تستتضيف العاصمة الباكستانية إسلام آباد، اليوم السبت، أعلى مستوى من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979، وذلك بعد ستة أسابيع من اندلاع الحرب بين الجانبين، في خطوة تترقبها أنظار العالم أجمع.
مَن يقود المفاوضات؟
وذكرت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية، أن الوفد المشارك في المفاوضات في إسلام آباد يتألف من 71 شخصًا، من بينهم مفاوضون وخبراء وممثلون عن وسائل الإعلام وعناصر أمنية. ويترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وبالنظر إلى تعقيد وحساسية المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، فإن الوفد الإيراني لا يضم المفاوضين الرئيسيين فحسب، بل يضم أيضًا لجان فنية وخبراء لإجراء المشاورات اللازمة، بحسب "تسنيم".
وبحسب شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية، يترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب.
وأشاد مصدر باكستاني رفيع لـ"سي إن إن" بدور "فانس" في دفع الطرفين نحو المسار الدبلوماسي، مؤكدًا أن نائب الرئيس الأمريكي كان عنصرًا حاسمًا في إطلاق هذه الجولة من المحادثات، التي يُتوقَّع أن تستمر عدة أيام بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كما أعربت إسلام آباد عن رغبتها في بقاء فانس لفترة أطول لتعزيز فرص النجاح.
في المقابل، كشفت مصادر للشبكة الأمريكية عن حالة من عدم الثقة لدى طهران تجاه ويتكوف، الذي شارك في جولات تفاوض سابقة توقفت عقب الضربات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، رغم مشاركته ضمن الوفد الحالي.
خلافات جوهرية
وعلى خلاف التجارب السابقة، ولا سيما خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، حين قاد وزير الخارجية جون كيري مفاوضات طويلة مع نظيره الإيراني جواد ظريف آنذاك، استمرت لأكثر من عام، تبدو هذه الجولة الحالية مختلفة جذريًا، إذ تشير المعطيات إلى غياب التحضيرات الدبلوماسية الكافية، وعدم وضوح جدول الأعمال بشكل كامل، وفق "سي إن إن".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن هدنة لمدة أسبوعين لتهيئة الأجواء، إلا أن هذه الهدنة بدت هشة، في ظل استمرار التوترات، وفشل شرط واشنطن بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل "كامل وآمن وفوري".
وبحسب "سي إن إن"، تتمسك إيران بضرورة توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، حيث تدعم "حزب الله"، وهو ما اعتبره الجانب الأمريكي سوء فهم، ويعكس هذا التباين عمق الخلافات التي لا تزال قائمة، في وقت لا توجد فيه مؤشرات واضحة على تقارب فعلي بين الطرفين.
نتائج غير مضمونة
يرى خبراء تحدثوا إلى الشبكة الأمريكية أن سقف التوقعات لهذه المحادثات لا يزال منخفضًا، نظرًا لتعقيد الملفات المطروحة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمثل ورقة ضغط إستراتيجية بيد طهران.
فمن منظور واشنطن، تعرضت القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية لضربات كبيرة، أثرت على برامج الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، فضلًا عن البرنامج النووي.
أما من وجهة نظر طهران، فإن هذه الخسائر قابلة للاحتواء، خاصة مع احتفاظها بورقة مضيق هرمز، التي تمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
وتحمل هذه المحادثات وجهين متناقضين؛ فمن ناحية قد تضفي شرعية على واقع إستراتيجي جديد يمنح إيران نفوذًا أكبر، خاصة إذا ما عقد اللقاء بشكل علني بين "فانس" والقيادة الإيرانية.
ومن ناحية أخرى، قد تمثل هذه الخطوة كسرًا لأحد المحظورات التاريخية في السياسة الإيرانية، والمتمثل في رفض التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، التي لطالما وصفتها طهران بـ"الشيطان الأكبر".
ويرى بعض المحللين أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تصدعات داخلية في بنية النظام الإيراني.
"نموذج ريجان"
وتشير تقديرات إلى أن أفضل نهج يمكن أن تتبعه واشنطن هو نموذج رونالد ريجان في تعامله مع الاتحاد السوفيتي، عبر الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والتمسك الصارم بالشروط، وهو ما قد يضع طهران أمام خيارين إما التنازل أو مواجهة مزيد من الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
في المقابل، تراهن إيران على ورقة مضيق هرمز، لكنها قد تواجه مخاطر المبالغة في استخدامها، خاصة في ظل تمركز القوات الأمريكية بالقرب من المنطقة واستعدادها للتدخل في حال فشل المسار الدبلوماسي.