سجل الديمقراطيون اختراقًا انتخابيًا غير مسبوق في عدد من المعاقل الجمهورية التقليدية، بعدما نجحوا في انتزاع مقاعد بمجلس الشيوخ في تكساس وساوث كارولاينا وكارولاينا الشمالية، واقتربوا من حسم مقعد رابع في كانساس، في تحول عكس حجم التراجع الذي واجهه الحزب الجمهوري خلال انتخابات التجديد النصفي، ووضع أغلبية مجلس الشيوخ على أعتاب الانتقال إلى الديمقراطيين للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
وأظهرت النتائج الأولية، حتى وقت متأخر من ليلة الثلاثاء، تقدم الديمقراطيين بثلاثة مقاعد إضافية، مع اقتراب المرشح آدم هاميلتون من حسم المنافسة في كانساس أمام السيناتور الجمهوري روجر مارشال، فيما ظلت سباقات أخرى في ميشيجان ومين وأوهايو وألاسكا دون حسم، وكان الديمقراطيون بحاجة إلى انتزاع أربعة مقاعد إضافية لاستعادة الأغلبية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية.
سقوط المعاقل
وشهدت ساوث كارولاينا واحدة من أبرز مفاجآت الانتخابات، بعدما هزمت الديمقراطية آني أندروز السيناتور الجمهورية دارلين جراهام، شقيقة السيناتور الراحل ليندسي جراهام، رغم أن الولاية كانت تُعد من المعاقل الجمهورية الآمنة نسبيًا، وجاءت النتيجة بعد تعثر حملة جراهام في المناظرات وتراجع شعبيتها على خلفية الاستياء من الأوضاع الاقتصادية وأداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي تكساس، اقترب الديمقراطي جيمس تالاريكو من الفوز على الجمهوري كين باكستون، في تحول تاريخي للولاية التي لم تنتخب سيناتورًا ديمقراطيًا منذ عام 1988، بعدما واجه باكستون صعوبة في استقطاب الشباب والناخبين من أصول لاتينية والنساء والمستقلين، إلى جانب تداعيات المشكلات الاقتصادية التي حمّل ناخبون الجمهوريين مسؤوليتها.
وامتدت المكاسب إلى كارولاينا الشمالية، حيث حقق الحاكم السابق الديمقراطي روي كوبر فوزًا كبيرًا على الجمهوري مايكل واتلي، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، لينتزع مقعدًا كان يشغله الجمهوريون، بينما واجه الحزب خسارة أخرى محتملة في كانساس، حيث تقدم القس الديمقراطي آدم هاميلتون بفارق كبير على السيناتور الحالي روجر مارشال، في ولاية لم تنتخب سيناتورًا ديمقراطيًا منذ نحو قرن.
خسائر متتالية
وبدأت مؤشرات تراجع الجمهوريين في الظهور مبكرًا، بعدما احتفظ السيناتور الديمقراطي جون أوسوف بمقعده في جورجيا، متغلبًا بسهولة على منافسه الجمهوري مايك كولينز، رغم أن أوسوف كان يُصنف سابقًا ضمن أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين عرضة للخسارة.
وفي نيوهامبشير، تعرض الجمهوري جون سونونو لهزيمة أمام النائب الديمقراطي كريس باباس في سباق مجلس الشيوخ، بينما أظهرت النتائج الأولية في فلوريدا استمرار تقدم السيناتور الجمهورية آشلي مودي على الديمقراطية أنجي نيكسون بفارق ثلاث نقاط فقط في الانتخابات الخاصة لاستكمال المدة التي تركها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وهي نتيجة عكست تقلص الفارق بين الحزبين حتى في ولاية يميل ناخبوها تقليديًا إلى الجمهوريين.
وفي المقابل، ظلت المنافسة في أوهايو بين السيناتور الجمهوري جون هاستد والديمقراطي شيرود براون متقاربة للغاية، كما لم تُحسم نتائج ميشيغان، حيث يأمل الجمهوريون في انتزاع مقعد يشغله الديمقراطيون، وسط منافسة بين الجمهوري مايك روجرز والديمقراطي عبد السيد.
