دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بعد 21 شهرًا اتسمت بتصعيد سياسي وعسكري واقتصادي غير مسبوق، شملت فرض رسوم جمركية واسعة هزت الأسواق، ومواجهات مع حلفاء تقليديين، وعمليات ترحيل واسعة للمهاجرين، وتدخلات عسكرية خارجية، وصولًا إلى الحرب مع إيران، في فترة أعادت خلالها إدارته رسم حدود السلطة التنفيذية وأثارت انقسامًا حادًا بشأن مستقبل المؤسسات الأمريكية.
وانتهت الانتخابات بفوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في هزيمة انتخابية واسعة للجمهوريين ورفض واضح لسياسات ترامب خلال ولايته الثانية، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع مقاعد في معاقل جمهورية تقليدية، مستفيدين من غضب الناخبين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران وتراجع الثقة في إدارة الرئيس، لتدخل واشنطن مرحلة جديدة من الانقسام السياسي، مع اقتراب كونجرس معارض من ممارسة رقابة مشددة على البيت الأبيض، بحسب نتائج الانتخابات التي نقلتها وكالات الأنباء الأمريكية والدولية.
بداية صاخبة
وبدأ ترامب ولايته الثانية في يناير 2025 بسلسلة قرارات مثيرة للجدل، إذ أصدر عفوًا عن المدانين في أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، ووقع حزمة من الأوامر التنفيذية، بينها قرار استهدف إنهاء حق المواطنة بالولادة، المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، قبل أن يواجه القرار اعتراضات قانونية.
وأثار الرئيس الأمريكي خلال الأسابيع الأولى من ولايته تساؤلات بشأن توجهاته الخارجية، بعدما تحدث عن إمكانية ضم كندا لتصبح الولاية الأمريكية رقم 51، وطالب بالسيطرة على جرينلاند، كما طرح فكرة استحواذ الولايات المتحدة على قطاع غزة ونقل سكانه الفلسطينيين وتحويله إلى ما وصفه بـ"ريفييرا الشرق الأوسط".
واستعان ترامب بالملياردير إيلون ماسك لخفض حجم الحكومة الفيدرالية وتقليص الإنفاق، بما شمل تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID"، فيما رحّلت إدارته مئات الأشخاص إلى سجن شديد الحراسة في السلفادور، ما أشعل معركة قضائية بشأن حقوق المحتجزين والإجراءات القانونية الواجب اتباعها.
وفي الوقت نفسه، تصاعد التوتر مع أوكرانيا بعدما دخل ترامب ونائبه جي دي فانس في مواجهة علنية مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي داخل المكتب البيضاوي، في مشهد كشف حجم التدهور في العلاقات بين واشنطن وكييف، بينما واجهت إدارته انتقادات بسبب تعاملها مع جامعات أمريكية كبرى ومكاتب محاماة ووسائل إعلام، ضمن تحركات استهدفت مؤسسات اعتبرها ترامب جزءًا من النظام التقليدي الذي تعهد بتغييره.
صدمات اقتصادية
وأعلن ترامب في أبريل 2025 ما سماه "يوم التحرير"، كاشفًا عن رسوم جمركية واسعة على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، في خطوة استهدفت إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، لكنها تسببت في اضطرابات حادة بأسواق السندات الأمريكية، وأثارت تحذيرات من مستثمرين ومسؤولين ماليين، بينهم الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان" جيمي ديمون.
وشهدت الفترة نفسها تصعيدًا في سياسات الهجرة، بعدما انتشرت عناصر ملثمة من إدارة الهجرة والجمارك "ICE" في المدن الأمريكية لتنفيذ مداهمات وعمليات توقيف وترحيل بحق مهاجرين غير نظاميين، ما أثار مخاوف واسعة داخل المجتمعات اللاتينية، واندلعت احتجاجات في لوس أنجلوس ردًا على تلك العمليات.
ورد ترامب بنشر قوات من الحرس الوطني ومشاة البحرية الأمريكية في المدينة، مبررًا الخطوة بوجود ما وصفه بـ"تمرد" ضد السلطة الفيدرالية، قبل أن تتوسع قرارات نشر القوات لتشمل واشنطن وبورتلاند وشيكاغو وممفيس، وهو ما أثار اعتراضات بشأن استخدام المؤسسة العسكرية في التعامل مع الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية.
وفي يوليو 2025، احتفى ترامب بإقرار مشروعه التشريعي الأبرز، المعروف باسم "قانون واحد كبير وجميل"، الذي جعل التخفيضات الضريبية التي أقرها في 2017 دائمة، وخفض الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، وخصص مليارات الدولارات لتعزيز الإنفاق الدفاعي وتمويل إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، كما أطلقت إدارته لاحقًا سلسلة ضربات عسكرية على قوارب اتهمتها بتهريب المخدرات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.
