لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران صراعًا ثنائيًا خالصًا، فطهران تعتمد بدرجة متزايدة على الصين اقتصاديًا باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، بينما تنظر واشنطن إلى بكين باعتبارها إحدى أهم القنوات التي تساعد طهران على تخفيف أثر العقوبات والحصار البحري. وفي المقابل ترى الصين أن استمرار الضغط الأمريكي على إيران يفتح جبهة جديدة في صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة حول شكل النظام الدولي.
وفي هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات التي يأتي في مقدمتها: لماذا أصبحت الصين عاملًا حاسمًا في معادلة المواجهة الإيرانية الأمريكية الراهنة؟ هل يمكن أن يؤدي الدور الصيني في تمويل الاقتصاد الإيراني وتخفيف العقوبات وتوفير بعض التقنيات ورفض الضغوط الأمريكية إلى إطالة المواجهة الراهنة واستمرار اشتعالها بمزيد من التصعيد؟ وهل يمكن أن تصبح بكين وسيطًا بين واشنطن وطهران؟ وما أهم السيناريوهات المتوقعة للسلوك والتحركات الصينية إزاء تلك المواجهة في الفترة المقبلة؟
الصين في قلب المعادلة
هناك العديد من العوامل التي تفسر لماذا أصبحت الصين عنصرًا حاسمًا في معادلة المواجهة الإيرانية الأمريكية الراهنة، ويمكن توضيح أهم هذه العوامل في ما يلي:
(*) بوابة الصمود والرئة الاقتصادية لإيران: تشتري الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية وفق تقديرات أمريكية رسمية، وقد بلغت قيمة مشترياتها من النفط الإيراني نحو 31.2 مليار دولار خلال عام 2025، بما يمثل مصدرًا رئيسيًا للإيرادات الحكومية الإيرانية، كما أن عائدات النفط المرتبطة بالسوق الصينية تمثل نسبة كبيرة من تمويل الدولة والإنفاق العسكري الإيراني.
ويتبين مما سبق أنه كلما نجحت إيران في بيع نفطها للصين، انخفضت قدرة العقوبات الأمريكية في إجبارها على تقديم تنازلات، وبالتالي فإن بكين لا تقدم لطهران مجرد منفذ تجاري، بل توفر لها قدرة على الصمود الإستراتيجي، فإذا كانت إستراتيجية واشنطن تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني حتى تضطر طهران إلى التفاوض، فإن استمرار تدفق عائدات النفط عبر الصين يضعف جوهر هذه الاستراتيجية.
(*) مساعدة إيران على مقاومة العقوبات الأمريكية: تشير تقارير أمريكية إلى أن شركات صينية ومصافي بترول مستقلة، خاصة ما يعرف بـ"مصافي الشاي" في مقاطعة شاندونج، لعبت دورًا مهمًا في استيراد النفط الإيراني رغم العقوبات الأمريكية. وقد حذّرت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل 2026 المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع هذه المصافي بسبب استمرارها في استيراد الخام الإيراني، كما فرضت واشنطن عقوبات على شركات وسفن وشبكات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني وأسطولها الخفي.
وتكمن المشكلة هنا بالنسبة لواشنطن أن الصين ليست دولة صغيرة يمكن عزلها بسهولة، فعندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات على شركة إيرانية أو ناقلة نفط، يمكنها غالبًا الضغط عليها، أما عندما يتعلق الأمر بشركات صينية، فإن واشنطن تواجه معادلة مختلفة: فرض العقوبات على الشركات الصينية يعني احتمال التصعيد مع الصين نفسها، وهنا قد يتحول الملف الإيراني إلى نقطة احتكاك مباشرة بين واشنطن وبكين.
