بينما صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن احتمالية الانهيار الاقتصادي العالمي كانت سببًا رئيسيًا لتوقيعه اتفاق سلام مؤقتًا مع إيران، يكشف هذا التصريح عن نقطة ضعف رئيسية للولايات المتحدة قبيل الجولة المقبلة من المحادثات مع طهران، كما لفت تقرير لوكالة "بلومبرج".
وكانت مذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب يوم الأربعاء قد أعادت فتح مضيق هرمز، وبدأت إجراءات رفع العقوبات المفروضة على مبيعات النفط الإيرانية إلى السوق الدولية. وكان الأثر فوريًا؛ فقد انخفض سعر النفط بشكل حاد، وارتفعت أسعار الأسهم الأمريكية، وهي حقائق أشار إليها ترامب في مؤتمر صحفي عقده في فرنسا خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع.
وقال ترامب في مؤتمر صحفي بمدينة إيفيان الفرنسية يوم الخميس: "لم أكن أرغب في رؤية كارثة اقتصادية، لو استمر الوضع على هذا المنوال، لكان ذلك قد حدث".
ويلفت التقرير إلى أن "هذا الاعتراف يُضعف موقف الولايات المتحدة التفاوضي، في الوقت الذي يعتزم فيه الجانبان بدء محادثات في سويسرا يوم الأحد. وبموجب الاتفاق، أمامهما 60 يومًا لمناقشة فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني ومنح إيران تسهيلات اقتصادية".
ويضيف: "إن معرفة أن ترامب سيتردد في استئناف الحملة العسكرية - وبالتالي إشعال اضطرابات اقتصادية جديدة - يخفف الضغط على إيران لإنهاء المحادثات سريعًا. بل إن إيران أعلنت يوم السبت، حتى قبل بدء المحادثات، أنها ستغلق مضيق هرمز ردًا على الصراع الجديد بين إسرائيل ولبنان".
ضغط أمريكي
تشير "بلومبرج" إلى أنه قد يزداد الضغط على الولايات المتحدة سوءًا في حال إطالة أمد المعركة مع إيران، فالصراع المطول قد يؤدي إلى أعمق تباطؤ اقتصادي عالمي منذ 40 عامًا. أما على الصعيد الداخلي، فقد أثبتت الحرب في إيران عدم شعبيتها بشكل كبير، حيث قال 56% من الأمريكيين إنها أثرت سلبًا على مصالح الولايات المتحدة أكثر من إيجابًا، وفقًا لاستطلاع رأي أجرته جامعة "ميريلاند".
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، أعرب أعضاء من حزب ترامب نفسه عن مخاوفهم، بل إن مجلس النواب الذي يقوده الجمهوريون صوّت على وقف الحرب مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر.
ونقل التقرير عن كريس كينيدي، رئيس قسم السياسة الاقتصادية في "بلومبرج إيكونوميكس" والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية: "بشكل عام، فإن النقاط الـ14 الواردة في مذكرة التفاهم تضع طهران في موقف تفاوضي قوي، بينما يتناول الجانبان الملف النووي".
وفي حين أصر المسؤولون الأمريكيون سابقًا على أن البرنامج النووي الإيراني كان مهمًا بما يكفي لتبرير خوض الحرب، أشار نائب الرئيس جيه دي فانس هذا الأسبوع إلى أنه قد تم تدميره بالفعل، وبدا مترددًا تقريبًا بشأن الإصرار على أن المفاوضات النووية ستؤدي إلى تحقيق اختراق لصالح واشنطن.
وقال فانس: "إيران ضعيفة، وبرنامجها النووي مدمر، واقتصادها في وضع مزرٍ، وإذا غيرت سلوكها، فستحدث أمور كبيرة لإيران وللحرب، أما إذا لم تفعل، فلن نتضرر نحن".
وترى "بلومبرج" أن مشكلة الولايات المتحدة "تكمن في أن الاتفاق كان منحازًا لصالح إيران، مما منحها مكاسب واسعة قبل حتى بدء الجولة التالية من المحادثات".
وقد أظهر تحليل أجرته "بلومبرج إيكونوميكس" للاتفاق المكون من 14 بندًا أن 10 بنود كانت لصالح إيران مقابل بند واحد فقط لصالح الولايات المتحدة، بينما كانت البنود الثلاثة الأخرى محايدة.
مصلحة إيران
بموجب مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، من المقرر أن تمنح الولايات المتحدة إيران إعفاءً من العقوبات لاستئناف صادرات النفط فورًا، وأن تفتح الباب أمام إنهاء جميع برامج العقوبات في نهاية المطاف، وذلك في إطار مفاوضات مدتها 60 يومًا.
كما ستحصل إيران على برنامج تنموي بقيمة 300 مليار دولار للمساعدة في إعادة الإعمار بعد النزاع. وقد أثارت هذه التنازلات الأمريكية، من وجهة نظر مؤيدي الحرب، ردود فعل غاضبة من المشرعين الجمهوريين.
ويتمثل التنازل الرئيسي الذي قدمته إيران في تأكيدها مجددًا على عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، وهو وعد قطعته بالفعل بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. كما قد تتمكن الولايات المتحدة من إعادة فتح مضيق هرمز - الذي أدى إغلاقه إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية - لكن هذا الممر المائي كان مفتوحًا قبل حرب ترامب.
أيضًا، ينص الاتفاق على أن فترة التفاوض المقررة لمدة 60 يومًا "قابلة للتمديد"، مما يزيد من احتمالية استمرار المحادثات لأشهر عديدة.
ونقل التقرير عن مياد مالكي، المسؤول السابق عن العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية والباحث البارز حاليًا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن هذه النتيجة تصب في مصلحة إيران أكثر من مصلحة الولايات المتحدة.
وقال: "لا يمكن التنازل عن البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات التي تتلقاها الولايات المتحدة بالفعل. لا يزال بإمكانها التصعيد عسكريًا، لكنها فككت نفوذها الاقتصادي في اللحظة التي هي في أمسّ الحاجة إليه".