تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى الولايات المتحدة في سبتمبر 2026 أهمية استثنائية، ليس فقط باعتبارها لقاءً هامًا ومباشرًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تصاعد التوتر بين البلدين العظميين، وإنما لأنها تأتي في ظل استمرار الصراع الأمريكي الإيراني، وما أفرزه من تداعيات إستراتيجية امتدت إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة والملاحة الدولية ومستقبل التوازنات الجيوسياسية العالمية.
ورغم أن القمة ستناقش رسميًا ملفات التجارة والتكنولوجيا والرسوم الجمركية، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية قد تكون إحدى أهم الملفات غير المعلنة على جدول الأعمال، لارتباطها المباشر بالمصالح الحيوية لكل من واشنطن وبكين، فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط، بينما ترى الصين أن استمرار الصراع يهدد أمن الطاقة العالمي ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
ومن ثم، فإن زيارة "شي" واشنطن قد تمثل نقطة تحول في إدارة الأزمة الإيرانية الراهنة، وربما في إعادة صياغة قواعد التنافس بين القوتين الأكبر عالميًا.
وفي هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات التي يأتي في مقدمتها: ما طبيعة الدور الصيني إزاء الصراع الأمريكي الإيراني؟ وهل يمكن أن تفتح قمة "ترامب – شي" في سبتمبر المقبل الباب أمام إنهاء هذا الصراع عبر إعادة تشكيل التوازنات الدولية؟ وما أهم السيناريوهات المحتملة لتأثير القمة على الصراع الأمريكي الإيراني؟
دور صيني فريد
يمكن وصف الدور الذي يمكن أن تلعبه بكين في الصراع الأمريكي الإيراني بأنه دور فريد تتميز به دون غيرها من دول العالم، ويمكن تفسير ذلك والوقوف أكثر على طبيعة هذا الدور في ضوء ما يلي:
(*) الصراع جزء من التنافس الأمريكي الصيني: لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران قضية إقليمية بحتة، بل تحولت إلى إحدى الملفات المؤثرة في طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية، فكلما طال أمد الحرب ازدادت كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة، وهو ما يفرض على إدارة ترامب البحث عن مخرج سياسي يحافظ على الردع الأمريكي دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
وفي المقابل، تدرك بكين أن انشغال واشنطن في الشرق الأوسط يمنحها مساحة أوسع لترتيب أولوياتها في آسيا والمحيط الهادئ، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في انهيار الاستقرار الإقليمي أو تعطيل تدفقات النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني بصورة كبيرة، ولذلك فإن الصين تنظر إلى الأزمة من منظور إدارة المخاطر، وليس من منظور الانحياز الكامل لأي طرف.
(*) نفوذ على طرفي الصراع: تتميز بكين بأنها الدولة الكبرى الوحيدة التي تحتفظ بعلاقات إستراتيجية مع إيران، وفي الوقت ذاته تمتلك قنوات اتصال مستقرة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وهذا الموقع يمنحها قدرة على التأثير في مسار الأزمة بصورة لا تتوفر لغيرها، لكن هذا النفوذ تحكمه اعتبارات براجماتية واضحة، فالصين لا ترغب في انهيار الدولة الإيرانية، كما لا تريد انتصارًا أمريكيًا مطلقًا يكرس الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، لكنها أيضًا لن تضحي بعلاقاتها الاقتصادية الضخمة مع الولايات المتحدة من أجل الدخول في مواجهة مباشرة دفاعًا عن طهران.
ويتبيَّن مما سبق، أن الدور الصيني المتوقَّع يتمثل في ممارسة ضغوط هادئة على إيران لتجنب التصعيد، مع تشجيع واشنطن على العودة إلى مسار التفاوض، بما يحفظ مصالح جميع الأطراف دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
مساحات التقارب
تشير التطورات الأخيرة المتعلقة بالصراع الأمريكي الإيراني إلى أن قضية أمن الملاحة في مضيق هرمز أصبحت تمثل نقطة الالتقاء الرئيسية بين مصالح الولايات المتحدة والصين في الوقت الراهن، فواشنطن تسعى إلى ضمان استمرار تدفق النفط وحماية الملاحة الدولية، بينما تعتمد الصين بصورة كبيرة على واردات الطاقة القادمة عبر الخليج، كما أن الوساطة العُمانية التي شهدت تقدمًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة قد توفر أرضية مناسبة لطرح ترتيبات مؤقتة لخفض التصعيد، وهو ما يمنح قمة سبتمبر بين الرئيسين الأمريكي ونظيره الصيني فرصة للانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث عن إطار سياسي أكثر استدامة.
وبالتالي، فإن نجاح أي تفاهم حول أمن الملاحة قد يصبح المدخل العملي لاستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، وهو ما يمنح القمة أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين.
