تضع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الاقتصاد الصيني أمام اختبارات متزايدة، وحسب صحيفة "ذا تليجراف"، فإن الصين، رغم مظاهر التقدم التكنولوجي المتسارع، تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، وهو ما ينعكس على تدفقات الطاقة والتوازنات الاقتصادية العالمية.
تقدم تقني
تشهد الصين تسارعًا في عرض ابتكارات تقنية تشمل روبوتات متقدمة، وطائرات بدون طيار، ومسلسلات منتجة بالذكاء الاصطناعي، وسيارات كهربائية فائقة السرعة، ما يعكس صورة قوة تكنولوجية صاعدة تسعى لترسيخ مكانتها العالمية.
تأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه دونالد ترامب لزيارة بكين، حيث يواجه نظام الحزب الشيوعي الذي يبدو في حالة صعود، مع سيطرة الصين على معادن حيوية وامتلاكها قروضًا ضخمة مستحقة على الولايات المتحدة.
ورغم انتقاداته لقادة غربيين، يصف ترامب نظيره شي جين بينج بأنه رئيس محترم، في إشارة إلى تعقيد العلاقة بين الطرفين رغم التوترات القائمة.
ضغط الطاقة
بدأت الضغوط على الصين مع تقليص وارداتها النفطية، بعد خفض الإمدادات من فنزويلا، ثم الحرب الإيرانية وتأثير إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تراجع إضافي في تدفقات الخام بنسبة كبيرة.
ورغم استعداد بكين عبر تخزين الوقود ووضع قيود سعرية واستخدام بدائل محلية، فإن استمرار إغلاق المضيق قد يؤدي إلى ضغوط متزايدة على الاقتصاد، خاصة في حال استمرار الصراع لفترة طويلة.
تعتمد الصين على استيراد نحو 70% من احتياجاتها النفطية، يأتي نصفها تقريبًا من الخليج، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطرابات في الإمدادات.
صدمة داخلية
تعكس شهادات منشورة على منصات صينية تأثير الأزمة، حيث أشار مستخدمون إلى ارتفاع تكاليف المواد الخام بشكل حاد، ما أدى إلى توقف الطلبات العالمية وتراجع النشاط الصناعي.
أفادت إحدى المستخدمين بأن أسعار المواد تتغير عدة مرات يوميًا، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار ويؤثر على قرارات الشراء لدى العملاء الدوليين، كما أدى ارتفاع أسعار تذاكر السفر إلى الحد من القدرة على التنقل، ما يعكس اتساع تأثير الأزمة ليشمل جوانب الحياة اليومية.
وتمكنت الصين من تخفيف تأثير الأزمة عبر بناء احتياطيات نفطية كبيرة بلغت نحو 1.4 مليار برميل، ما يمنحها قدرة على تعويض النقص لفترة طويلة نسبيًا.
تشير التقديرات إلى أن الإفراج عن مليوني برميل يوميًا من هذه الاحتياطيات يمكن أن يعوض تأثير إغلاق مضيق هرمز، مع استمرار الإمدادات حتى نهاية العام المقبل على الأقل.
كما عززت الصين إنتاجها المحلي من الغاز، ليغطي نحو ثلثي الطلب، ما قلل من تأثير انخفاض الواردات إلى نسبة محدودة من إجمالي الإمدادات.
توترات تجارية
أدى قرار الصين وقف تصدير الوقود إلى إثارة غضب شركائها التجاريين، مثل فيتنام والفلبين وسنغافورة وأستراليا، نتيجة تفاقم نقص الإمدادات لديهم.
لاحقًا، سمحت السلطات بشحن كميات محدودة إلى الأسواق، في محاولة لإعادة التوازن، وسط إدراك بأن الاحتياطيات الكبيرة تتطلب إدارة أكثر مرونة.
تظل المنتجات النفطية الوسيطة، مثل النافتا، نقطة ضعف رئيسية، نظرًا لدورها الحيوي في الصناعات الكيميائية والإنتاج الصناعي.
وتعتمد الصين بشكل كبير على صادراتها، التي استفادت من انخفاض تكاليف الطاقة بفضل مصادر بديلة مثل الفحم والطاقة المتجددة.
وتشير تقارير إلى تراجع الطلب في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وهي أسواق رئيسية للصادرات الصينية، ما يزيد من المخاطر على النمو.
ضعف الاستهلاك
يواجه الاستهلاك المحلي تحديات واضحة، حيث يفضل المواطنون الإنفاق على السلع الأساسية، مع تراجع الثقة الاقتصادية وارتفاع معدلات الادخار. كما تأثر سوق العقارات بشكل كبير منذ عام 2021، ما انعكس على ثروة الأسر وثقتها.
وفي الوقت نفسه، يستمر تباطؤ نمو الدخل الحقيقي، ويشهد سوق العمل ضغوطًا، مع ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، ما يزيد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
وتتراجع معدلات المواليد في الصين بشكل ملحوظ، مع تسجيل مستويات تاريخية منخفضة، ما ينذر بتقلص عدد السكان خلال السنوات المقبلة.
تشير التقديرات إلى فقدان نحو 60 مليون نسمة خلال عقد، ما يزيد الضغط على الاقتصاد ويقلص قاعدة المستهلكين والعمال. ورغم تقديم حوافز مالية للأسر، فإن التراجع الديموغرافي مستمر، ما يضيف تحديًا طويل الأمد أمام النمو.
إغلاقات وانكماش اقتصادي
تعوّل بكين على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة لتعويض التحديات الاقتصادية، من خلال رفع الإنتاجية وتعزيز الاكتفاء الذاتي، إذ تعمل الحكومة على دعم هذا التوجه، مع تشجيع الشركات على تبني التكنولوجيا، رغم وجود مخاوف من تأثيرها على الوظائف.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار الضغوط على الصادرات قد يؤدي إلى إغلاق مصانع وتفاقم الانكماش الاقتصادي، مع تأثيرات واسعة على الأسر. إذ تعتمد قدرة الصين على تجاوز هذه المرحلة على تعزيز الطلب المحلي، وهو تحدٍ معقد يتطلب تغييرات هيكلية عميقة.