بعد حرب استمرت 110 أيام، تقف إيران أمام مرحلة مفصلية قد تحدد ملامح مستقبلها السياسي والاقتصادي. فالدروس التي استخلصتها القيادة الجديدة من المواجهة الأخيرة لا تنعكس فقط على توازنات السلطة داخل البلاد، بل تمتد إلى مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي. وبين ضغوط الداخل وتحديات الخارج، تبدو طهران منشغلة بإعادة ترتيب بيتها الداخلي وصياغة إستراتيجية جديدة قد تفتح الباب أمام انفراجة اقتصادية وتعيد رسم علاقاتها الدولية في السنوات المقبلة.
غياب المرشد
وأسفر غياب المرشد الإيراني المصاب، مجتبى خامنئي، عن المشهد العام إلى خلق حالة أشبه بمرحلة انتقالية في هرم السلطة. وفي رسالة نشرها الخميس الماضي، أوضح خامنئي، أنه يعارض الاتفاق من حيث المبدأ، لكنه فوض الرئيس مسعود بزشكيان بالمضي فيه بعد تلقيه ضمانات بعدم تقديم تنازلات إذا تجاوزت المطالب الأمريكية الحدود المقبولة، وفق تقرير لصحيفة "الجارديان".
وأكد خامنئي أن حقوق إيران وما يعرف بـ"محور المقاومة" يجب أن تبقى مصانة، في موقف يذكر بنهج والده وسلفه علي خامنئي، الذي اعتاد ترك المسؤولية التنفيذية للحكومات المنتخبة مع الاحتفاظ بمسافة سياسية تحميه من تبعات أي فشل محتمل في التعامل مع الغرب.
انقسام داخل واشنطن
وتزامن تدخل خامنئي مع نقاش محتدم داخل الإدارة الأمريكية حول طبيعة القيادة الإيرانية الجديدة. ففي حين وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القيادة الإيرانية الأسبوع الماضي، بأنها "غير شريفة ولا تتعامل بحسن نية"، أشار مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، إلى وجود فجوة بين التصريحات العلنية للمسؤولين الإيرانيين وما يعبرون عنه في الاجتماعات المغلقة.
وبحسب مصادر مطلعة للصحيفة البريطانية، خلصت التقديرات الاستخباراتية الأمريكية إلى أن النوايا الإيرانية قد لا تتطابق بالكامل مع الالتزامات الواردة في الاتفاق، ما أثار مخاوف من احتمال المماطلة في تنفيذ الاتفاق النووي أو حتى السعي سرًا إلى تطوير قدرات نووية عسكرية.
مضيق هرمز
وفي المقابل، يرى كثير من الإيرانيين أن الحرب الأخيرة أثبتت أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض النظام العالمي بمفردها، وأن مضيق هرمز منح إيران ورقة قوة إستراتيجية تفوق في بعض جوانبها الردع النووي.
ونقلت صحيفة "جارديان" عن رئيس تحرير مجلة "نقد انديشه" المحافظة بيمان فضلينجاد، قوله، إن "التاريخ أظهر أن الجغرافيا تنتقم أحيانًا من التكنولوجيا، وأن جزءًا من مصادر القوة يكمن في الممرات المائية الإستراتيجية وليس فقط في الترسانة العسكرية الثقيلة".
لكنه دعا في الوقت نفسه إلى كسر الحلقة المفرغة من الحروب والمفاوضات والاحتجاجات، مشددًا على أن البلاد بحاجة إلى استعادة الاستقرار وعدم الوقوع في حسابات خاطئة جديدة.
فرصة تاريخية
ويبدو أن ترامب بات مقتنعًا بأن القيادة الإيرانية الجديدة تختلف عن سابقاتها. وخلال قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية، وصف المسؤولين الإيرانيين بأنهم "الأكثر عقلانية" بين جميع الأطراف، التي تفاوضت معها الولايات المتحدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
وقال ترامب إن القادة الإيرانيين "ليسوا متطرفين، بل يريدون مساعدة بلادهم"، فيما أكد فانس أن واشنطن تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من الوصول إلى مستويات غير مسبوقة من التواصل مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم عناصر نافذة في الحرس الثوري.
وأدى انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018 إلى إضعاف التيار الإيراني المؤيد للتقارب مع الغرب، ومنذ ذلك الحين يواجه دعاة التفاوض معضلة أساسية تتمثل في غياب الثقة بالالتزامات الأمريكية.
ويرى مراقبون أن عجز واشنطن عن كبح سياسات إسرائيل في المنطقة يضعف موقف المؤيدين للتفاوض داخل طهران، رغم أن المؤشرات الحالية توحي بأن التيار البراجماتي حقق تقدمًا على حساب المتشددين.
قاليباف والحرس الثوري
وبرز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، كأحد أكبر المستفيدين من الحرب، إلى جانب الحرس الثوري الذي انحدر من صفوفه.
وكشف قاليباف، أن المجلس الأعلى للأمن القومي أجرى تصويتًا على قبول الاتفاق، شارك فيه للمرة الأولى ممثلون عن القوات المسلحة، وأن معارضًا واحدًا فقط صوت ضده، يرجح أنه سعيد جليلي.
وأكد قاليباف أن هدف المفاوضات كان تخفيف الضغوط عن المواطنين، قائلًا: "مهمتنا كانت حماية الشعب من تبعات الحرب. الصواريخ وحدها لم تكن كافية لتحقيق ذلك".
وأضاف أن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يكون صد التهديدات الخارجية فقط، بل تحسين الوضع الاقتصادي ومعالجة التضخم وانهيار العملة الوطنية.
الصين أولًا
وتشير تقديرات خبراء إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة تتبنى إستراتيجية مختلفة تقوم على مزيد من المركزية السياسية، وتعزيز الشراكة مع الصين، وإعطاء دور أكبر للحرس الثوري في رسم السياسات.
وفي السياق ذاته؛ شدد قاليباف، الذي عيّن أخيرًا مبعوثًا خاصًا إلى الصين، على أهمية تحقيق توازن في العلاقات بين الشرق والغرب، مع تجنب الاعتماد الكامل على الأسواق الغربية.
ويرى محللون أن إيران أخطأت بعد اتفاق 2015 عندما منحت معظم العقود الاقتصادية للشركات الأوروبية رغم توقيعها شراكة إستراتيجية شاملة مع بكين.
وقال الباحث إسفنديار باتمانجليج، إن "رجال الأعمال والمسؤولين الصينيين شعروا بخيبة أمل آنذاك، وقاليباف يبعث رسالة واضحة مفادها أنه لن يكرر الخطأ نفسه".