تضرب موجة حر استثنائية مبكرة غرب أوروبا، أودت بحياة سبعة أشخاص في فرنسا وحدها، وكسرت أرقامًا قياسية في عدة دول، في ظاهرة يؤكد علماء المناخ أنها ليست حادثة عابرة، بل انعكاس مباشر لتسارع وتيرة الأزمة المناخية العالمية، وفقًا لما رصدته صحيفة ذا جارديان البريطانية.
ضحايا الحرارة
كشفت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية مود بريجون، في تصريحات لقناة TF1 الفرنسية، أن سبعة أشخاص لقوا حتفهم جراء الحرارة مباشرة أو بشكل غير مباشر، خمسة منهم غرقوا في مياه الأنهار والبحيرات، التي اكتظت بالمواطنين الفارين من لهيب الشمس، رغم أن الإشراف على شواطئ السباحة لا يبدأ رسميًا في معظم المناطق إلا في يوليو.
وتضمنت القائمة امرأة فارقت الحياة، إثر ضربة شمس خلال بطولة Hyrox الرياضية في ليون، ورجل في الثالثة والخمسين أُصيب بنوبة قلبية في منتصف سباق عدو بباريس.
وفي ضاحية ميزون-ألفور الباريسية، نُقل ستة عشر شخصًا إلى المستشفى في أثناء سباق مشابه، عشرة منهم في حالات حرجة، من بينهم ثلاثة مراهقين غرقوا في حوادث سباحة منفصلة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
كسر الحاجز التاريخي
رصدت الهيئة الوطنية الفرنسية للأرصاد الجوية والمناخ "ميتيو فرانس" ارتفاع المؤشر الحراري الوطني إلى 24.8 درجة مئوية، أمس الثلاثاء، متخطيًا الرقم القياسي الذي كُسر، أول أمس الاثنين عند 24.6 درجة، فيما سجلت أكثر من 350 محطة أرصاد جوية أرقامًا شهرية قياسية جديدة.
وأعلنت الوكالة حالة التأهب البرتقالي، التي تعد ثاني أعلى مستوى، في 13 من أصل 96 محافظة فرنسية، فيما خضعت 29 محافظة لتحذير أصفر، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ إطلاق منظومة الإنذار المبكر عام 2004.
وتوقعت ميتيو فرانس استمرار الموجة حتى نهاية الأسبوع مع احتمال بلوغ الحرارة 39 درجة في بعض المناطق، ما دفع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى استدعاء اجتماع وزاري طارئ لتقييم استعدادات الدولة.
احتراق أوروبا
لم تكن فرنسا وحدها في مواجهة هذا اللهيب، إذ رصدت المملكة المتحدة أعلى درجة حرارة في تاريخها لشهر مايو عند 35 درجة مئوية قرب لندن، متجاوزة رقم أول أمس الاثنين البالغ 33.5 درجة، في حين خضعت أجزاء منها لحالة حرارة شديدة رسمية بتجاوز 26-28 درجة لثلاثة أيام متتالية.
وفي إسبانيا، أشارت هيئة الأرصاد Aemet إلى استمرار درجات 36-38 درجة في أودية جواديانا وجواداكيفير وإيبرو حتى الجمعة المقبل مع احتمال تجاوز الـ40 درجة.
أما إيرلندا فسجلت 28.8 درجة في محطتين للرصد وفق بيانات Met Éireann، الأعلى في تاريخ البلاد لهذا الشهر.
وفي إقليم لاتسيو الإيطالي الذي يضم روما، فرضت السلطات قيودًا على العمل في الهواء الطلق بين 12:30 و4:00 مساءً على المزارع ومواقع البناء وقطاع التوصيل.
تخذير علماء المناخ
وأشارت صحيفة ذا جارديان البريطانية إلى أن ما يُقلق العلماء ليس الأرقام وحدها، بل دلالتها العميقة، إذ نقلت الصحيفة عن عالم المناخ روبير فوتار، قوله لوكالة فرانس برس، إن امتداد موسم الحر نحو أشهر أبكر "سمة جوهرية من سمات تغير المناخ"، محذرًا من موجات مشابهة في أبريل وأكتوبر مستقبلًا.
وأوضحت الهيئة الوطنية الفرنسية للأرصاد الجوية والمناخ، أن "القبة الحرارية" نشأت من هواء حار قادم من المغرب محاصر تحت ضغط جوي مرتفع، مؤكدة أن أحداثًا كهذه ستتكرر "بشكل متزايد، ومبكر أكثر فأكثر، وأشد حدةً".
ووصف عالم المناخ كريستوف كاسو، لصحيفة لو موند الفرنسية، هذه الموجة بأنها "حدث غير مسبوق" باحتمال وقوع واحد في الألف في مناخ ما بين 1979 و2025، مشيرًا إلى أنه كان شبه مستحيل في الحقبة ما قبل الصناعية.
كما تُعزز هذه التحذيرات نماذج علمية سابقة أثبتت أن موجات الحر في يونيو باتت أكثر احتمالًا بعشرة أضعاف مقارنةً بالحقبة ما قبل الصناعية.