سباقات مؤجلة
وأرجأت طبيعة نظام التصويت في ولايتي مين وألاسكا إمكانية إعلان نتائج نهائية سريعة، إذ يخضع التصويت في مين لنظام الاختيار التفضيلي، ما يعني إعادة توزيع أصوات المرشحين الأقل حصولًا على الأصوات إذا لم يحقق أي مرشح أككثر من 50%، وقد تستغرق العملية نحو أسبوعين.
وفي مين، تنافست السيناتور الجمهورية سوزان كولينز على ولاية سادسة أمام الديمقراطي تروي جاكسون، الذي خاض حملة ركزت على مواجهة أجندة ترامب وتوسيع برامج الرعاية الصحية والإجازات مدفوعة الأجر، بينما أكدت كولينز ثقتها في الفوز مستندة إلى سجلها السابق في تجاوز استطلاعات الرأي التي توقعت خسارتها.
أما في ألاسكا، فقد تعقدت المنافسة بين السيناتور الجمهوري دان سوليفان والديمقراطية ماري بيلتولا بسبب ظهور مرشح آخر يحمل الاسم نفسه، يُعرف باسم "دان الوهمي"، واتهم الجمهوريون الديمقراطيين باستقطابه بهدف تشتيت أصوات الناخبين، فيما فتحت السلطات الفيدرالية والمحلية تحقيقات بشأن ظروف ترشحه.
وأرجع الديمقراطيون تقدمهم إلى تركيز حملاتهم على القضايا الاقتصادية اليومية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسكن والتأمين الصحي، إلى جانب انتقاد ما وصفوه بالفساد داخل إدارة ترامب، وهو ما ساعدهم على استقطاب ناخبين سبق أن دعموا الجمهوريين في الانتخابات السابقة.
غضب الناخبين
وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن حزبه لم يكن يتوقع قبل عام واحد الاقتراب من استعادة السيطرة على المجلس، مشيدًا بتركيز المرشحين على الأعباء المعيشية ومحاسبة الإدارة الأمريكية، لكنه تجنب إعلان النصر النهائي قبل حسم السباقات المتبقية.
وفي مواجهة احتمال انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين، لوّح ترامب باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد التشريعات التي يطرحها خصومه، مؤكدًا أنه سيعترض على مشروعات القوانين مرارًا إذا خسر الجمهوريون الانتخابات، في تهديد ينذر بمواجهة تشريعية بين البيت الأبيض والكونجرس الجديد، ويضع فرص تمرير القوانين والاتفاق على الملفات الاقتصادية والإنفاق الحكومي أمام اختبار صعب، إذ سيكون الديمقراطيون بحاجة إلى دعم جمهوري واسع لتجاوز الفيتو الرئاسي.
وعكست مواقف الناخبين في تكساس هذا التحول، إذ قال سلمان عبيدي، وهو ناخب من منطقة دالاس صوّت لترامب في انتخابات 2024، إنه قرر دعم الديمقراطيين في انتخابات الولاية، رغم استمرار تأييده للرئيس، موضحًا أن بعض سياسات الإدارة لا تُدار بالشكل الصحيح وتسهم في زيادة الانقسام داخل البلاد.
وبذلك، وضعت النتائج الجمهوريين أمام احتمال خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ بعد تراجع نفوذهم في ولايات اعتبروها مضمونة، بينما أصبح حسم الأغلبية مرتبطًا بنتائج السباقات المتبقية، التي قد تحدد ما إذا كان الديمقراطيون سينجحون في تحويل الموجة الانتخابية إلى سيطرة كاملة على المجلس خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
تلويح بالفيتو
لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد مشروعات القوانين التي سيطرحها الديمقراطيون بعد استعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، متعهدًا برفض التشريعات مرارًا إذا حاول الحزب تمرير أجندته دون موافقة الجمهوريين، في خطوة تنذر بمواجهة تشريعية بين البيت الأبيض والكونجرس خلال العامين الأخيرين من ولايته، إذ سيضطر الديمقراطيون إلى التفاوض مع الإدارة الأمريكية لتمرير قوانينهم، أو تأمين أغلبية الثلثين في المجلسين لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو ما يجعل فرص التوافق بين الطرفين محدودة في ظل تصاعد الانقسام السياسي.