سافر الكاتب والروائي المصري يوسف القعيد إلى العاصمة بغداد عام 1976، وهناك التقى الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي.
في الدور الرابع من مبنى وزارة الإعلام، الذي كان يطل على ساحة التحرير حيث نصب تمثال الحرية للفنان العراقي العظيم جواد سليم، نظر البياتي إلى الميدان من تحت نظارة طبية كانت على عينيه، قبل أن يسأل القعيد عن مصر وناسها وأحوالها.
•••
رد القعيد بما رد به وقتها، ثم سكت يسمع للبياتي، الذي قال: "عارف يا يوسف.. كلما سافرت إلى دولة عربية وكانت مصر في طريقي.. أمر لزيارتها حتى (أكحل العين برؤية القاهرة)!" (لقد عاش البياتي عدة سنوات في مصر قبل أن يستقر ببغداد). وسأله القعيد عن القاهرة وسنوات حياته فيها، فقال: "لو خُيرت في أي المدن العربية التي أرغب في الحياة فيها، لاخترت القاهرة!"
ثم تنهد تنهيدة طويلة قبل أن يسكت، إلى أن سأله القعيد:
-- ولماذا؟
رد البياتي وهو ينفث سيجارته حتى أزاح الهواء المعبأ برائحة الدخان إلى شارع السعدون، وقال: "حياتي السابقة فيها ارتبطت بأخطر مراحل النضال العربي.. وارتبطت بأجمل الكتب والدواوين الشعرية التي كتبتها، إذ أتاحت لي الحياة هناك جوًا من الاستقرار استطعت فيه أن أتفرغ للكتابة"، ثم أضاف: "أنا مدين للثقافة العربية في مصر على وجه الخصوص، وأول ما فتحت عيني قرأت مؤلفات طه حسين وعبدالقادر المازني وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ومن جيلي أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي".
•••
ثم سأله القعيد، قبل نهاية اللقاء الذي استمر ساعة أو أكثر، عن الصحافة الثقافية والأدبية العربية، فرد البياتي: "عايز الحق ولا ابن عمه زي ما بتقولوا في مصر؟" (قالها وهو يضحك).
-- رد القعيد وهو يضحك: "الحق طبعًا!"
قال البياتي: "الصحافة الأدبية العربية تكاد أن تكون شبه ميتة، لأن هناك شللًا تامًا في الصحف والمجلات الأدبية".
-- وما سبب ذلك الشلل؟
قال بحزن: "لأن أغلبها متخلف.. والآخر لا يتماشى مع روح العصر.. كما أن هناك هوة بين متطلبات القارئ وما تقدمه هذه المجلات.. وأغلب المسؤولين – لاحظ، هو يتحدث سنة 1976 – عن هذه المجلات هم شبه أميين".
تراجع يوسف القعيد في مقعده معترضًا، وقبل أن يواصل رد فعله قال البياتي: "إن لم يكونوا أُميين تمامًا!"
-- سأله القعيد: "تمامًا كمان؟"
-- "اه.. وهذا أدى إلى انقطاعها – أي المجلات والصحف الثقافية – عن تيار الحضارة الإنسانية. وإن كان هناك استثناء لبعض المجلات التي تصدر في بعض العواصم العربية.. فهو قليل جدًا".
المصدر:
ظل الذاكرة – كتاب حوارات ونصوص – طبعة 2016