تدفع أوروبا هذا الصيف فاتورة اقتصادية باهظة جراء تغيُّر المناخ، في وقت تتراجع فيه القارة عن سياساتها البيئية الطموحة؛ تحت ضغط المنافسة الصناعية مع الصين والولايات المتحدة، فبين حرائق غابات التهمت 465 ألف هكتار، وموجات حر أودت بحياة أكثر من 14 ألف شخص، وأنهار جفّت أفشلت مصانع وأوقفت مفاعلات نووية، تتشكّل الملامح الأولى لأزمة اقتصادية متعددة الأوجه، تُلقي بظلالها على دول القارة من برلين إلى بوخارست، بحسب صحيفة بوليتيكو.
وبينما يتصاعد الجدل حول الأولويات، يُحذّر خبراء اقتصاد المناخ، الذين استطلعت بوليتيكو آراءهم، من أن تكلفة التقاعس عن مواجهة الأزمة المناخية ستفوق بمراحل أي استثمار في السياسات الخضراء، وأن هذا الصيف ليس استثناءً، بل نذيرًا بما هو قادم.
المفاضلة بين المناخ والاقتصاد
تشير بوليتيكو إلى أنه في قلب هذه الأزمة، يكمن سوء فهم جوهري، يُفنّده بوب وارد، مدير السياسات في معهد جرانثام بكلية لندن للاقتصاد، إذ يقول: "لا تزال ثمّة عقلية خاطئة كليًا تفترض وجود مفاضلة بين الاقتصاد والسياسة المناخية، وقد عرفنا منذ وقت طويل أن تكاليف تغيُّر المناخ دون تدخل ستفوق بكثير أي إجراء نتخذه".
وتدعم هذه القناعة أرقام ميدانية صادمة، إذ تُقدّر مجموعة أليانز للتأمين أن موجات الحر المتواصلة ستُفضي إلى خسائر تراكمية في الناتج المحلي تبلغ 7% بين 2026 و2030، بما يعادل 240 مليار دولار لفرنسا، و147 مليارًا لإيطاليا، و131 مليارًا لألمانيا، و120 مليارًا لإسبانيا.
وبحسب أندرس ليفرمان، من معهد بوتسدام لأبحاث المناخ، فإن هذه الخسائر لا تتوقف عند حدودها المباشرة، بل تتراكم سنة بعد سنة: "المال الذي لا تكسبه هذا العام لن تستطيع استثماره في العام القادم، وبذلك تُفوِّت على نفسك فرصة توليد نمو مستقبلي".
خسائر مباشرة وصامتة
على أرض الواقع، تتحول درجات الحرارة المرتفعة إلى خسائر مباشرة وصامتة في آنٍ معًا، فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة، التي أوردتها بوليتيكو، تتراجع إنتاجية العمال بنسبة 2 إلى 3% لكل درجة حرارة إضافية تتجاوز حدًا بعينه، فيما ترتفع تكاليف الطاقة تزامنًا مع تصاعد الطلب على التكييف.
وفي ألمانيا وحدها، قدّرت تقديرات أولية خسائر الإنتاجية خلال موجة حر يونيو الأخيرة، بما لا يقل عن 6.3 مليارات يورو.
وإلى جانب ذلك، يضرب الجفاف القطاع الزراعي بعنف، إذ أكدت رابطة الحبوب الأوروبية كوسيرال أن موجة الحر وحدها أتلفت 9 ملايين طن من المحاصيل الحبوبية، ما يُمثّل خسائر إيرادات للمزارعين تقترب من ملياري يورو، وفق تقديرات متداولة.
سلاسل الإمداد تنهار
غير أن المشهد لا يقتصر على الحرارة والحقول؛ فالأنهار الجافة باتت تُضيف طبقة أخرى من الأزمة، إذ هبط نهر الراين إلى أدنى مستوياته منذ بدء التسجيل عام 1880، فاضطرت البارجات إلى تخفيض حمولتها بنسبة 80%، مُقيِّدةً سلاسل الإمداد ومُكبِّلةً الصناعة.
وأعلن عملاق الصلب تيسنكروب، تقليص إنتاجه جراء شح المواد الخام، فيما حذر ستيفان كوتس، من معهد كيل للاقتصاد العالمي في تصريحات لشبكة ARD الألمانية، من أن استمرار هذا الوضع قد يقض مضجع التعافي الاقتصادي الألماني بأكمله، مُرجِّحًا تراجعًا في الناتج المحلي يتراوح بين 0.1 و0.2% في الربع الثالث.
وفي شرق القارة عاشت المجر على حافة أزمة طاقة حقيقية، حين عجز نهر الدانوب عن توفير مياه التبريد الكافية لمحطة باكس النووية التي تُغطي 40% من كهرباء البلاد، فلم تعمل إلا بعُشر طاقتها.
وفي رومانيا، لجأت الحكومة إلى تفجير صخرة لتحويل مياه النهر نحو مفاعلها الأخير بعد إغلاق الأول، فيما تطوعت شركات السيارات بتعليق إنتاجها للحد من استهلاك الكهرباء.
أما فرنسا، فأغلقت شركة إيلكتريسيتيه دو فرانس، ثلاثة مفاعلات نووية وخفضت طاقة أخرى، في مشهد يكشف مدى هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية أمام أزمة المياه.
حرائق لا تُطفأ وفاتورة بالمليارات
على الجبهة الأخرى، تتمدد الحرائق لتُكمل الصورة القاتمة، إذ كشفت بوليتيكو، نقلًا عن دراسة أعدتها سارة ماير من معهد ETH زيورخ، أن دول جنوب أوروبا الأربع، وهي البرتغال وإسبانيا وإيطاليا واليونان، خسرت ما يصل إلى 2.1 مليار يورو سنويًا بين 2011 و2018 جراء الحرائق، وهو رقم تصفه ماير بأنه سيبدو "تقديرًا متحفظًا"، قياسًا بما يشهده هذا الصيف من حرائق غير مسبوقة اقتربت من المدن الكبرى.
وبحلول نهاية يوليو، كانت النيران قد التهمت 465 ألف هكتار في دول الاتحاد الأوروبي، مع تكلفة استعادة تُقدّرها وزارة التحول البيئي الفرنسية بما يبلغ 10 آلاف يورو للهكتار الواحد.
وفي منطقة جيروند قرب بوردو، أُجبِرَت آلاف الشركات على الإغلاق وفر السياح، في مشهد وصفه وزير المالية الفرنسي رولان لوسكور بأنه "صاعقة اقتصادية ضربت منطقة لم تكن في حاجة إليها".