الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

هل تتأثر العلاقات الصينية الإيرانية بتوجه بكين نحو الخليج؟

  • مشاركة :
post-title
العلاقات الصينية الإيرانية بعد قمة الرياض

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

لا يزال التقارب الأخير بين دول الخليج العربي وجمهورية الصين الشعبية يثير ردود فعل إقليمية ودولية على تعزيز انخراط الأخيرة في شؤون منطقة الخليج، حيث أعلن ناصر كنعاني، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، في 10 ديسمبر 2022، استدعاء سفير الصين لدى طهران، للتعبير عن استياء بلاده مما ورد في بيان القمة الخليجية الصينية في الرياض، والذي أشاد بمساعي دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة جزرها المحتلة من إيران (أبو موسى، طنب الكبرى، وطنب الصغرى) بالوسائل السلمية، فضلًا عن إدراج المفاوضات النووية في بيان القمة، واعتبر وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان الجزر الثلاث "جزءًا لا يتجزأ" من أراضي بلاده، ولفت في تغريدة على تويتر، إلى أن إيران لن تجامل أي طرف فيما يتعلق بـ"احترام وحدة أراضيها".

وفيما تستمر المساعي الدبلوماسية الهادئة لأبوظبي في التأكيد على تبعية الجزر لدولة الإمارات في جميع المحافل الإقليمية والدولية والأممية، تتخوف طهران من تراجع مزاعمها لدى أحد أقرب شركائها على الساحة الدولية، ومن ثم؛ يسعى هذا التحليل لاستشراف مدى تأثير التقارب الخليجي الصيني على العلاقات بين طهران وبكين، انطلاقًا من فهم مصالح الأخيرة بين الجانبين.

تحركات الصين في الخليج:

انخرطت الصين في منطقة الخليج على مراحل متعددة بدوافع اقتصادية وسياسية، بدايتها في أعقاب حرب الخليج الأولى والتي مثلت اختبارًا مبكرًا لسياسة الصين المتوازنة في المنطقة، وفق المراحل التالية:

تحركات الصين في الخليج

(*) المرحلة الأولى: لعبت الصين دورًا في تسليح إيران والعراق بينما حافظت على حيادها المعلن، فيما تمثل هدفها الاستراتيجي في تلك الفترة بمنازعة الاتحاد السوفييتي السابق على زعامة العالم الثالث، بحسب مجلة "ذي دبلومات" الأمريكية.

(*) المرحلة الثانية: مع توسع الاقتصاد الصيني تركزت أولويات بكين على تأمين احتياجاتها المتزايدة من النفط وبناء علاقات وطيدة بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي في تسعينيات القرن الماضي، حتى باتت الرياض في 2012 أكبر مصدّر للنفط إلى بكين، وقد اتسمت تلك المرحلة بالحذر الشديد من الانخراط في شؤون المنطقة، واختصرت موارد الطاقة من النفط والغاز جانبًا كبيرًا من علاقات الصين الشعبية مع دول الخليج العربية وإيران.

(*) المرحلة الثالثة: بدأت فعليًا منذ 2015، وكانت نتاج تطورات مهمة شهدتها المنطقة منذ تنامي دور القيادات الشابة في رسم السياسات الخليجية وتوجهها لتوقيع اتفاقات شراكة استراتيجية مع الصين (السعودية والإمارات)، وصولًا لتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة والمعروفة إعلاميًا بـ"الاتفاق النووي الإيراني"، والتي فتحت الباب أمام توسيع الشراكة الاقتصادية بين بكين وطهران وبدء مفاوضات اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الذي وقعه البلدان في ديسمبر 2020 وأعلن وزيرا خارجيتهما تفعيله في يناير الماضي.

وعلى الرغم من استمرار التركيز على عامل أمن الطاقة، كمحرك رئيسي لسياسة الصين تجاه منطقة الخليج، إلا أن متغيرات عدة بنهاية 2019، دفعت بكين لتطوير تعاونها مع دول المنطقة لتتخذ بُعدًا أمنيًا مع انطلاق مناورات السيف الأزرق بين البحرية الملكية السعودية ونظيرتها الصينية بنطاق البحر الأحمر في نوفمبر 2019، قبيل انطلاق النسخة الأولى من المناورات البحرية الصينية الروسية الإيرانية المشتركة في 27 ديسمبر 2019، والتي جرت في شمال المحيط الهندي وبحر عُمان.

