الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

محددات الموقف الإيراني من مفاوضات وقف الحرب

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

بين تصعيد مدار بغرض إنهاء الحرب وضرر اقتصادي مدمر يطال دول العالم بأكملها، تتلاقى إستراتيجيتا الجانبين الأمريكي والإيراني للتأثير على المجتمع الدولي بما يتجاوز الحديث عن سرديات مشروعية الحرب، إلى تقليص هامش الضرر المحقق بدول العالم عبر اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز من جهة، وضرب البنى التحتية المدنية على جانبي المضيق، وعلى رأسها منشآت إنتاج الطاقة وتوليد الكهرباء ومنشآت تحلية المياه من جهة أخرى.

وفي السياق ذاته؛ أبدت إيران على مستويات قيادية عدة التمسك بموقف تفاوضي أكثر تشددًا في مواجهة مطالب أمريكية تدفع لاستسلام طهران أو وقف الحرب دون التزام بإنهائها بصورة مستدامة وتقييد نفوذ إسرائيل في المنطقة. وأعلنت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية، في 3 أبريل 2026، نقلًا عن مصدر لم تسمه، أن طهران رفضت مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة. وأعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، في 6 أبريل، أن طهران سلمت إسلام آباد ردها على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي محددات الموقف الإيراني من المفاوضات مع الولايات المتحدة وتداعيات ذلك على مسار الحرب.

إدارة الضغوط:

رغم استمرارها في التصعيد، وعدوانها على دول الخليج العربي والأردن، تبدو إيران معنية بإدارة التصعيد عبر رفع تكلفة الحرب وتقليص الحضور العسكري الأمريكي من أجل استعادة الردع. وفي سبيل تحقيق ذلك تتبع طهران تكتيكات متعددة لتعزيز موقفها التفاوضي، كالتالي:

(*) الاستنزاف العسكري: تعتمد الإستراتيجية العسكرية الإيرانية على الاستنزاف ونهج العمليات غير المتماثلة لفرض حالة من التهديد الدائم منخفض الشدة على الأعداء والخصوم وموازنة التهديدات برد فعل انتقامي واسع النطاق، ما يتجاوز إفشال مساعي الاحتواء العسكري الأمريكي لقدرات إيران الهجومية إلى تغيير الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج خصوصًا ومراجعة الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط عمومًا وبقاء ذراعها الطولى ممثلًا في "محور المقاومة" بقيادة "حزب الله" على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل و"جماعة أنصار الله" على السواحل اليمنية المشرفة على مضيق باب المندب.

(*) السيطرة الانتقائية على المضايق البحرية: حوّلت إيران وكلاءها الإقليميين إلى أدوات ضغط متباينة التأثير على المجتمع الدولي سعيًا لممارسة سيطرة فعلية على الممرات الإستراتيجية وتفعيلها كوسيلة ضغط انتقائية تجاه الأعداء والخصوم والخصوم المحتملين، تحسبًا لتحولها إلى محفزات للانخراط في الحرب على إيران أو تأييد الحملة بصورة غير مباشرة، ما يرتهن بسلوك إيران والحوثيين تجاه حركة التجارة البحرية أو استهداف البحارة المدنيين من جهة، أو من خلال الأضرار الهيكلية بمنظومة الطاقة الخليجية في سياق التصعيد وليس في إطار رد الفعل على استهدافات مماثلة في الداخل الإيراني.

(*) هيكل العملية التفاوضية: تلتزم طهران في مختلف عمليات التفاوض بمجموعة من الخطوط العريضة، التي تهدف لتعزيز موقفها التفاوضي وتقليص هامش التزاماتها تجاه الطرف المقابل أو الطرف الراعي لجهود الوساطة. وفي إطار العلاقة مع الولايات المتحدة اعتمدت طهران على المفاوضات غير المباشرة المقتصرة على تبادل نقل الرسائل والمقترحات في وجود طرف ميسر يقتصر دوره على التوفيق بين مطالب الطرفين، ما يقلص أفضلية الولايات المتحدة، التي تتمتع بروابط ومصالح إستراتيجية مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، ما يحد من فرص إلزام واشنطن بشروط الاتفاق وضمان عدم تجدد الصراع من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل. كما تربط إيران مخرجات العملية التفاوضية باتفاق مستدام لإنهاء الأعمال العدائية وعدم الالتزام بوقف إطلاق نار مؤقت رغم التداعيات الكارثية لقصف منشآت البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية.

ويكمن خلف ذلك التوجه انعدام للثقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية جراء تجدد الصراع خلال 8 أشهر، علاوة على الدعم السياسي واللوجيستي (السيبراني) والاستخباراتي لأنشطة الجماعات المعارضة للنظام، خلال الاحتجاجات الأخيرة.

