على الرغم من الشواغل التجارية والجيوسياسية في الفناء الخلفي لكلا البلدين، في أمريكا اللاتينية وتايوان، لعبت حرب إيران دورًا مؤثرًا في إرجاء القمة الصينية الأمريكية المرتقبة، مع تباين لهجة واشنطن إزاء حجم الدعم المقدم من بكين لطهران. وفي هذا السياق، تمثل زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في 5 مايو 2026، قبيل أيام من لقاء الرئيس الصيني شي جين بينج بنظيره الأمريكي دونالد ترامب في البر الرئيسي، مدخلًا مهمًا لمعرفة حجم التأثير الصيني في الأزمة الإيرانية.
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي انعكاسات حرب إيران على قمة "شي - ترامب" في بكين.
سياقات حاكمة
إلى جانب الهدنة التجارية التي توصل إليها الجانبان على هامش لقاء ترامب وشي في بوسان بكوريا الجنوبية في أكتوبر 2025، تبدو القمة الصينية الأمريكية مثقلة بالعديد من التحديات، رغم الإشارات الإيجابية التي أرسلتها الإدارة الأمريكية في فبراير 2026، بتعليق إرسال مبيعات دفاعية لتايوان بقيمة 13 مليار دولار، وهو ما يبرز بصفة خاصة في سياق حرب إيران، على النحو التالي:
(*) ظروف القمة: تكافح الصين إستراتيجية الاحتواء الأمريكية التي تستهدف الحد من نموها وتنامي نفوذها الاقتصادي والعسكري. ورغم التفاهم المبدئي على تمديد الهدنة التجارية، فإن بكين تبدو عازمة على تفكيك تلك الإستراتيجية من خلال تحدي سياسة العقوبات الأمريكية على الشركاء الحيويين للصين، وإبداء سياسات أكثر مرونة للحفاظ على أمن الطاقة، خاصة مع سيطرة الولايات المتحدة الفعلية على إنتاج النفط الفنزويلي، ومساعي فصل إيران عن شبكة توريد الطاقة الصينية، التي تمثل 90% من صادرات النفط الإيراني.
وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في 24 أبريل 2026، عقوبات على مصفاة هينجلي شرق الصين، و40 شركة شحن وسفنية على صلة بأسطول الظل الإيراني لتصدير النفط، وترتبط أغلب تلك الشركات بالصين أو بتصدير النفط الخام إليها.
وفي مقابل مخاوف بكين من تعريض أمنها الطاقي للخطر عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو ثلث وارداتها النفطية وربع وارداتها من الغاز الطبيعي، برزت دعوات الإدارة الأمريكية لبكين بالتدخل من أجل تحرير الملاحة عبر المضيق، مع اتهام الأخيرة بدعم البرنامج الصاروخي الإيراني عبر شحنات مواد كيميائية صينية المنشأ، مثل "بيركلورات الصوديوم".
كما يظهر تحوط الصين من أزمة ممتدة على صعيد تعطل أو اضطراب إمدادات الطاقة، منذ اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026، حيث يبلغ الحد الأدنى لاحتياطي النفط الاستراتيجي الصيني نحو 1.4 مليار برميل، وفق مركز سياسات الطاقة العالمية التابع لجامعة كولومبيا، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى بلوغه 2 مليار برميل.
وخلال فترة الصراع، الذي هدد نحو 57% من واردات الصين من نفط الشرق الأوسط (إيران والعراق ودول الخليج)، انخفضت واردات بكين من النفط الإيراني في مارس بصورة طفيفة، من متوسط 1.57 إلى 1.47 مليون برميل يوميًا، فضلًا عن استمرار استيراد النفط السعودي عبر ينبع بالبحر الأحمر.
وفي موازاة ذلك، عززت الصين اعتمادها على توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، ليبلغ إسهامها نحو 31% من إجمالي إنتاج الكهرباء عام 2024، فيما حققت صادرات الطاقة المتجددة الصينية طفرة خلال حرب إيران في مارس 2026، بقيمة 26 مليار دولار، بارتفاع سنوي بلغ 52%، حسب مجلة "ذا ديبلومات".
(*) الخطوط الحمراء للصراع: حددت الصين، منذ اللحظات الأولى لإعلان اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، موقفها الرافض لاستهداف القيادة الإيرانية، وبالتبعية استهداف بنية الدولة ومقومات بقائها، وهو ما أفضى إلى اتفاق ضمني بين الطرفين على إدارة التصعيد تحت سقف الصراع على إدارة الممرات البحرية الإستراتيجية في المنطقة والتحكم في سوق الطاقة العالمي.
ويفسر ذلك خطوات الصين في عرقلة إصدار أي قرار أممي بشأن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وتجنب إدانة سيطرة إيران على المضيق، وإفساح المجال لمسار إسلام آباد لحلحلة الملفات العالقة، كما يفسر التعليق الأمريكي المفاجئ لـ"مشروع الحرية"، الذي هدف إلى استدعاء المجتمع الدولي إلى الصراع مع إيران، بالتزامن مع زيارة عباس عراقجي إلى بكين.
وبدا الموقف الصيني أكثر وضوحًا في المبادرة المشتركة مع باكستان، في 31 مارس الماضي، التي تضمنت الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية فورًا، وبدء محادثات السلام، وحماية المدنيين والأهداف غير العسكرية، وأمن الممرات الملاحية الدولية، إضافة إلى الدعوة لإبرام اتفاق إطار شامل تحت المظلة الأممية ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة.
(*) حدود المواجهة: على الرغم من خفوت التحركات الدبلوماسية الصينية في بداية الصراع، فإن حضور بكين اكتسب زخمًا مع طرح المبادرة الدبلوماسية المشتركة مع باكستان، ومنع توسيع الصراع إقليميًا ودوليًا، وبالتبعية التأثير على فرص الحصار البحري الأمريكي من خلال استمرار دعم إيران لوجستيًا واقتصاديًا.
كما برز الدعم العسكري غير المباشر عبر استخدام صور الأقمار الاصطناعية الصينية في تحديد الأهداف وتقييم حجم الأضرار جراء الهجمات الإيرانية، فضلًا عن اعتماد مسيرات وصواريخ على منظومة "بيدو" للملاحة بالأقمار الاصطناعية، لتجنب التشويش وضمان دقة التوجيه.
وإجمالًا، يعتمد النهج الصيني في حرب إيران على تجنب الانخراط المباشر، ودعم خيارات قد تبدو مؤلمة للصين اقتصاديًا وأمنيًا، مقابل إشغال الجانب الأمريكي في مسرح العمليات بالشرق الأوسط، بما يقلص حضوره العسكري في منطقة المحيطين عمومًا، ويحد من الاهتمام بالدفاع عن تايوان أو تزويدها بالأسلحة.
وفي المقابل، ترغب الولايات المتحدة في حسم الصراع مع إيران واستخدامه كورقة تفاوض في مواجهة الصين، لا أن يتحول إلى أداة ضغط صينية لتحييد الضغوط الأمريكية الرامية إلى احتواء صعود بكين ومكافحة ما تصفه بـ"التنمر الاقتصادي".
ويتمثل المكتسب الصيني الرئيسي من حرب إيران في تعزيز حضورها الدبلوماسي الضاغط لإنهاء الحرب، بينما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك العديد من الأدوات للضغط على الصين من أجل التوصل إلى اتفاق واسع يشمل قضايا التجارة وضبط التسلح النووي بين القوى الثلاث الكبرى.