والمتغير الأبرز يتمثل في تعاظم مستويات التكامل الخليجي منذ قمة العُلا يناير 2021، والتي انعكست في وضع خطوط عريضة لسياسة خارجية خليجية موحدة لتعظيم مصالح دول المجلس على الساحتين الإقليمية والدولية، والاستفادة من موارده النفطية وقوته الاقتصادية الصاعدة في تعميق الشراكات مع الاقتصاديات الكبرى للدخول في مفاوضات لإقامة مناطق تجارة حرة.

الشراكة الصينية الإيرانية

وفي المقابل، وقّعت الصين مع إيران في ديسمبر 2020 اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموصوف بـ"الغامض" لمدة 25 عامًا، قبيل تسليم السلطة لإدارة جو بايدن في الولايات المتحدة، في ضوء التوقعات حينها بقرب العودة للاتفاق النووي ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، إلا أن سياسة واشنطن حيال القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط بمفهومه الأوسع أمريكيًا لم تثبت فاعلية في بعضها، فضلًا عن فشلها في أهم تلك القضايا وعلى رأسها المفاوضات النووية التي تراوح بين الفشل والجمود والانسحاب من أفغانستان، في ظل توجه القيادة الجديدة لإعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة لصالح التركيز على مواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ "إندوباسيفيك"، وغيرها من الإجراءات السياسية والتقنية لتقييد قدرات جيش التحرير الشعبي.

لماذا تتخوف إيران؟

حفّزت تلك التحولات من تقارب الأهداف بين الجانبين الخليجي والصيني، والتي طرحت تفاهمات مهمة بين الجانبين قد تزعج الشركاء الآخرين، وبصفة خاصة إيران والولايات المتحدة:

قوة التعاون السعودي الصيني

(*) الشراكة الشاملة في مجال الطاقة: والتي عززت مكانة الخليج كموّرد رئيسي وموثوق للطاقة الأحفورية (البترول والغاز الطبيعي المسال) إلى أسواق بكين وتدعم ربط تلك السلع الاستراتيجية بالعملة الصينية، فضلًا عن التعاون والاستثمار في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة بما يشمل الطاقة النووية السلمية. وبتلك الخطوة تسعى الدول الخليجية لتعزيز صناعتها النفطية بضخ المزيد من الاستثمارات الصينية في ضوء خططها البيئية التي تعتمد على خفض الانبعاثات في الطبيعة دون "إقصاء" موقع الطاقة الأحفورية كشريان حيوي للاقتصاد العالمي، مقابل إمدادات كبيرة ودائمة من الطاقة وتأمين حضور أكبر للصين في شئون المنطقة.

(*) الأولوية السعودية: نص البيان السعودي الصيني المشترك على أولوية العلاقات الثنائية في مجمل العلاقات الدولية للبلدين (في المجالات السياسية والتجارية والأمنية والتكنولوجية والدفاعية)، والتركيز بصفة خاصة على أولوية المملكة في سياسة الصين تجاه منطقة الشرق الأوسط، ما يعني أن مصالح السعودية وأمنها القومي هي الاعتبار الأول في سياسة الصين في المنطقة، ما يحد من هامش المناورة الإيرانية في تهديداتها لأمن السعودية ودول الخليج العربي.

وختامًا؛ يُبرز تتبع مراحل انخراط الصين في منطقة الخليج، سياسة الأولى المعتمدة على نهج براجماتي (مصلحي) دفع لترجيح كفة المملكة العربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي على الجانب الإيراني رغم استمرار التعاون مع الأخير، حيث تمثل الصين الشريك التجاري الأول لإيران ودعمت طهران في امتلاك التقنيات، كما ساعدتها في الانضمام إلى منظمة شنجهاي للتعاون، لكن سقف ذلك التعاون مرتبط بسقف المصالح الكبرى للصين وفي إطار سياسة التوازن التي ستعزز موقعها كقوى عظمى صاعدة في نظام عالمي قيد التشكل عبر توسيع قاعدة الشراكة مع مختلف القوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. ولعل أبرز ما يثير المخاوف الإيرانية حجم التطور في علاقات الجانبين، الصيني والخليجي، ومدى مرونة بكين في خدمة أولوياتها الوطنية وتعزيز موقعها على الساحة الدولية والتي ربما ستأتي على حساب احتواء إيران.