محددات وأهداف حيوية

تسعى طهران لامتلاك زمام المبادرة في أرض المعركة من أجل تحويل مكتسباتها التكتيكية إلى أصول إستراتيجية تستند عليها في إطار عملية التفاوض أولًا، وإعادة ترميم إستراتيجية الردع ثانيًا، ما يمكن تفصيله في المحددات التالية:

(&) بقاء النظام: يُمثل الاعتراف بقوة النظام وتجذره في مؤسسات الدولة الإيرانية خط الدفاع الأول الضامن لإعادة الدمج الكامل طهران كفاعل طبيعي في المجتمع الدولي، من خلال تحويل العملية التفاوضية إلى استحقاق سياسي قانوني ينهي العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على البلاد منذ قيام "الجمهورية الإسلامية"، وبالتالي إضفاء شرعية دولية والنفاذ الكامل إلى الأسواق الدولية دون قيود على الصادرات والواردات، مع تسريع جهود التعافي وإعادة إعمار البنية التحتية الحيوية، من خلال تقديم تعويضات على الأضرار جراء الحرب.

(&) استعادة الدور: ترغب إيران في ترسيخ الاعتراف بموقعها كقوة إقليمية تمتلك مصالح في المنطقة، وأن تلعب دورًا مركزيًا في المنظومة الخليجية عقب خروج الولايات المتحدة، وبالتالي تأمل طهران في توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع الولايات المتحدة، واستغلال ورقة فرض الرسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز ضمن إستراتيجية تفاوضية تستهدف لـ"أقلمة الترتيبات الأمنية" وشرعنة السيطرة الإيرانية على المضيق من خلال تطبيق بروتوكول للعبور الآمن للسفن عبر المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان باعتبارها الطرف المشاطئ للجانب الغربي من المضيق.

وتكمن خطورة ذلك الطرح في استعادة طهران لدور "شرطي الخليج" في ظل انعدام ثقة دول مجلس التعاون في أعقاب الاعتداءات الإيرانية على أراضيها ومنشآتها الحيوية، بالتوازي مع صعوبة القبول الأمريكي بذلك الطرح لما يعنيه من انسحاب أمريكي من المنطقة ولو جزئيًا، الذي يُعد بمثابة هزيمة إستراتيجية لواشنطن.

(&) إعادة بناء التوازن الإقليمي: خلافًا لعروض وساطة سابقة لأنقرة وإسلام آباد وبعض العواصم العربية، رفضت طهران الاستجابة لبعضها، كما رفضت دول عربية خليجية القيام بهذا الدور في سياق العدوان على أراضيها، تبدو طهران أكثر انفتاحًا وترحيبًا بجهود الوساطة الإقليمية الثلاثية، خاصة في ظل الانفتاح الإيراني على جهود مصر لخفض التصعيد في الملف النووي مع توقيع اتفاق القاهرة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، سبتمبر 2025 من جهة، وتعزيزًا للتعاون مع دول الجوار في باكستان وتركيا، اللتين تتقاسمان المخاوف من انهيار النظام وتدهور البيئة الأمنية على الحدود وضرب الاستقرار الداخلي، ما يمنحهما دورًا في الضغط على الرئيس الأمريكي في سياق العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن من جهة وكل من أنقرة وإسلام آباد من جهة أخرى.

وتلتقي مساعي مصر وتركيا وباكستان إلى جانب المملكة العربية السعودية من الطرف الخليجي، في تثبيت ترتيبات دائمة لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ما يمكن أن تعده إيران خطوة إيجابية في بناء التحالفات الإقليمية بعيدًا عن إسرائيل، ما يقلص هامش مناورة الأخيرة ويدفعها لإعادة تقييم دورها في سياق تضرر سمعتها الدولية من جهة والمخاوف الإقليمية والدولية من طموحاته التوسعية وإضرارها بالأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي من جهة أخرى.

وإجمالًا؛ لا تبدو إيران أو أي من القوى التصحيحية (روسيا والصين) على قناعة بدور القوة الانتحارية، التي تضحي ببقائها ومقدراتها مقابل إيذاء القوة الإمبراطورية الأمريكية أو دفعها للانهيار التدريجي، وبدلًا من ذلك تسعى لإيجاد مخرج يضمن بقائها وينهي حالة التهديد الدائم من القوة الأولى بالعالم في ظل عدم يقين هيكلي في عدالة النظام الدولي وغياب الثقة بالعديد من الشركاء الدوليين أو الإقليميين، نتيجة تداخل المصالح وصراع النفوذ الجيوسياسي مع العديد منها. وتؤثر دينامية العملية التفاوضية والتقارب بين مصر وتركيا وباكستان والسعودية على تقييم طهران لجهود الوساطة وفق مبادئ تبادل المنافع وإعادة ترتيب توازنات الإقليم اعتمادًا على عوامل القوة الجيوسياسية وليس على قاعدة بناء الثقة أو الارتكان إلى ضمانات دولية منقوصة.