بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراء تفاهمات عدة مع الصين خلال وجوده في بكين، ووصفه صفقة بيع أسلحة محتملة بمليارات الدولارات إلى تايوان بأنها "ورقة تفاوض" مع الصين، أثار ذلك شكوكًا جديدة حول وتيرة وحجم الدعم العسكري الأمريكي للجزيرة.
وتنتظر حكومة تايوان منذ أشهر موافقة ترامب على حزمة بقيمة 14 مليار دولار من الصواريخ ومعدات مكافحة المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي التي تهدف إلى تحصين الجزيرة ضد التهديدات العسكرية لبكين، بينما مارس ترامب بنفسه ضغوطًا على تايوان لزيادة إنفاقها على دفاعاتها "والآن يستخدم الأسلحة نفسها التي دفعت إدارته الجزيرة لشرائها كوسيلة ضغط على الصين"، كما تشير صحيفة "نيويورك تايمز".
كان ترامب صرّح للصحفيين على متن طائرة الرئاسة بعد مغادرته الصين أمس الجمعة، بأنه ناقش صفقة الأسلحة مع الرئيس الصيني شي جين بينج خلال قمتهما الأسبوع الماضي في بكين.
وعندما سُئل في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، سُجلت في بكين، عما إذا كان سيوافق على صفقة تايوان، قال: "لا، أنا أؤجل ذلك، والأمر يعتمد على الصين".
وأضاف: "بصراحة، إنها ورقة تفاوض جيدة جدًا بالنسبة لنا. إنها مجموعة كبيرة من الأسلحة".
ورغم أنه لم يتطرق إلى تفاصيل ما يريده في المقابل، لكن ترامب ضغط على الصين للقيام بعمليات شراء كبيرة للطائرات الأمريكية والإيثانول وفول الصويا ولحم البقر والذرة الرفيعة، حسب التقرير.
الضغط على الصين
تشير "نيويورك تايمز" إلى أن تصريحات ترامب "تقوّض التطمينات التي قدّمها بعض أعضاء إدارته لتايوان بأن الدعم الأمريكي للجزيرة ثابت وغير قابل للتفاوض".
ولفت التقرير إلى أنه "قبل القمة، حثّت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين على عدم السماح باستخدام دعم تايوان كورقة مساومة مع الصين".
لكن رغم تصريحه بأن موافقته على صفقة الأسلحة "تعتمد على الصين"، وأن ترامب يُلمّح إلى أن القرار الآن بيد الصين، فقد سعت حكومة تايوان سريعا إلى تهدئة أي توترات، مؤكدةً أنها تلقت تأكيدات متكررة من مسؤولين أمريكيين بأن السياسة الأمريكية لم تتغير.
وفي بيانٍ له حول تصريحات ترامب الأخيرة، أعرب مكتب رئيس تايوان، لاي تشينج تي، عن امتنان بلاده لدعم ترامب المتواصل لأمن مضيق تايوان منذ ولايته الأولى.
وأضاف البيان أن الدول المجاورة للصين "تتعاون مع الولايات المتحدة لتعزيز دفاعاتها بشكلٍ فعّال، وتايوان ليست استثناءً من ذلك".
كان الرئيس الصيني شي جين بينج أكد لنظيره الأمريكي، في اليوم الأول من محادثاتهما في بكين، أن "قضية تايوان هي القضية الأكثر حساسية في العلاقات الصينية الأمريكية".
وبينما حذّر "شي" من أنه إذا أُسيء التعامل مع هذه القضية، فقد يضع ذلك "العلاقات الأمريكية الصينية برمتها في وضع بالغ الخطورة"، بدا ترامب حريصًا على إظهار أنه استمع باهتمام إلى آراء شي، قائلًا في المقابلة إنه بعد محادثة طويلة مع الزعيم الصيني "أعتقد أنني أعرف عن تايوان الآن أكثر مما أعرف عن أي دولة أخرى تقريبًا".
لكن لاحقًا، أثار ترامب احتمال قيامه بالاتصال برئيس تايوان، عندما قال "يجب أن أتحدث إلى الشخص الذي يدير تايوان الآن"، وهي خطوة من المؤكد أنها ستثير غضب بكين. حيث سيكون أول رئيس أمريكي في منصبه يتحدث مع زعيم تايواني منذ عام 1979 على الأقل، حين قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان في إطار اعترافها بجمهورية الصين الشعبية.
في الوقت نفسه، قد تأتي مناورة ترامب بنتائج عكسية، إما عن طريق إغضاب بكين إذا وافق على مبيعات الأسلحة، أو عن طريق احتمال دفع المشرعين الأمريكيين إلى تكثيف الضغط عليه لزيادة الدعم لتايوان.
ضربة لتايوان
من المرجّح أن تُعتبر تصريحات ترامب بمثابة انتكاسة لرئيس تايوان، الذي ضغط بشدة من أجل زيادة الإنفاق العسكري وشراء الأسلحة الأمريكية.فعندما صوت المشرعون التايوانيون على تخصيص 25 مليار دولار كتمويل خاص لدفع ثمن حزمتي الأسلحة من الولايات المتحدة، امتنع المشرعون من حزب لاي نفسه عن التصويت لأنه أغفل الإنفاق على المسيّرات المصنعة محليًا وغيرها من الأسلحة.
كما سارع بعض السياسيين من حزب المعارضة الرئيسي في تايوان، الحزب الوطني، الذي يؤيد علاقات أقوى مع الصين، إلى القول إن تصريحات ترامب "أظهرت أن لاي كان ساذجاً".
وسعت تايوان، في عهد لاي، إلى بناء جيش أكثر مرونة وقدرة على الحركة، مزودًا بالصواريخ وتكنولوجيا الدفاع الجوي، لمواجهة التوسع العسكري الصيني، وذلك بشكل رئيسي عن طريق شراء الأسلحة الأمريكية. وقد وافق ترامب بالفعل على حزمة مساعدات بقيمة 11 مليار دولار العام الماضي، وهي خطوة ردت عليها بكين بإجراء مناورات عسكرية بالقرب من الجزيرة.
أيضًا، في مقابلته مع "فوكس نيوز"، أعاد ترامب إحياء اتهامه القديم بأن تايوان اكتسبت خبرتها الرائدة عالميًا في إنتاج أشباه الموصلات "بطرق ملتوية"، وبالتالي فهي مدينة للولايات المتحدة. قال: "لقد سرقوا صناعة الرقائق الإلكترونية لدينا. سيكون من الحكمة أن تهدأ تايوان قليلًا. وسيكون من الحكمة أيضًا أن تهدأ الصين قليلًا".
كما أكد على ضعفها أمام هجوم من الصين، في ظل وجود الولايات المتحدة على بعد آلاف الأميال.
لكن لعلّ ما يُثير قلق حكومة تايوان أكثر هو أن رواية ترامب لمحادثاته مع شي تشير إلى أنه تبنى حجة الصين بأن تايوان تتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية التوترات.
وقال: "أود أن يبقى الوضع على ما هو عليه"، في إشارة على ما يبدو إلى ما يسمى بالوضع الراهن في تايوان، حيث تكون الجزيرة منفصلة عمليًا ولكنها لا تسعى إلى الاستقلال الرسمي.