أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتضاربة منذ بداية الحرب على إيران، حالة من عدم اليقين العالمي بشأن موعد انتهائها، فعلى الرغم من إعلانه بدء المفاوضات مع إيران، أمس الاثنين الموافق 3 أغسطس، وتراجعه عن الضربة العسكرية الواسعة ضد إيران، لم تلبث طهران أن نفت وجود أي مفاوضات مع واشنطن، وهو الأمر الذي يعكس حالة التأرجُح في الحرب الأمريكية الإيرانية، بمعنى بمجرد ما يظهر بريق أمل حول انتهائها تشتعل الأحداث في لحظة.
تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرُف على التداعيات الاقتصادية التي نتجت عن التضارُب الكبير في الحرب الأمريكية الإيرانية، هذا فضلًا عن توضيح دوافع هذا التأرجُح الواضح في هذه الحرب.
تداعيات اقتصادية
إن تأرجُح الموقف بين أمريكا وإيران يعكس مجموعة من الجوانب الاقتصادية الرئيسية، والتي سيتم توضيحها فيما يلي:
(-) تذبذب أسعار النفط: أسعار النفط العالمية يُمكن تمثيلها بالمرآه التي عكست حالة التأرجُح في الحرب الأمريكية الإيرانية، فمع ظهور مؤشرات تدل على تصاعد الأحداث، ترتفع أسعار النفط بشكل كبير، ولكن مع الحديث عن بدء مفاوضات، تتفاءل أسواق النفط، وتنخفض أسعارها على الفور، وهو ما يوضحه الشكل (1)، ففي ظل اشتعال الأحداث ارتفع سعر نفط خام برنت إلى 97.9 دولار للبرميل في 23 يوليو 2026، ولكن مع بداية الحديث عن مفاوضات جديدة وتأجيل الضربات، بلغ سعر النفط نحو 85.56 دولار للبرميل في 4 أغسطس 2026، وحتى وقت كتابة التحليل.
(-) اضطرابات بحرية: تؤثر الحرب الأمريكية الإيرانية على نقاط اختناق بحرية رئيسية في الاقتصاد العالمي، وهما مضيقا هرمز وباب المندب، فوكالة الطاقة الدولية تصف مضيق هرمز، الواقع بين إيران وسلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، بأنه أحد أهم ممرات عبور النفط في العالم، إذ إنه يُمثّل نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي في العالم، ومع إغلاق هذا المضيق يتأثر العالم أجمع، وهو ما جعل ترامب يعلن أنه يتحدث مع إيران بشأن فتح المضيق بشكل كامل.
وما يسبب الخروج من الضغط الكبير على أسواق النفط أن هناك انتظامًا نسبيًا لجزء من الملاحة البحرية في المضيق، إذ أشارت شركة "ماريسكس" للاستشارات في مجال المخاطر البحرية، إلى أن هناك تقديرات توضح أن تدفقات النفط الخام لا تزال بين 3 و5 ملايين برميل يوميًا، بالمقارنة بنحو 20 مليون برميل من النفط قبل اندلاع الصراع، وهو ما يشير إلى أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا تزال أقل من عُشر مستوياتها ما قبل الحرب.
وفي السياق ذاته، يؤثر الصراع الحالي على حجم التجارة في مضيق باب المندب، إذ أوضحت وكالة "ويندوارد" المتخصصة في البيانات البحرية، أن عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب انخفض بمقدار الخُمس، منذ 20 يوليو 2026، وهو الأمر الذي يزيد من الضغوط السلبية على الاقتصاد العالمي.
وقد ترتّب على هذه الأوضاع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، كما يوضح الشكل (2)، إذ ارتفعت من 0.25% قبل بدء الحرب، في 28 فبراير 2026، إلى نسب تتراوح بين 7.5% و10% في 22 يوليو 2026، وهي التي تختلف بحسب قيمة السفينة، كما يُشير الجدول (1).
