تتجه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 إلى إعادة رسم موازين السلطة في واشنطن، بعد أربع سنوات من السيطرة الجمهورية، يبدو أن الديمقراطيين يستعيدون الأغلبية في مجلس النواب، بينما تتسع خسائر الجمهوريين في مجلس الشيوخ مع انتزاع الديمقراطيين مقعدين في كارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية.
وبينما كشفت الاستطلاعات عن تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب والقلق الاقتصادي، تقترب المنافسة من اختبار غير مسبوق لخريطة الولايات الجمهورية التقليدية، فيما لا تزال المنافسة على مجلس الشيوخ مفتوحة على احتمال انتقال السيطرة إليه، بعد تحقيق مكاسب انتخابية في ولايتين جمهوريتين تقليديًا.
ووفقًا لتحديث CBS News مساء الثلاثاء، تمكن الديمقراطيون من حصد عدد كافٍ من المقاعد لاستعادة مجلس النواب، بينما يستمر فرز الأصوات في عدد من الدوائر المتنافسة لتحديد حجم الأغلبية الجديدة. ويمثل ذلك نهاية أربع سنوات من السيطرة الجمهورية على المجلس، منذ استعاد الحزب الأغلبية في انتخابات 2022.
مجلس النواب.. نهاية السيطرة الجمهورية
تكتسب خسارة الجمهوريين مجلس النواب أهمية تتجاوز التغيير في قيادة المجلس، إذ ستمنح الديمقراطيين صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل عمل اللجان التشريعية والرقابية، وفتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة التنفيذية وسياساتها.
وظهرت أبرز المكاسب الديمقراطية في دوائر كانت خاضعة للجمهوريين، بينها الدائرة الحادية عشرة في كارولاينا الشمالية، حيث فاز جيمي إيجير على الجمهورية جينيفر كابس بالكوم، والدائرة السابعة في نيوجيرسي، التي انتزعتها ريبيكا بينيت من النائب الجمهوري توم كين.
كما شهدت الدائرة الثامنة في كولورادو فوز الديمقراطي ماني روتينيل على النائب الجمهوري جابي إيفانز، فيما تمكن الديمقراطي زاك ديمبو من الفوز بالدائرة السادسة في كنتاكي، التي كان يشغلها الجمهوري آندي بار قبل انتقاله إلى خوض انتخابات مجلس الشيوخ.
وتعكس هذه النتائج قدرة الديمقراطيين على توسيع المنافسة خارج الولايات المتأرجحة التقليدية، وتهديد مقاعد جمهورية كانت تبدو أكثر استقرارًا، في وقت حاول فيه الحزب الجمهوري استخدام إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في عدد من الولايات لتعزيز فرص الاحتفاظ بالأغلبية.
وبحسب CBS News، ستظل الصورة النهائية لحجم الأغلبية الديمقراطية مرتبطة باستكمال فرز الأصوات في عدد من الدوائر، لكن انتقال السيطرة على المجلس يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة بين الكونجرس والبيت الأبيض.
ومن المنتظر أن يتولى الديمقراطي حكيم جيفريز قيادة الأغلبية، مع احتمال أن يصبح أول رئيس أسود لمجلس النواب الأمريكي، بينما ستنتقل رئاسة اللجان الرئيسية إلى الحزب الديمقراطي، بما يمنحه سلطة أكبر في تحديد أولويات التحقيقات وجلسات الاستماع والرقابة على عمل الحكومة.
وكان جيفريز قد وضع خفض تكاليف المعيشة وتشديد الرقابة على الإدارة الأمريكية ضمن الأولويات التي يسعى الديمقراطيون إلى تنفيذها خلال المائة يوم الأولى من سيطرتهم المتوقعة على المجلس.
مجلس الشيوخ.. مقعدان جمهوريان في قبضة الديمقراطيين
على الجانب الآخر، لا تزال المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع مقعدين من الجمهوريين، في كارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، بينما احتفظوا بمقاعدهم في جورجيا ونيوهامبشير.
وكان الجمهوريون قد دخلوا الانتخابات بأغلبية 54 مقعدًا مقابل 43 للديمقراطيين، فيما يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ بأربعة مقاعد للسيطرة على المجلس، مع الحفاظ على المقاعد التي يسيطرون عليها حاليًا.
وجاء المكسب الأول من كارولاينا الشمالية، حيث فاز الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر على الجمهوري مايكل واتلي، الذي حظي بدعم مباشر من ترامب، لينتزع الديمقراطيون المقعد الذي كان يشغله السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قرر عدم الترشح مجددًا.
ويمثل الفوز أهمية خاصة للحزب الديمقراطي، إذ تعد كارولاينا الشمالية واحدة من الولايات التي شهدت منافسة متقاربة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، كما أن خسارة الجمهوريين فيها تعكس صعوبة الاحتفاظ بمقاعدهم في بيئة انتخابية تراجع فيها الدعم الشعبي لأداء الإدارة.
