في خضم التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تتبنى الصين مقاربة حذرة ومتعددة الأهداف، تسعى من خلالها إلى تحقيق مكاسب استراتيجية بغض النظر عن نتائج الصراع.
وبحسب معطيات دبلوماسية وتحليلات سياسية نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، تعمل بكين على مسارين متوازيين من خلال الضغط على طهران لمواصلة التفاوض مع واشنطن، مع الإبقاء في الوقت ذاته على قنوات دعم اقتصادي غير معلنة قد تعزز القدرات الإيرانية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالمجال العسكري.
دبلوماسية مزدوجة
وتعكس السياسة الصينية ما يصفه مراقبون بـ"التحوط الاستراتيجي"، إذ تحاول بكين الاستفادة من انشغال الولايات المتحدة بصراع جديد في الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للتحرك في آسيا.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن الحرب تستنزف الموارد العسكرية الأمريكية، خاصة الذخائر، ما قد يؤثر على جاهزية واشنطن في أي مواجهة محتملة مع الصين. كما أن تركيز الإدارة الأمريكية على إيران يخفف الضغط عن الملفات الآسيوية التي تمثل أولوية للصين.
لكن في المقابل، ترى بكين مصلحة واضحة في احتواء الصراع، نظرًا لتأثيراته المباشرة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا أسعار الطاقة، فضلًا عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز جزئيًا، الذي يشكّل شريانًا حيويًا لإمدادات النفط.
ومن المنتظر أن يتصدر ملف الحرب الإيرانية جدول أعمال القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في بكين منتصف مايو، وهي القمة التي تم تأجيلها سابقًا بسبب التصعيد العسكري.
ويسعى ترامب، وفق مسؤولين، إلى دخول القمة من موقع قوة، دون أن يثقل كاهله صراع مفتوح يستنزف الموارد الأمريكية ويؤثر على الأسواق العالمية.
دعم غير مباشر
في المقابل، تثير التحركات الصينية قلق واشنطن، إذ تشير تقارير استخباراتية إلى احتمال قيام شركات صينية بمحاولات لتزويد إيران بمعدات عسكرية، أو مواد مزدوجة الاستخدام يمكن توظيفها مدنيًا وعسكريا.
وقد ألمح ترامب إلى هذه المخاوف، مؤكدًا أنه تواصل مع نظيره الصيني بشأنها، في وقت تحاول فيه إدارته الحفاظ على مسار القمة وعدم التصعيد مع بكين.
من جهتها، تنفي الصين هذه الاتهامات، مؤكدة أنها تتعامل "بمسؤولية" مع صادراتها العسكرية، وتخضع المواد الحساسة لرقابة صارمة.
ورغم تحفظها العلني، لعبت الصين دورا دبلوماسيا نشطا خلف الكواليس، إذ كثف وزير خارجيتها وانج يي اتصالاته مع أطراف الصراع، بما في ذلك إيران وإسرائيل وروسيا ودول الخليج.
كما أسهمت بكين، وفق مسؤولين دوليين، في الدفع نحو اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في أبريل الماضي، وهو ما يعكس تنامي دورها كوسيط في المنطقة.
تعزيز الوجود الصيني
وفي الداخل الإيراني، تتصاعد أصوات داخل الحرس الثوري الإيراني تدعو إلى تعميق الشراكة مع الصين وروسيا، معتبرة أن طهران أخطأت سابقًا بمحاولة الحفاظ على استقلالية مفرطة بدل الانخراط في تحالفات استراتيجية.
وتشير هذه التوجهات إلى احتمال تحول في العقيدة السياسية الإيرانية، نحو نموذج أقرب إلى العلاقات الصينية الباكستانية، بما قد يشمل تعاونًا عسكريًا أوسع.
وعلى الصعيد الإقليمي، تدفع دول مثل السعودية والإمارات باتجاه توسيع الدور الدبلوماسي الصيني، في ظل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
ويستند هذا التوجه إلى تجربة سابقة ناجحة، عندما لعبت الصين دورًا محوريًا في التقارب بين الرياض وطهران عام 2023، ما يعزز الثقة في قدرتها على إدارة التوازنات المعقدة.