وللوقوف أكثر على مساحات التقارب بين الولايات المتحدة والصين في القمة المقبلة، يتعين تحديد الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها كل طرف في هذه القمة، فواشنطن تدخل القمة المقبلة مع بكين وهي تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: دفع الصين إلى استخدام نفوذها للحد من التصعيد الإيراني، ومنعها من تقديم دعم تقني أو عسكري لإيران قد يطيل أمد الحرب، هذا بالإضافة إلى الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة بما يحد من الضغوط الاقتصادية الداخلية.
وعلى الجانب الآخر، ستسعى الصين إلى استثمار حاجـة أمريكا إلى التهدئة لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى، من بينها تخفيف القيود التجارية والتكنولوجية، وإدارة المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، إضافة إلى الحصول على تفاهمات تحد من الضغوط الأمريكية في محيطها الإقليمي.
ويتضح مما سبق، أن إيران قد تتحول إلى إحدى أوراق التفاوض ضمن صفقة إستراتيجية أوسع، وليس مجرد ملف مستقل على جدول أعمال القمة.
سيناريوهات محتملة
يمكن تحديد مدى انعكاس الزيارة المقبلة للرئيس الصيني إلى واشنطن على الحرب الراهنة بين الولايات وإيران من خلال السيناريوهات الثلاث التالية:
(-) السيناريو الأول (بداية مسار تفاوضي جديد بين الولايات المتحدة وإيران عبر بوابة بكين): وفقًا لهذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، يُتوقع التوصل إلى تفاهم أمريكي صيني حول ضرورة احتواء الحرب الأمريكية الإيرانية، مع استمرار جهود فعالة للوساطة وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة بين واشنطن وطهران، بما يؤدي إلى تثبيت التهدئة دون إنهاء جميع أسباب الصراع.
(-) السيناريو الثاني (استمرار الصراع الأمريكي الإيراني مع تفاهمات محدودة مع بكين): قد تستمر العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، لكن مع اتفاق غير معلن بين واشنطن وبكين على منع توسعها إقليميًا، بما يحافظ على أمن الملاحة ويمنع انهيار الاستقرار في الخليج.
(*) السيناريو الثالث (انهيار المسار الدبلوماسي): وهو السيناريو الأقل احتمالًا، ويفترض وقوع تصعيد عسكري واسع قبل موعد القمة الأمريكية الصينية القادمة، سواء عبر استهداف مباشر للمنشآت الإيرانية أو إغلاق مضيق هرمز، وفي هذه الحالة ستتحول القمة إلى اجتماع لإدارة أزمة دولية، وليس لإطلاق تسوية سياسية للصراع الأمريكي الإيراني.
وبصفة عامة، تشير أغلب المؤشرات حتى الآن إلى أن فرص نجاح المسار الدبلوماسي أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل أسابيع، نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية، هي: تنامي الضغوط على جميع الأطراف بسبب ارتفاع كلفة الحرب، واستمرار جهود الوساطة لتهيئة بيئة تفاوضية، وحرص كل من واشنطن وبكين على تجنب مواجهة تؤثر في الاقتصاد العالمي.
ورغم ذلك، فإن إنهاء الحرب بصورة كاملة لا يبدو هدفًا واقعيًا في المرحلة الحالية، بينما يظل الهدف الأكثر قابلية للتحقق هو إدارة الصراع ومنع توسعه، مع الانتقال تدريجيًا إلى مفاوضات سياسية طويلة الأمد.
وفي ضوء ما سبق، يصبح السيناريو الأكثر ترجيحًا هو: أن تتحول قمة سبتمبر بين الرئيسين الأمريكي والصيني إلى نقطة انطلاق لمسار سياسي جديد بين واشنطن وطهران، لا يحقق سلامًا نهائيًا فقط كما يأمل أو يتوقع الكثيرون، لكنه يضع أسس لإدارة أكثر استقرارًا للصراع بينهما، وهو الأمر الذي يكشف عن أن مستقبل الحرب الأمريكية الإيرانية بات مرتبطًا بدرجة كبيرة بمستقبل التنافس والتفاهم بين الولايات المتحدة والصين.
وفي النهاية، يمكن القول إن زيارة الرئيس الصيني لواشنطن في سبتمبر المقبل قد تشكل إحدى أهم المحطات الدبلوماسية خلال عام 2026، ليس لأنها يمكن أن تساهم إلى حد كبير في إنهاء الصراع الأمريكي الإيراني الذي طال استمراره فحسب، وإنما لأنها قد ترسم الإطار الذي سيُدار من خلاله هذا الصراع خلال المرحلة المقبلة، فالصين لا تسعى إلى إنقاذ إيران عسكريًا رغم العلاقات المتشابكة بينهما، كما أن الولايات المتحدة لا ترغب في حرب مفتوحة مع طهران تستنزف مواردها في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع بكين.
وبين هذين الاعتبارين، قد تنشأ مساحة مشتركة للتفاهم الأمريكي الصيني تتيح خفض التصعيد الراهن بين واشنطن وطهران، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وغيرها من المسائل التي يمكن أن تسويتها عبر قنوات التفاوض بين الولايات المتحدة والصين.