الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

دوافع التهدئة والتصعيد الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
الصراع الأمريكي الإيراني- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

في أحدث تغريدة له على موقع "تروث سوشيال" في الأول من أغسطس 2026، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد للتحرك ضد إيران بقوة عسكرية لم يشهد العالم مثيلًا لها منذ الحرب العالمية الثانية، مضيفًا: "ورغم ذلك، طلبت دول أخرى بالشرق الأوسط تأجيل الهجوم بعد الاتفاق على إطار صفقة تشمل الفتح الفوري والكامل لمضيق هرمز، وإنهاء التهديد النووي الإيراني، واستجابةً لذلك"، قال ترامب: "وافقت على إلغاء الهجوم من أجل مصلحة العالم وبقاء إيران ناجحة ومزدهرة، شريطة التوصل سريعًا إلى اتفاق".

هذا الموقف الأمريكي الرامي للتهدئة كان قد سبقه تجدد للتصعيد العسكري الأمريكي الإيراني منذ منتصف يوليو 2026، حيث شنت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الهجمات استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مثل منصات إطلاق الصواريخ، وتمركزات القوات الإيرانية في مناطق محاذية لساحل مضيق هرمز، والطائرات المسيرة، ومراكز العمليات، والبنية التحتية العسكرية، وذلك بهدف كسر سيطرة إيران على مضيق هرمز. وهو ما عكس بوادر لانهيار اتفاق السلام الموقع في 18 يونيو 2026 قبل انتهاء مهلة الستين يومًا التي أقرتها مذكرة التفاهم؛ للتوصل إلى حل للقضايا الخلافية فيما يتعلق بالنووي الإيراني، ومستقبل العقوبات على إيران، ومصير الأموال الإيرانية المجمدة.

ورغم تزايد وتيرة الضربات الأمريكية وتنوعها، واصلت إيران توجيه ضربات مضادة ودقيقة ضد السفن التي لا تلتزم بالتعليمات الإيرانية عند عبور المضيق، وكذلك اتجهت نحو شن هجمات على كل من الكويت والبحرين والأردن، إذ أسفر هجوم إيراني عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين بإحدى القواعد العسكرية الأمريكية بالأردن. كما اتجهت إيران أيضًا نحو تنشيط أذرعها الإقليمية، وفي مقدمتهم الحوثيون، الذين أعلنوا اتجاههم نحو إغلاق مضيق باب المندب. وقد أدانت مصر التصعيد الإيراني ضد دول الخليج والأردن، واعتبرته تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وفق بيان وزارة الخارجية المصرية الصادر في 24 يوليو 2026، إذ تسعى إيران إلى توظيف ورقة الحوثيين كأحد أذرعها في الإقليم، وذلك بهدف موازنة الاستهداف الأمريكي المتزايد للأراضي الإيرانية، الذي أعلن بدوره اتجاهه نحو إغلاق باب المندب، وذلك بالتوازي مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، لتصبح إمدادات الطاقة العالمية ما بين مطرقة إيران في مضيق هرمز، وسندان الحوثيين في مضيق باب المندب، إذ تقوم المعادلة الإيرانية في المواجهة مع أمريكا على رفع كلفة الاستهداف الأمريكي لأراضيها وبنيتها النووية ومنشآتها العسكرية، وذلك من خلال تجفيف الشرايين الرئيسية لإمدادات الطاقة العالمية من مضيقي هرمز وباب المندب، بما يشكل ورقة ضغط دولية مؤثرة لوقف الهجوم الأمريكي على إيران.

محفزات التصعيد

هناك العديد من المحفزات التي تدفع باتجاه التصعيد العسكري الأمريكي مع إيران لأسباب متنوعة، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) الولايات المتحدة الأمريكية: مثَّل انخراط الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع ما بين إسرائيل وإيران عاملًا رئيسيًا محفزًا لاستمرار الصراع وديمومته في الشرق الأوسط، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي في يونيو 2025 تمكن القوات الأمريكية من تدمير البرنامج النووي الإيراني في المنشآت الإيرانية الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان. وقد سعى ترامب إلى توظيف التصعيد مع إيران؛ لجني مكاسب سياسية تتعلق بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026 على أساس أن ذلك الاستهداف سيكسر شوكة إيران ويحول دون تمدد أذرعها لتهديد المصالح الأمريكية، وهو الأمر الذي لم يتحقق، بل ربما أسهم في تعميق الانقسام الداخلي الأمريكي في ظل وجود معارضة أمريكية لانخراط ترامب في الحرب دعمًا لنتنياهو. ولم يقتصر هذا الرفض على معارضي ترامب، بل امتد أيضًا إلى موقف جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الرافض للتصعيد العسكري، والذي يتبنى التسوية السلمية للصراع مع إيران، مع الالتزام بالثوابت الرئيسية الأمريكية، ومنها عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.