وشهد البيت الأبيض بدوره تغييرًا ماديًا لافتًا، بعدما هُدم الجناح الشرقي لإفساح المجال أمام مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة، في خطوة عكست اهتمام ترامب بإعادة تشكيل مقر الرئاسة الأمريكية وفق رؤيته الخاصة، بالتزامن مع استمرار المواجهات السياسية والقضائية حول قراراته.
تصعيد عسكري
وافتتح عام 2026 بتطور دولي غير مسبوق، بعدما نفذت قوات أمريكية خاصة عملية ليلية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث ظهر خلال نقله بمروحية فوق مانهاتن وتمثال الحرية في مشاهد بثها التلفزيون، قبل وصوله إلى أحد السجون في بروكلين.
وفي الوقت نفسه، تصاعد الغضب الداخلي بسبب ممارسات إدارة الهجرة، خصوصًا في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، التي تحولت إلى مركز رئيسي للاحتجاجات، بعدما قتل عملاء اتحاديون مواطنين أمريكيين هما رينيه جود وأليكس بريتي، ما أثار موجة احتجاجات في أنحاء البلاد وأعاد ملف صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون إلى صدارة النقاش السياسي.
لكن الحرب مع إيران شكلت التصعيد الأبرز في الأشهر الأخيرة، بعدما دخلت الولايات المتحدة مواجهة عسكرية واسعة مع طهران، رغم تعهد ترامب خلال حملته بإنهاء الحروب الأمريكية طويلة الأمد، ولم تحقق العمليات، بعد نحو ثمانية أشهر، الأهداف المعلنة بشأن تغيير النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي، بل أسهمت في وصول حكومة أكثر تشددًا إلى السلطة، فيما استخدمت طهران سيطرتها على مضيق هرمز ورقة ضغط في مواجهة واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط.
وأدى الصراع إلى ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، وزيادة الأعباء على الأسر الأمريكية، ما أضعف موقف الجمهوريين انتخابيًا، خصوصًا بين أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" المعروفة باسم "ماجا"، الذين اعتبروا أن الرئيس ابتعد عن تعهده بتجنب الحروب الخارجية والتركيز على المشكلات الداخلية.
حسابات السلطة
ورصدت عالمة الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، آرلي راسل هوكشيلد، حالة من الإحباط لدى بعض المناطق التي دعمت ترامب بقوة في الانتخابات السابقة، مشيرة إلى أن ناخبين في مناطق ريفية بولاية كنتاكي، اعتادوا التصويت له بفوارق كبيرة، أصبحوا أكثر صمتًا وارتباكًا، بعد تزايد الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة في قدرته على تنفيذ وعوده.
وفي المقابل، اعتبر مؤيدو الرئيس أن سياساته حققت تعهدات انتخابية مهمة، أبرزها إغلاق الحدود مع المكسيك، وتوسيع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، والتراجع عن عدد من السياسات البيئية والاجتماعية التي تبنتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، بينما رأى معارضوه أن هذه الإجراءات صاحبتها تجاوزات للسلطة التنفيذية وتقويض لأدوار المؤسسات التشريعية والقضائية.
وقال إيروين تشيمرينسكي، عميد كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، إن الولايات المتحدة لم تشهد رئيسًا بهذا القدر من التجاهل للدستور والقوانين، معتبرًا أن تراكم القرارات والإجراءات جعل تأثيرها الكلي أكبر من كل خطوة منفردة، فيما وصف أستاذ التاريخ السياسي بجامعة برينستون جوليان زيليزر التوسع غير المسبوق في فهم صلاحيات الرئيس بأنه السمة الأبرز للمرحلة.
ورأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة جونز هوبكنز دانيال شلوزمان أن إرث ترامب قد يرتبط بصورة أكبر بتشديد سياسات الهجرة، واستخدام وزارة العدل لملاحقة خصومه السياسيين، وتهميش دور الكونجرس، الذي لم يشارك في قرار الدخول في الحرب مع إيران، مشيرًا إلى أن إنجازاته التشريعية الفعلية تبدو محدودة مقارنة برؤساء سابقين، وأن عددًا كبيرًا من أوامره التنفيذية قد يكون أقل استدامة مما بدا عند صدورها.
وبعد فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونجرس، يواجه ترامب عامين أخيرين أكثر صعوبة في البيت الأبيض، مع احتمال تعطيل أجندته التشريعية، وفتح تحقيقات رقابية في أداء إدارته ومعاملاتها، وتصاعد المواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لتصبح نتائج الانتخابات مؤشرًا على رفض قطاعات واسعة من الناخبين لمسار سياساته، وعلى اتساع التحديات التي تواجهه في استكمال ولايته الثانية.