أما المفاجأة الأكبر فجاءت من كارولاينا الجنوبية، حيث فازت الديمقراطية آني أندروز، طبيبة الأطفال، على الجمهورية دارلين جراهام، في نتيجة تمثل اختراقًا للحزب الديمقراطي داخل واحدة من أكثر الولايات محافظة.
وتكتسب النتيجة دلالتها من أن كارولاينا الجنوبية لم تنتخب ديمقراطيًا لمجلس الشيوخ منذ عام 1998، فيما كان ترامب قد فاز بالولاية بفارق يقارب 18 نقطة مئوية في انتخابات 2024.
وفي المقابل، فاز السيناتور الديمقراطي جون أوسوف بإعادة انتخابه في جورجيا، بينما انتزع النائب الديمقراطي كريس باباس المقعد المفتوح في نيوهامبشير من الجمهوري جون سونونو، ليحتفظ الديمقراطيون بالمقعد الذي تشغله السيناتورة المتقاعدة جين شاهين.
وأعلنت CNN توقعها فوز باباس بالمقعد، وهو ما أكدته أيضًا وكالة أسوشيتد برس، التي أشارت إلى أن فوزه حرم الجمهوريين من انتزاع مقعد ديمقراطي كانوا يستهدفونه لتعزيز أغلبيتهم.
وبذلك أصبح الديمقراطيون بحاجة إلى انتزاع مقعدين إضافيين من الجمهوريين لتحقيق الأغلبية، شريطة الحفاظ على مقاعدهم في الولايات التي لا تزال تشهد منافسات متقاربة.
تحول الخريطة الانتخابية
كان عدد من الاستطلاعات في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع قد كشفت عن اتساع الخريطة الانتخابية التي ينافس فيها الديمقراطيون الجمهوريين، خصوصًا في ولايات فاز بها ترامب بفوارق كبيرة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وأظهر استطلاع أجراه فريق CNN وشمل أربع ولايات حاسمة في سباق مجلس الشيوخ، تقدُّم المرشحين الديمقراطيين في ميشيجان وتكساس، مع منافسة متقاربة في مين وكانساس.
ففي ميشيجان، تقدم الديمقراطي عبد الرحمن السيد على الجمهوري مايك روجرز بنسبة 49% مقابل 42% بين الناخبين المرجح مشاركتهم، بينما تقدم جيمس تالاريكو في تكساس على الجمهوري كين باكستون بنسبة 49% مقابل 43%.
وفي مين، حصل الديمقراطي تروي جاكسون على 49% مقابل 45% للجمهورية سوزان كولينز، فيما تقدم الديمقراطي آدم هاميلتون في كانساس بنسبة 49% مقابل 45% للسيناتور الجمهوري روجر مارشال.
وأشارت CNN إلى أن الفوارق في مين وكانساس تقع ضمن نطاق هامش الخطأ، الذي بلغ 4.5 نقطة مئوية في الولايتين، بينما بلغ 4.7 نقطة في ميشيجان و4.2 نقطة في تكساس.
ولفت الاستطلاع إلى أن هذه المنافسات تعكس تحولًا في خريطة السباقات، خصوصًا في تكساس، التي لم يفز فيها ديمقراطي بانتخابات على مستوى الولاية منذ ثلاثة عقود، وفي كانساس التي ظلت لسنوات طويلة ضمن القواعد الانتخابية للجمهوريين.
كما أظهر استطلاع CNN أن تالاريكو يستفيد من حصوله على دعم ملحوظ من الناخبين السود واللاتينيين والآسيويين، بمن فيهم بعض الناخبين الذين أيدوا ترامب في انتخابات 2024، بينما يواجه باكستون معدلات سلبية في تقييمه الشخصي حتى بين بعض الناخبين الجمهوريين.
لكن الشبكة حذرت من أن الناخبين غير الحاسمين، خصوصًا في تكساس وكانساس، قد يغيرون اتجاهاتهم في الأيام الأخيرة، وهو ما يجعل استطلاعات ما قبل الانتخابات مؤشرات على طبيعة المنافسة وليس بديلًا عن نتائج صناديق الاقتراع.
ومع بدء الفرز، تابعت CNN تقدم تالاريكو في بعض المقاطعات الرئيسية في تكساس، مع التركيز على ضواحي دالاس باعتبارها إحدى المناطق التي يمكن أن تؤثر في اتجاه النتيجة النهائية.
وفي لقطة النتائج التي نشرتها ABC News اعتمادًا على بيانات وكالة AP عند الساعة 10:38 مساء الثلاثاء (بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة)، تقدم تالاريكو بنسبة 58% مقابل 40% لباكستون مع احتساب 58% من الأصوات المتوقعة، بينما تقدم هاميلتون في كانساس بنسبة 53% مقابل 44% لمارشال، بعد احتساب نحو 79% من الأصوات.
وفي أوهايو، تقدم السيناتور الديمقراطي السابق شيرود براون على الجمهوري جون هيستد بنسبة 48% مقابل 47%، مع احتساب 82% من الأصوات المتوقعة، فيما أظهرت النتائج الجزئية تقدم الديمقراطي عبد الرحمن السيد في ميشيجان بنسبة 53% مقابل 45% لروجرز، بعد احتساب نحو ربع الأصوات.