(*) إسرائيل: يمثل موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتغير الرئيسي والداعم للتصعيد العسكري مع إيران وصولًا إلى إسقاط النظام الإيراني، الذي يشير إليه بأنه مهدد لأمن إسرائيل، لذلك فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ بدء التصعيد استهدفت البنية العسكرية التحتية لإيران، وقادة ومسؤولين عسكريين، فضلًا عن علماء الذرة الإيرانيين. وحتى بعد توقيع مذكرة التفاهم للسلام الأمريكي الإيراني، بدا موقف نتنياهو رافضًا لبنود تلك المذكرة، التي عكست معادلة يخشى منها على مستقبله السياسي، بعد أن أكدت استطلاعات الرأي في عدد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية حول إجراء انتخابات الكنيست هزيمة حزب الليكود وانهيار ائتلافه الحاكم، لذلك يسعى إلى إطالة أمد التصعيد أملًا في إلغاء انتخابات الكنيست القادمة متعللًا بالحرب مع إيران، خشية انتهاء دوره السياسي، بل واحتمالية محاكمته على قضايا لا تزال تؤجلها المحاكم الإسرائيلية على وقع الحرب الدائرة في إقليم الشرق الأوسط، وعلى خمس جبهات تحارب فيها إسرائيل، على حد وصف نتنياهو.

(*) إيران: قدمت تلك الحرب قبلة الحياة للنظام السياسي الإيراني بعد أن كانت هناك مظاهرات في مدن إيرانية تطالب برحيل النظام القائم، غير أن الحرب لم تكن أحد مزاياها بالنسبة للنظام في إيران بأنها وحدت الإيرانيين خلف النظام، الذي أصبح يحارب الشيطان الأكبر أمريكا والشيطان الأصغر إسرائيل، وفق مفردات الإيرانيين أنفسهم، بل إنها أنتجت معادلة جديدة تمثلت في عودة الجغرافيا السياسية بعد أن تمكنت إيران من توظيف عقدة مضيق هرمز لتتحكم في جزء معتبر من التفاعلات الاقتصادية العالمية، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الطاقة العالمية. وهو الأمر الذي أشار إليه محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين، في تدوينة له على موقع "إكس" قائلًا: "معادلة هذه الحرب واضحة.. إما الجميع أو لا أحد. في منطقة لن نبيع فيها النفط، لن يبيعه أحد.. إذ لم يضمن أمننا فلن تكون أي بنية تحتية آمنة.. وأمن المضيق مرهون بغياب القوات الأمريكية.. لقد أكدنا مرارًا أن وضع المضيق لن يعود كما كان عليه قبل الحرب". كما تبنى المتحدث باسم الحرس الثوري، العميد حسين محبي، الاتجاه نفسه قائلًا: "إن أي دولة، سواء بريطانيا أو دول الخليج أو غيرها، إذا قدمت دعمًا للولايات المتحدة في الحرب، فستكون هدفًا مشروعًا لنا".

دوافع التهدئة

برغم وجود محفزات للتصعيد الأمريكي الإيراني، فإن دوافع التهدئة تشكل كوابح مؤثرة لخفضه، وتعزيز فرص التسوية السلمية للصراع، وهو ما يمكن أن يشير إلى أهم تلك الدوافع على النحو التالي:

(*) ارتفاع تكلفة الصراع: بدا الصراع والتصعيد العسكري مكلفًا لكل المنخرطين فيه ولدول الجوار العربي الرافضة لذلك التصعيد، والرافضة أيضًا أن تكون أراضيها ساحات للصراع الأمريكي الإيراني بعد استهداف بنيتها الأساسية بمسيرات إيرانية، بل وتوظيف دول الخليج تحديدًا لتصبح رهينة لهذا التصعيد من خلال استهداف المصالح والقواعد الأمريكية. وربما تمثل ارتفاع فاتورة تكلفة الحرب على كافة أطراف الصراع المنخرطين فيه كابحًا نحو وقف التصعيد وتسوية الصراع بالطرق السلمية. فوفقًا للعديد من التقديرات، فإن خسائر الولايات المتحدة من الحرب تُقدر بما يقرب من 18 مليار دولار، وتتعالى الأصوات الأمريكية محذرة من انخفاض حاد في الذخائر الاستراتيجية الأمريكية تحتاج لسنوات لاستعادتها. وفي المقابل، تشكل الخسائر الاقتصادية لإيران كابحًا أيضًا للتصعيد وقبول التهدئة، بعد أن فرضت القوات الأمريكية حصارها على الموانئ البحرية الإيرانية، وبرغم الحديث عن أساطيل الظل التي تقوم بتهريب النفط الإيراني، فإن الحصار الأمريكي يُكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة.

(*) أزمة إمدادات الطاقة العالمية: تشكل أزمة إمدادات الطاقة العالمية المتغير الأهم والدافع الرئيسي نحو التهدئة بين الجانبين الأمريكي والإيراني، لا سيما أن مضيق هرمز يمر منه ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة العالمية. تلك الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز عبر عنها ترامب في تغريدة له على منصة "تروث سوشيال"، وقبيل اجتماع قمة الدول السبع الصناعية بفرنسا، قائلًا: "دعوا النفط يتدفق". إذ لم يكد يمر عام على الانخراط الأمريكي في المواجهات العسكرية التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، حتى جاء انعقاد القمة السنوية للدول السبع الصناعية (G7) بمدينة إيفيان الفرنسية في يونيو 2026، ليعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق وأن أشار إلى تدميره قدرات إيران النووية، في تغريدة له على موقع "تروث سوشيال" في 15 يونيو 2026، أن "الصفقة مع إيران قد اكتملت الآن نهائيًا للجميع، وبموجب هذا أفوض الفتح الكامل لمضيق هرمز أمام الملاحة البحرية دون رسوم"، مضيفًا أنه أصدر في الوقت نفسه تفويضًا بالرفع الفوري للحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، قائلًا: "إلى سفن العالم.. شغلوا محركاتكم.. دعوا النفط يتدفق".

(*) اتساع رقعة الصراع: مثَّل اتساع رقعة الصراع الهاجس الأهم الذي يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية، ويمثل في الوقت ذاته كابحًا يدفع نحو التهدئة، فمع ارتفاع وتيرة المواجهات الأمريكية الإيرانية، جعلت من انخراط الحوثيين توجهًا إيرانيًا واضحًا لموازنة التهديدات الأمريكية. ونظرًا لأن تداعيات انخراط الحوثيين تتنوع إقليميًا ودوليًا، لارتباطه المباشر بأمن الإقليم واستقراره، المرتبط بحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن تحول التصعيد مع إيران إلى حرب شاملة سينعكس على الاستقرار الدولي. لذلك، فثمة حاجة أمريكية ماسة لمنع تمدد الصراع بين الأطراف المتحاربة في إقليم الشرق الأوسط، والحيلولة دون تحوله إلى حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بمساراتها المستقبلية على الأمن العالمي.

(*) توقيع مذكرة التفاهم لإحلال السلام: تمثل مذكرة التفاهم للسلام الأمريكي الإيراني، التي تم توقيعها عن بُعد من قبل الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، داعمًا للتهدئة بين الجانبين، وإطارًا يشتمل على تفاهمات ستسهم في حلحلة الصراع وتغليب لغة المصالح المتبادلة على الانحيازات الأيديولوجية.

ختامًا؛ يمكن القول إن رغبة أطراف الصراع المتأرجحة ما بين التهدئة والتصعيد ستحسمها لغة المصالح المشتركة، ومركزية النفط في الاستراتيجية الأمريكية، وتمكن إيران من توظيف مضيق هرمز في صراعها مع الولايات المتحدة، وضمان إمدادات النفط العالمية، بما يحول دون دخول الاقتصاد العالمي في كساد كبير. غير أن النتيجة المؤكدة لتداعيات ذلك التصعيد هي خروج نتنياهو من المشهد السياسي، بعد أن أكدت استطلاعات الرأي الإسرائيلية الاحتمالية المؤكدة لهزيمة حزبه في انتخابات الكنيست القادمة، وهو ما يعني وجود كابحٍ للتصعيد وتغليب خيار التهدئة في الصراع.