(*) البعد العسكري والتكنولوجي (منطقة الخطر الأكبر): حتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على أن الصين مستعدة لتقديم دعم عسكري مباشر لإيران في مواجهة الولايات المتحدة، بل إن تقييمًا أمريكيًا رسميًا يشير إلى أن بكين تجنبت الالتزامات الدفاعية الرسمية تجاه طهران، وأن دعمها العسكري المباشر محدود مقارنة بالدعم الاقتصادي والدبلوماسي، لكن يكمن الخطر القادم لواشنطن في التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، فالتقنيات التي يمكن استخدامها مدنيًا قد تكون مفيدة أيضًا في: الطائرات المُسيَّرة، والصواريخ، والاتصالات، والملاحة، والاستطلاع، وأنظمة الحرب الإلكترونية.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن شبكات صينية ساعدت إيران في الوصول إلى تقنيات ومكونات ذات استخدام مزدوج، بينما واصلت واشنطن استهداف شبكات مرتبطة بتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية؛ إذا اعتقدت واشنطن أن الدعم الصيني لا يقتصر على إنقاذ الاقتصاد الإيراني، بل يساعد في إعادة بناء القدرة العسكرية الإيرانية، فقد تصبح الصين جزءًا مباشرًا من حسابات الردع الأمريكي، وهذا قد يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع أهدافها من الضغط على إيران إلى الضغط على الشركات والمؤسسات الصينية التي تعتبرها واشنطن جزءًا من منظومة دعم طهران.
أوراق الضغط الصينية
تشكل هذه الأوراق مجتمعة العامل الأكثر أهمية في تحديد مدى قدرة الصين في الضغط على إيران، فبكين تمتلك أوراق قوية للضغط على طهران، من بينها النفط؛ لأن الصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وكذلك الاستثمار إذ تحتاج إيران إلى الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية، هذا بالإضافة إلى التجارة فالصين هي أكبر شريك تجاري لإيران. فضلًا عن الدبلوماسية، فالصين عضو دائم في مجلس الأمن ويمكنها القدرة على تخفيف العقوبات عبر قنوات مالية وتجارية بديلة.
وتمثل هذه الأوراق مشكلة لإيران تكمن في أن علاقتها مع الصين ليست متكافئة تمامًا، فإيران تحتاج الصين بدرجة أكبر ما تحتاج الأخيرة إليها؛ لأن الصين تستطيع استبدال جزء كبير من النفط الإيراني بمصادر أخرى، بينما يصعب على إيران العثور على سوق بديلة بالحجم نفسه في ظل العقوبات الأمريكية، وهذا يجعل بكين قادرة على التأثير في سلوك طهران، خصوصًا إذا شعرت أن استمرار التصعيد يهدد مصالحها الاقتصادية.
متى تصبح الصين عاملًا حاسمًا في المواجهة الأمريكية الإيرانية؟
هناك خمسة مؤشرات رئيسية إذا ظهرت، فإن دور الصين سيتحول من عامل غير مباشر إلى عامل حاسم في المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، وتتحدد هذه المؤشرات في ما يلى:
(-) استهداف أمريكي مباشر لكيانات صينية كبرى: إذا انتقلت واشنطن من استهداف شركات صغيرة إلى استهداف شركات حكومية أو بنوك صينية كبرى، فقد ترد بكين بإجراءات مضادة.
(-) فرض حصار فعلي وصارم على النفط الإيراني: إذا حاولت الولايات المتحدة منع السفن الصينية من نقل النفط الإيراني، فقد تصبح المواجهة البحرية مع واشنطن أكثر احتمالًا.
(-) نقل تقنيات عسكرية حساسة إلى إيران: خصوصًا في مجالات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة والاتصالات العسكرية.
(-) إغلاق مضيق هرمز- نقطة التحول الأخطر: ففي هذه الحالة ستتضرر الصين مباشرة، وقد تضطر إلى استخدام نفوذها على إيران، أو إلى اتخاذ إجراءات لحماية مصالحها التجارية.
(-) تحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل: كلما طال الصراع، زادت الضغوط على الصين للاختيار بين استمرار دعم إيران ومواجهة العقوبات الأمريكية، والضغط على طهران للتهدئة.
