حتى موسم الحصاد الذي يبدأ في سبتمبر.
تجفيف محفوف
ويزيد خطر الفيضانات أيضًا من صعوبة عملية تجفيف الفلفل التقليدية، فبعد حصاده في سبتمبر، يضع المزارعون الفلفل على الأرض ليجف، وهي عملية تستغرق نحو عشرة أيام، لكن الرطوبة الزائدة يمكن أن تجعل المحصول عرضة للفطريات.
وعلى مدى سنوات، طالب صغار المزارعين في كونري بإنشاء مرافق حديثة تتيح لهم تجفيف الفلفل في بيئة أكثر تحكمًا، بما يقلل تعرض المحصول لمخاطر الطقس والرطوبة.
ويُقر المسؤولون المحليون بأنهم يواجهون أعباءً تفوق قدرتهم على التعامل معها؛ في ظل حجم الخسائر والتحديات التي يفرضها تغير الظروف المناخية على المزارعين.
خسائر المحصول
قدّر محمد خان، وهو مسؤول في منطقة كونري، أن ما يصل إلى ثلث المحصول يهدر خلال مرحلتي التجفيف والمعالجة، وقال إن التجفيف يمثل المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى أصحاب الأراضي الصغيرة؛ بسبب الضباب الذي يظهر ليلًا.
وأضاف خان أن كبار ملاك الأراضي تمكنوا من تحمل التكاليف الإضافية الناتجة عن تغير الطقس بصورة أفضل، مقارنة بصغار المزارعين الذين تتركز عليهم آثار ارتفاع تكاليف الزراعة.
وقال إن حكومة إقليم السند تتخذ خطوات لمعالجة بعض هذه التحديات، من بينها الموافقة أخيرًا على إنشاء سوق جديد للفلفل في كونري.
ومع تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الأسمدة واستمرار مشكلات الري، بدأ كثير من المزارعين في تنويع المحاصيل التي يزرعونها؛ بحثًا عن بدائل أقل تعرضًا للمخاطر.
أسعار الفلفل
تنعكس تقلبات الإنتاج والمناخ مباشرة على أسعار الفلفل الأحمر المجفف في باكستان، خصوصًا مع تعرض المحاصيل لموجات الحر والفيضانات والجفاف وارتفاع تكاليف الأسمدة والري. وتزداد الضغوط عندما تتراجع الكميات القابلة للتسويق بعد الحصاد نتيجة صعوبات التجفيف والتخزين.
وعلى المستوى العالمي، تتحرك أسعار الفلفل الأحمر المجفف وفق توازن العرض والطلب، وتتأثر بإنتاج كبار المصدرين والمنتجين، إلى جانب تكاليف النقل والظروف المناخية، ولا يعني تراجع الإنتاج في باكستان وحده بالضرورة ارتفاع الأسعار العالمية، لكنه يمكن أن يضغط على المعروض المُتاح للتجارة، خصوصًا في الأسواق التي تعتمد على الإمدادات الباكستانية.