وتظل هذه الأرقام نتائج جزئية قابلة للتغير، ولا تمثل إعلانًا بفوز أي من المرشحين.
الاقتصاد في قلب التصويت
خلال CNN Voter Poll، الذي حلَّ محل الصيغة التقليدية لاستطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، أظهرت النتائج الأولية للاستطلاع أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين الأمريكيين يشعرون بالغضب أو عدم الرضا عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، فيما قال نحو 4 من كل 10 إنهم يشعرون بالغضب.
كما أظهرت النتائج أن نحو 6 من كل 10 ناخبين لا يوافقون على أداء ترامب، وأن نحو نصف المعارضين لأدائه يعبرون عن رفض شديد، بينما أشار نحو خُمس من أيدوه في انتخابات 2024 إلى عدم رضاهم عن أدائه الحالي.
وفيما يتعلق بالاقتصاد، قال نحو ثلثي الناخبين إن سياسات ترامب فاقمت الأوضاع الاقتصادية، فيما اعتبر نحو 9 من كل 10 أن تكاليف المعيشة كانت عاملًا حاسمًا أو رئيسيًا في اختيارهم الانتخابي.
كما أظهرت النتائج أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين ينظرون إلى الأوضاع الاقتصادية باعتبارها سيئة، وأن الاقتصاد جاء في مقدمة القضايا التي تشغل الناخبين، متقدمًا على الديمقراطية، ثم الهجرة والرعاية الصحية والسياسة الخارجية.
ومن المؤشرات اللافتة أن أقل من خُمس الناخبين قالوا إنهم أدلوا بأصواتهم لمجلس النواب دعمًا لترامب، بينما قال الباقون إنهم صوتوا ضده أو إنه لم يكن عاملًا مؤثرًا في اختيارهم.
أيضًا، كشف الاستطلاع عن تراجع الثقة في قدرة الحزب الجمهوري على إدارة الاقتصاد، إذ تقدم الديمقراطيون بفارق محدود باعتبارهم الحزب الأكثر قدرة على التعامل مع الملف الاقتصادي، وهو تحول لافت مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة التي تمتع فيها الجمهوريون بميزة واضحة في هذه القضية.
وتقاطعت قراءة CNN مع الاتجاه الذي سجلته مؤسسات استطلاع الرأي الأخرى قبيل الانتخابات، إذ أظهر متوسط CNN Poll of Polls المنشور في 27 أكتوبر تقدم الديمقراطيين في التصويت العام لمرشحي مجلس النواب بنسبة 52% مقابل 43% للجمهوريين.
وضم المتوسط استطلاعات Reuters/Ipsos وNPR/PBS/Marist وCBS/YouGov وCNN وNew York Times/Siena، بما وفّر صورة أكثر اتساعًا من الاعتماد على استطلاع منفرد.
ماذا تعني النتائج لترامب؟
تضع خسارة مجلس النواب ترامب أمام واقع سياسي وتشريعي مختلف، بعدما تمتع حزبه خلال العامين الأولين من ولايته الثانية بأغلبية في المجلسين، وفّرت لإدارته مساحة واسعة للتحرك التشريعي.
وسيتمكن الديمقراطيون من استخدام الأغلبية الجديدة لزيادة الرقابة على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن ملفات حكومية وتجارية وسياسات الهجرة والإنفاق الفيدرالي، فضلًا عن توظيف صلاحيات المجلس في الضغط خلال مفاوضات الموازنة والتمويل الحكومي.
أما انتقال مجلس الشيوخ إليهم فسيضيف بعدًا آخر للمواجهة، إذ يمتلك المجلس الأعلى سلطة التصديق على الترشيحات الوزارية والدبلوماسية والقضائية، بما فيها تعيينات المحاكم الفيدرالية والمحكمة العليا.
وفي المقابل، فإن احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ سيمنح ترامب أداة مهمة لحماية ترشيحاته وإبقاء جزء كبير من نفوذه داخل السلطة التشريعية، حتى مع خسارة مجلس النواب.
ولا تعني السيطرة الديمقراطية على المجلسين، إذا تحققت، قدرة الحزب تلقائيًا على تمرير تشريعاته الكبرى، إذ سيظل ترامب محتفظًا بحق النقض الرئاسي، كما أن تجاوز التعطيل البرلماني في مجلس الشيوخ يتطلب عادة 60 صوتًا.
وتتجاوز تداعيات انتخابات 2026 حدود العلاقة بين الكونجرس والبيت الأبيض، لتؤثر في التوازنات الداخلية للحزبين، خصوصًا مع اقتراب الاستعدادات المبكرة للانتخابات الرئاسية لعام 2028.
وبينما أصبحت خسارة الجمهوريين مجلس النواب أمرًا متوقعًا وفق CBS News، فإن معركة مجلس الشيوخ لا تزال مفتوحة، مع حاجة الديمقراطيين إلى انتزاع مقعدين إضافيين، والحفاظ على المقاعد التي يسيطرون عليها.