التناقض الإستراتيجي
يرتبط هذا التناقض بأنه رغم ما سبق ذكره، فإن الصين قد لا تريد حربًا شاملة بين واشنطن وطهران، فرغم أن الصين قد تستفيد إستراتيجيًا من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن الحرب الشاملة ليست بالضرورة في مصلحة بكين، والسبب الرئيسي هو النفط لأن الصين تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط المنقولة بحرًا.
وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 63% من احتياجاتها النفطية تأتي عبر الواردات البحرية، بينما يمر جزء كبير من تدفقات الطاقة الآسيوية عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز، كما أن الصين رفعت مخزوناتها النفطية تحسبًا لاضطرابات طويلة الأمد، وبالتالي فإن بكين تواجه تناقضًا إستراتيجيًا، فمن ناحية تريد إضعاف إستراتيجية الضغط الأمريكية على إيران، ومن ناحية أخرى لا تريد أن يؤدي الصراع إلى إغلاق مضيق هرمز أو انهيار صادرات النفط الخليجية.
فمن شأن الدور الصيني الخفي المؤيد لتجدد المواجهة بين أمريكا وإيران بدلًا من تهدئتها، مواصلة الصين شراء النفط الإيراني بكميات كبيرة، فإن واشنطن ستجد نفسها أمام خيارين: أولهما قبول الأمر الواقع وهذا يعني عمليًا أن العقوبات الأمريكية لا تستطيع منع إيران من الوصول إلى أهم مصدر للعملة الأجنبية، أما الخيار الثاني فيرتبط بتوسيع العقوبات لتطال الشركات الصينية، وهنا قد تتغير المعادلة بانتقال المواجهة من: الولايات المتحدة - إيران إلى: الولايات المتحدة - الصين - إيران، وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة، فقد بدأت واشنطن بالفعل في استهداف كيانات صينية مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، بينما ردت بكين برفض ما تعتبره تطبيقًا خارج الحدود للقانون الأمريكي، وأصدرت إجراءات تمنع الجهات الصينية من الاعتراف ببعض العقوبات الأمريكية أو تنفيذها، ومن هنا فإن كل جولة جديدة من العقوبات قد تتحول إلى اختبار للعلاقة الأمريكية الصينية.
ويتضح مما سبق أن الصين قد تكون مستعدة لمساعدة إيران على البقاء، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لمساعدتها على خوض حرب طويلة تعطل إمدادات الطاقة العالمية.
سيناريوهات صينية
في ضوء ما سبق، يمكن رصد أهم السيناريوهات المحتملة للسلوك الصيني في التعامل مع المواجهة الأمريكية الإيرانية الراهنة، ويمكن تحديد هذه السيناريوهات في ما يلي:
(*) السيناريو الأول (الاحتواء الصيني لطرفي المواجهة): يقوم هذا السيناريو على استمرار الصين في شراء النفط الإيراني، وتضغط على إيران لمنع إغلاق هرمز وفي نفس الوقت تقدم دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا محدودًا لا يغضب الولايات المتحدة، ويوفر هذا السيناريو الاحتمال الأكبر الذي يفترض استمرار التوتر الحذر بين واشنطن وبكين بسبب تصعيد الأولى مع طهران، لكن دون مواجهة أمريكية صينية مباشرة.
(*) السيناريو الثاني (الإجراءات الصينية المضادة في حالة فرض العقوبات الأمريكية): يقوم هذا السيناريو على قيام بكين بإجراءات مضادة في حالة توسيع واشنطن عقوباتها على الشركات والمصارف الصينية، وبالتالي اشتعال حرب العقوبات الأمريكية الصينية مجددًا بالتزامن مع تجدد الموجهة بين واشنطن وطهران، فمن شأن تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية أن يتزايد التصعيد الاقتصادي الأمريكي الصيني، ومن شأن حدوث هذا السيناريو أن يتحول الصراع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران إلى أزمة عالمية واسعة.
