ساد شعورٌ مؤقت بالارتياح داخل تايوان خلال أول يوم من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، بعدما تجنّب الحديث علنًا عن القضية التايوانية طوال مراسم زيارته الرسمية إلى بكين، وهو ما هدّأ مؤقتًا المخاوف من احتمال خضوعه لضغوط صينية تتعلق بمبيعات الأسلحة الأمريكية للجزيرة أو تغيير الموقف الأمريكي التقليدي تجاه استقلالها. غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا.
ففي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، سُجّلت قبيل مغادرته بكين، ثم في تصريحات أدلى بها لاحقًا للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، أطلق ترامب سلسلةً من التصريحات التي أثارت قلقًا واسعًا في تايوان، بعدما بدا وكأنه يتعامل مع ملف الجزيرة من منظور تفاوضي وتجاري أكثر من كونه التزامًا استراتيجيًا ثابتًا.
وألمح ترامب إلى أن الالتزام الأمريكي المستمر منذ 44 عامًا بعدم التفاوض مع الصين بشأن مبيعات السلاح إلى تايوان "قد أصبح قديمًا"، مشيرًا إلى أنه ناقش "بشكل مفصل للغاية" مع الرئيس الصيني شي جين بينج حزمة أسلحة أمريكية لتايوان بقيمة 13 مليار دولار، واصفًا هذه الصفقة بأنها "ورقة تفاوض ممتازة".
كما أثارت تصريحاته مزيدًا من القلق بعدما اتهم الرئيس التايواني لاي تشينج تي بالسعي نحو الاستقلال وجر الولايات المتحدة إلى حرب مع الصين.
وفي مفاجأة أخرى، قال ترامب إنه قد يتحدث مع "الشخص الذي يدير تايوان" بشأن صفقة الأسلحة، في إشارة فُسّرت من قبل مراقبين على أنها احتمال لإجراء تواصل مباشر مع القيادة التايوانية، وهو أمر لم يحدث رسميًا بين رئيس أمريكي ونظيره التايواني منذ عام 1979.
ورغم أن الرئيسة التايوانية السابقة تساي إنج ون كانت قد أجرت اتصالًا هاتفيًا مع ترامب عام 2016 بعد فوزه بالانتخابات، فإن أي تواصل مباشر على مستوى الرؤساء لا يزال يُعد شديد الحساسية في العلاقات الصينية الأمريكية.
وزاد ترامب المشهد تعقيدًا بتكرار اتهاماته السابقة لتايوان بأنها "سرقت" صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، مطالبًا بنقل كامل صناعة الرقائق الإلكترونية إلى الأراضي الأمريكية.
ورغم أن ترامب سبق أن أطلق تصريحات مشابهة، فإن حدتها بدت لافتة هذه المرة، خاصة بعد تعهد تايوان باستثمار 250 مليار دولار داخل الولايات المتحدة ضمن اتفاق تجاري جرى توقيعه في فبراير الماضي.
ورغم تأكيد ترامب أن السياسة الأمريكية تجاه تايوان "لم تتغير"، فإن تصريحاته أوحت، بحسب مراقبين، بأن شي جين بينج نجح جزئيًا في التأثير على طريقة تفكير الرئيس الأمريكي تجاه القضية التايوانية.
كان "شي" حذّر "ترامب" خلال أولى جلسات القمة في بكين من أن "سوء التعامل مع قضية تايوان قد يؤدي إلى صراع بين الصين والولايات المتحدة"، قبل أن يقضي معظم الأمسية اللاحقة في الحديث عن الجزيرة، وفق ما كشفه ترامب نفسه لاحقًا بقوله: "لقد استمعت إليه".
كما أظهرت تصريحات ترامب أنه ينظر إلى العلاقة مع تايوان بطريقة "تبادلية" أكثر من الرؤساء الأمريكيين السابقين، مع تراجع نسبي في مستوى الالتزام التقليدي بالدفاع عن الجزيرة.
ويتمثل القلق الفوري بالنسبة لتايبيه في مصير حزمة الأسلحة الجديدة البالغة قيمتها نحو 13 مليار دولار، التي سبق أن وافق عليها الكونجرس الأمريكي، لكن ترامب أرجأ تنفيذها قبل القمة.
كان ترامب وافق بالفعل على حزمة أسلحة قياسية بقيمة 11 مليار دولار لتايوان في ديسمبر الماضي، فيما جرت العادة أن تؤجل الإدارات الأمريكية أحيانًا صفقات السلاح قبيل الاجتماعات مع القادة الصينيين لتجنب التوترات.
لكن المسؤولين التايوانيين يخشون أن يؤدي التأجيل الحالي إلى تجميد طويل الأمد للصفقة، خصوصًا بعدما قال ترامب صراحة: "قد أفعلها وقد لا أفعلها.. الأمر يعتمد على الصين".
وأضاف: "بصراحة، إنها ورقة تفاوض جيدة جدًا بالنسبة لنا".
وتتناقض هذه التصريحات مع السياسة الأمريكية التقليدية، إذ أكدت واشنطن لعقود أن مبيعات الأسلحة لتايوان ليست جزءًا من التفاوض مع الصين، خاصة أن القانون الأمريكي يلزم الولايات المتحدة منذ عام 1979 بمساعدة الجزيرة على الدفاع عن نفسها.
كما سبق للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان أن تعهّد عام 1982 بعدم التفاوض مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة لتايوان.
لكن عندما سئل ترامب عن هذا الالتزام، أجاب قائلًا: "أعتقد أن الثمانينيات أصبحت بعيدة جدًا".
وجاءت هذه التصريحات في وقت نجحت فيه حكومة تايوان، بعد أشهر من الخلافات الداخلية، في تمرير ميزانية دفاعية إضافية بقيمة 25 مليار دولار لتمويل صفقات السلاح الأمريكية.
ومن المتوقع أن تستغل المعارضة التايوانية، وعلى رأسها حزب الكومينتانج، تصريحات ترامب للتأكيد على أن الجزيرة لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي، وأن عليها تعزيز علاقاتها مع البر الرئيسي الصيني.