تتجه الأنظار إلى بكين مع استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعقد قمة مرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينج، في زيارة تعد الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ نحو عقد، وسط ملفات معقدة تتعلق بالتجارة وإيران وتايوان والتنافس الإستراتيجي بين القوتين الأكبر عالميًا.
زيارة مرتقبة
وذكرت صحيفة ذا جارديان البريطانية أن ترامب يدخل المحادثات مع الصين في ظل ظروف سياسية ودبلوماسية معقدة، بينما يأمل في تحقيق مكاسب اقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي، في وقت تخضع فيه صورة القمة ومخرجاتها لتدقيق واسع داخل الولايات المتحدة وحلفائها.
من المتوقع أن يصل دونالد ترامب إلى بكين الأربعاء لعقد قمة مع شي جين بينج تستمر يومين، في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ زيارة ترامب نفسها خلال ولايته الأولى عام 2017.
لكن السنوات التي تلت تلك الزيارة شهدت اندلاع حرب تجارية وجائحة عالمية وتصاعد المخاوف الأمريكية من النشاط العسكري الصيني، إضافة إلى اندلاع مواجهة تجارية جديدة بين البلدين.
تغير الأجواء
تأجلت زيارة ترامب بسبب الهجوم الأمريكي على إيران، كما جرى تقليصها إلى يومين فقط، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وقالت سوزان مالوني، نائبة الرئيس الأمريكي ومديرة السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، "إن فكرة ذهاب رئيس أمريكي إلى قمة مع منافسنا الأبرز في وقتٍ شهد فيه للتو أسوأ هزيمة استراتيجية في الذاكرة الحديثة، ستكون لحظةً فارقة".
وأضافت أن هذا التطور يغير طريقة النظر إلى موقع الولايات المتحدة الحالي وطبيعة علاقتها مع الصين، في ظل التحولات التي تشهدها البيئة الدولية خلال المرحلة الراهنة.
أجواء القمة
من المتوقع أن تحظى الصورة العامة للقمة باهتمام كبير، خاصة مع حديث ترامب المتكرر عن صداقته الشخصية وثقته بالرئيس الصيني، مقارنة بلهجته الحادة تجاه حلفاء واشنطن التقليديين.
ويرجح أن يظهر شي جين بينج قدرا من الود تجاه الرئيس الأمريكي، مع التركيز في الوقت نفسه على نقاط ضعف ترامب وإبراز عناصر القوة الصينية خلال اللقاء.
ورغم الأجواء الدبلوماسية المتوقعة، تبقى الخلافات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط والتجارة والعلاقات العسكرية وقضية تايوان حاضرة بقوة في خلفية القمة.
انعدام الثقة
قال تشاو مينجهاو، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة فودان، إن هناك انعدام ثقة متبادلا واضحا بين الولايات المتحدة والصين رغم الاستعداد لعقد القمة.
وأضاف أن الخلافات العميقة ما زالت قائمة بين الجانبين بشأن الملفات الاقتصادية والتجارية والعلاقات العسكرية والقضايا المتعلقة بـتايوان.
وتتصدر ملفات التجارة وطهران وتايوان جدول أعمال العلاقة الثنائية التي تعد الأهم عالميا، في ظل سيطرة البلدين معا على أكثر من 40 بالمئة من النشاط الاقتصادي العالمي.
هدنة تجارية
بدأت ملامح الطريق إلى القمة خلال اجتماع بوسان في أكتوبر الماضي، عندما اتفقت واشنطن وبكين على هدنة مؤقتة في الحرب التجارية التي أشعلها دونالد ترامب العام الماضي.
ووصلت الرسوم الجمركية الأمريكية على الصين خلال تلك المواجهة إلى 145 بالمئة، وهو ما كان سيؤدي إلى أضرار كبيرة للاقتصاد الصيني الذي كان يعاني من تداعيات الجائحة والتحديات الديموغرافية.
وردت الصين على الرسوم الأمريكية بتقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة، ما أدى إلى توقف بعض المصانع الأمريكية عن العمل بعد فترة قصيرة من بدء القيود.
نفوذ طهران
غيرت الحرب في إيران طبيعة القمة، بعدما تسبب الصراع في إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس نفط العالم، وهو ما شكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الصيني.
ودعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الصين إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية، بينما قال الممثل التجاري جيمسون جرير إن ترامب سيناقش استمرار مشتريات الصين للطاقة الإيرانية.
وتعد الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنب ركود عالمي قد يقلل الطلب على صادراتها التي تمثل ركنًا أساسيًا في الاقتصاد الصيني.
قال دالي يانج، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إن العلاقة بين الصين وإيران حساسة، مضيفًا أن الحديث عن قدرة بكين على إجبار طهران أو استمالتها بشكل كامل يعد مبالغة.
وأشار إلى أن الصين تدرك أن الشرق الأوسط منطقة معقدة يصعب تحقيق اختراقات سياسية سهلة فيها، رغم امتلاكها بعض النفوذ الاقتصادي على إيران.
كما قال وانج وين، الأستاذ بجامعة رينمين، إن الصين لا تستطيع السيطرة على إيران أو فرض مسار أزمة هرمز بصورة منفردة، معتبرًا أن بكين ترى الحرب الحالية أزمة صنعتها الولايات المتحدة.
ملف تايوان
يولي شي جين بينج أهمية خاصة لقضية تايوان، التي وصفها وزير الخارجية الصيني وانج يي بأنها أكبر خطر يهدد العلاقات الصينية الأمريكية.
وتعتبر الصين الجزيرة جزءًا من أراضيها وتعهدت باستعادتها بالقوة إذا لزم الأمر، بينما تواصل الولايات المتحدة تزويد تايوان بالأسلحة ووسائل الدفاع.
لكن ترامب أظهر موقفًا أكثر ليونة تجاه تايوان مقارنة برؤساء أمريكيين سابقين، إذ تعامل معها باعتبارها منافسًا اقتصاديًا خصوصا في قطاع أشباه الموصلات.
وأشارت تقارير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية أوقفت حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار قبل قمة بكين، وقد تسعى الصين إلى دفع واشنطن لتعديل خطابها الرسمي بشأن تايوان من "لا يدعم الاستقلال" إلى "يعارض الاستقلال".
وقالت ميرا راب هوبر، المستشارة السابقة في البيت الأبيض، إن الحلفاء الأمريكيين سيراقبون أي مؤشرات على اعتراف ترامب بمصالح الصين في تايوان أو أي تغييرات تتعلق بمبيعات الأسلحة للجزيرة.
سباق الذكاء
قد تشمل المحادثات أيضًا ملفات مكافحة تهريب الفنتانيل والمواد الأفيونية الاصطناعية إلى الولايات المتحدة، إلى جانب قضايا حقوق الإنسان.
لكن ملف الذكاء الاصطناعي يبقى من أكثر القضايا حساسية، في ظل سباق متسارع بين واشنطن وبكين لتحقيق التفوق في هذا المجال.
ويرى مراقبون أن شي جين بينج قد يعتبر القمة فرصة لإظهار قدرة القوتين على التعاون في وضع معايير عالمية للذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف متزايدة من تغليب السرعة على معايير السلامة.