في وقت خرجت فيه إيران من حرب مدمرة أكثر تماسكًا مما توقعه خصومها، تجد طهران نفسها أمام اختبار مختلف لا يتعلق بكسب المعارك، بل بإدارة تداعيات السلام الهش الذي أعقبها، وسط تساؤلات بشأن قدرة طهران على تحويل مكاسبها العسكرية والسياسية إلى استقرار دائم.
ورقة هرمز
وبحسب ما نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فإن النظام الإيراني كان يواجه عند اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أواخر فبراير، أزمات اقتصادية وبيئية عميقة، إلى جانب تراجع قدراته الدفاعية واضطرابات داخلية وضغوط خارجية أعقبت حملة قمع واسعة للاحتجاجات في يناير.
ورأت "فورين أفيرز"، أن إيران خرجت بعد 40 يومًا من الحرب وشهرين من وقف إطلاق نار هش أكثر جرأة، مستندة إلى ورقة ردع جديدة تتمثل في قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
في أواخر أبريل، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأن مضيق هرمز أصبح "سلاحًا نوويًا اقتصاديًا" لإيران، وأصبح العالم يدرك أن أي هجوم جديد على طهران قد يدفعها إلى إغلاق المضيق، بما يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية.
وترى المجلة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خسر الحرب والمفاوضات التي أعقبتها، غير أن طهران قد تخسر السلام إذا بالغت في تقدير مكاسبها، فمذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة أرجأت معظم القضايا الخلافية، بما فيها الملف النووي، إلى مفاوضات تستمر ستين يومًا.
وتنص المذكرة على مرور السفن التجارية مجانًا خلال هذه الفترة، فيما تسعى إيران والولايات المتحدة إلى التوصل لصيغة تنظم إدارة المضيق بعد انتهاء الحرب، لكن طهران أوضحت أنها تعتزم فرض قيود ورسوم جديدة على السفن التجارية بعد انتهاء فترة التفاوض.
سلام مؤجل
أكد رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، أن "مضيق هرمز لن يعود أبدًا إلى حالته السابقة"، مضيفًا أن إيران ستفرض رسومًا مقابل الخدمات التي تقدمها، وتقول المجلة إن هذا التوجه يبدو مفهومًا في ظل الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها البلاد خلال الحرب.
غير أن الإصرار على عدم إعادة المضيق إلى وضعه السابق دون رسوم أو ضرائب قد يقوض قدرة الردع التي اكتسبتها إيران حديثًا، كما قد يزيد احتمالات عودة الصراع ويؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد في حركة التجارة والشحن العالمية.
وتضيف المجلة أن هذا المسار قد يدفع دولًا عديدة إلى تسريع البحث عن طرق بديلة لنقل الطاقة والتجارة، بما يقلل مستقبلًا من الكلفة الإستراتيجية التي قد يتحملها خصوم إيران في أي مواجهة جديدة.
عقبات الاتفاق
ترسخ مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بندًا وقف إطلاق النار الهش في إيران ولبنان، وتؤكد عدم سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، كما تتضمن تعهدًا أمريكيًا بإنهاء الحصار البحري ومنح استثناءات تسمح لإيران ببيع نفطها.
وتتحدث الوثيقة أيضًا عن رفع كامل للعقوبات مقابل التخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى تفاهم مستقبلي بشأن التخصيب النووي، إلا أن معظم التفاصيل الأساسية لا تزال معلقة، ما يجعل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يومًا أمرًا غير مضمون.
وترى المجلة أن واشنطن لم تبدِ حتى الآن الصبر اللازم لإبرام اتفاق نووي معقد يتطلب آليات رقابة وتحقق جديدة، كما أن نظام العقوبات الذي وضع خلال ولاية ترامب الأولى صمم بطريقة تجعل العودة إلى اتفاق شامل عملية شديدة التعقيد من الناحية القانونية والإدارية.
أزمة ثقة
تشير المجلة إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة قد لا تكون راغبة في اتفاق يتجاوز ترتيبات محدودة ومؤقتة مع الولايات المتحدة، في ظل انعدام الثقة بالتزام ترامب بأي اتفاق طويل الأمد بعد انسحابه من الاتفاق النووي السابق عام 2018.
كما أن الفجوة بين ما تسعى إليه طهران وما تقبل به واشنطن قد تجعل التوصل إلى اتفاق شامل أمرًا بالغ الصعوبة. وتضيف المجلة أن إسرائيل قد تستخدم نفوذها لإعاقة أي اتفاق أوسع إذا رأت أن بنوده لا تخدم مصالحها.
ورغم ذلك، يبقى ملف مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل التفاهمات الحالية، إذ إن عدم تثبيت ترتيبات دائمة بشأنه قد يفتح الباب مجددًا أمام اندلاع الحرب.
اللعب بالنار
في مايو أنشأت إيران هيئة جديدة لإدارة المضيق، وأعلنت سيطرتها على منطقة بحرية موسعة، كما ألزمت السفن بالحصول على تصاريح مسبقة للعبور، وأشارت إلى أن السفن العسكرية غير الصديقة ليست موضع ترحيب.
كما أعلنت طهران رغبتها في الاستفادة ماليًا من المضيق عبر رسوم بيئية وخدمية بعد انتهاء فترة التفاوض، واقترحت إدارة مشتركة للمضيق مع سلطنة عمان، بينما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الهيئة الجديدة، بسبب ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني.
وترى المجلة أن فرض رسوم على الملاحة لن ينعكس سلبًا على التجارة العالمية فقط، بل قد يضر إيران نفسها، إذ قد تتردد شركات عديدة في التعامل مع كيان يخضع لعقوبات أمريكية ودولية.
خيار حاسم
تؤكد المجلة أن إيران تواجه خيارًا أساسيًا يتمثل في استخدام مضيق هرمز لتحقيق مكاسب مالية أو الاحتفاظ به كأداة ردع إستراتيجية، لكنها قد لا تتمكن من الجمع بين الهدفين في الوقت نفسه.
فمجرد محاولة استغلال المضيق اقتصاديًا أو فرض قيود على حركة التجارة سيضعف الحجة الرئيسية التي تمنع خصومها من شن حرب جديدة، الكلفة الباهظة المترتبة على إغلاق الممر البحري الأهم في المنطقة.
وتضيف المجلة أن إيران مطالبة أيضًا بالوفاء بالتزاماتها ضمن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإعادة بناء علاقاتها مع جيرانها، ومعالجة أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، مؤكدة أن مذكرة التفاهم الحالية ليست سوى خطوة أولى على طريق طويل ومعقد.
اختبار مشابه
تختتم المجلة بالقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا قبل أشهر في موقع أفضل للتوصل إلى تسوية طويلة الأمد مع إيران، لكن التصعيد العسكري أدى في النهاية إلى نتائج مختلفة عما كان متوقعًا، إذ تقف اليوم طهران أمام اختبار مشابه، قد يدفعها الشعور بالانتصار إلى المبالغة في استغلال تفوقها الجديد.
وتؤكد أن معظم دول العالم ترغب في إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون رسوم أو ضرائب، وأن حرية الملاحة تصب أيضًا في مصلحة إيران، كما ترى أن قدرة طهران على إغلاق المضيق تمثل أقوى ضمانة أمنية امتلكتها، وأن أفضل وسيلة للحفاظ على هذه الورقة الامتناع عن استخدامها.