(*) السيناريو الثالث (توفير دعم صيني أكبر لإيران): قد يتحقق هذا السيناريو إذا شعرت بكين أن واشنطن تريد إسقاط النظام الإيراني أو تغيير النظام الإقليمي بالقوة، وبالتالي قد تتجه الصين إلى زيادة دعمها الاقتصادي والتكنولوجي لطهران، ومن شأن ذلك إطالة الحرب وارتفاع تكلفة الضغط الأمريكي.
(*) السيناريو الرابع (الوساطة الصينية): يفترض هذا السيناريو استخدام الصين نفوذها الاقتصادي على إيران وعلاقاتها مع دول الخليج للضغط من أجل تسوية، ويترتب على ذلك خفض التصعيد، مع خروج الصين باعتبارها الرابح الدبلوماسي الأكبر. فهناك احتمال قائم أن الصين تمتلك بعض المزايا التي تؤهلها لأن تصبح وسيطًا بين واشنطن وطهران ويرجع ذلك لعلاقاتها الإستراتيجية مع إيران، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج، وعلاقاتها التنافسية لكنها ضرورية مع الولايات المتحدة، والقدرة على استخدام مجلس الأمن، فضلًا عن دورها المتزايد في الوساطة الإقليمية، وتكمن المشكلة بشأن هذه الوساطة في أن الصين لن تكون وسيطًا محايدًا بالمعنى التقليدي، فهي طرف في الصراع الأكبر على النظام الدولي، ومن المرجح أن يكون هدفها الحقيقي "منع الحرب الشاملة"، وليس بالضرورة إنهاء الصراع الأمريكي الإيراني، كما أن استمرار التوتر المحدود قد يخدم بعض المصالح الصينية، التي يأتي في مقدمتها: تشتيت القوة الأمريكية عن آسيا، ورفع تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتعزيز مكانة الصين باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها، ومنح بكين نفوذًا أكبر في أسواق الطاقة، وإضعاف قدرة واشنطن على فرض نظام عقوبات عالمي منفرد. لكن الحرب الشاملة قد تصبح مكلفة للغاية للصين.
ويتبين من السيناريوهات السابقة أن إيران تحتاج إلى الصين لكي تحافظ على قدرتها الاقتصادية، والولايات المتحدة تحتاج إلى الضغط على الصين لكي تجعل عقوباتها على إيران فعالة، والصين تحتاج إلى تجنب حرب واسعة تهدد أمن الطاقة لديها، لذلك فإن المعادلة أصبحت ثلاثية: واشنطن تضغط على طهران، وطهران تقاوم عبر قدراتها الذاتية وشبكاتها الإقليمية، والصين تحدد إلى حد كبير مقدار الأكسجين الاقتصادي الذي يبقى متاحًا لإيران.
وفي النهاية، يمكن القول إنه إذا واصلت بكين شراء النفط الإيراني، وتحدت العقوبات الأمريكية، وسمحت بتدفق التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، فقد تجد واشنطن نفسها أمام خيار صعب: إما قبول استمرار قدرة إيران على الصمود، وإما توسيع الصراع ليشمل الصين. لذلك فإن مستقبل المواجهة الأمريكية الإيرانية لن يتحدد فقط في طهران أو واشنطن، بل في بكين أيضًا. لذلك قد يصبح السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة؛ هو: إلى أي مدى ستسمح الصين لإيران بأن تظل قادرة على مواصلة المواجهة الراهنة؟ والتقدير المرجح للإجابة على هذا التساؤل يشير إلى أن الصين ستعمل على إبقاء إيران قوية بما يكفي لمنع إخضاعها أمريكيًا، لكنها لن تسمح غالبًا بانزلاقها إلى حرب شاملة تهدد تدفقات الطاقة الصينية، ولذلك فإن الدور الصيني الأكثر ترجيحًا هو: الدعم الاقتصادي والإستراتيجي غير المباشر، مع الوساطة عند اقتراب الصراع من نقطة تهدد المصالح الصينية مباشرة.