(-) تضخم سوق الشحن الجوي: أشار تقرير "زينتا" لتوقعات الشحن الجوي، الصادر في شهر يوليو الماضي، إلى أن نمو سوق الشحن الجوي من المُرجح أن يشهد انخفاضًا خلال الأشهر الستة المقبلة مع استمرار ارتفاع الأسعار، إذ انخفضت الطاقة الاستيعابية العالمية بنسبة 12%؛ بسبب تقلبات السوق التي أحدثتها الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث ارتفعت أسعار الشحن الجوي الفوري بأكثر من 40% خلال شهري مايو ويونيو، مقارنةً بالعام الماضي، فالطلب على الشحن الجوي نما بنسبة 7%؛ بسبب قوة الطلب على أشباه الموصلات والأجهزة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، التي تُمثّل 10% من إجمالي حجم الشحن الجوي.
وعلى الجانب الآخر، نما العرض بنسبة 3% فقط، وفي ظل هذا الاختلال بين الطلب والعرض ارتفع معدل استخدام الطائرات بمقدار 3 نقاط، ليصل إلى 62%، مما رفع أسعار العقود الفورية والطويلة الأجل بنسبة 17% في النصف الأول من العام الحالي، حيث قفزت أسعار التسليم الفوري بنسبة 22%، وأسعار العقود طويلة الأجل بنسبة 11%.
(-) تزايُد استخدام العملات المشفرة: إن العقوبات المُفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على إيران يتم التحايل عليها بواسطة العملات المشفرة، إذ قامت شركة "شيلبيت"، وهي منصة تداول عملات مشفرة غير مُرخَّصة يُديرها مغترب إيراني، بتحويل ملايين الدولارات من العملات المشفرة، وذلك في إطار عملية للتحايل على العقوبات الإيرانية بقيمة 4 مليارات دولار.
دوافع التأرجُح
إن الأسباب التي تقف وراء تأرجُح موقف الحرب الأمريكية الإيرانية، يُمكن بلورتها في النقاط التالية:
(-) سيكولوجية الرئيس ترامب: تُعتبر سيكولوجية ترامب هي الدافع الأول وراء التذبذب الحالي في الحرب الأمريكية الإيرانية، إذ إنه ينطبق عليه "الثالوث الميكيافيلي" أي الشخصية النرجسية التي تُقدس الأنا وتهفو إلى الزهو وينتابها جنون العظمة، بالإضافة إلى ذلك هو شخصية خداعة حيث يُميل إلى التلاعب والمناورة، وكذلك يعاني من الميل إلى "السيكوباتية دون الإكلينيكية" التي تتضمن الاندفاع والتهور، واللامبالاة العاطفية والقسوة. فخلال فترة الحرب اتخذ ترامب قرار شن هجمات على إيران ثم تراجع عنها في ست مرات، وهو الأمر الذي يُشير إلى أن تصريحاته لا تؤخَذ بمحمل الجد في كثير من الأحيان.
(-) الخلافات الإيرانية: إن النتيجة الطبيعية لأي خلاف في السلطات الحاكمة، هي ظهور تضارب المواقف والآراء، و نجد ذلك مُجسَّدًا بشكل أساسي داخل دوائر القيادة الإيرانية، فهناك تيار يدعو إلى مواصلة القتال حتى يتحقق "النصر الكامل" يُمثّله جبهة "بايدراي" أو "ثبات الثورة الإسلامية"، وهناك تيار آخر يرى أن التصعيد العسكري يجب أن يكون وسيلة لانتزاع اتفاق تفاوضي مع واشنطن، وهو ما يُمثله مؤيدي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وبالتالي يُمكن القول إن هذا التنافس داخل النظام الإيراني يعكس صراعًا على ملامح مرحلة ما بعد الحرب.
(-) هشاشة الهدُن: إن المبادئ التي يقوم عليها وقف إطلاق النار بين الجانبين الأمريكي والإيراني يُمكن وصفها بالهشاشة، وأنها ليست أرضًا صلبة يُبنى عليها خطوات إيجابية نحو وقف الحرب، فهدنة إسلام آباد التي بدأت في الثامن من أبريل واستمرت حتى 8 مايو، كانت هشة بشكل كبير؛ بسبب الفجوة الكبيرة في التوقعات، إذ سعت واشنطن إلى فرض استسلام سياسي وإستراتيجي شامل وتفكيك القدرات الإيرانية، بينما تمسكت إيران بسيادتها، وبالتالي لا يُمكن وصفها إلا "استراحة محارب" لكلا الطرفين، إذ إنها فقدت المصداقية التفاوضية.
والهدنة التي وقعت في 17 يونيو 2026، بمهلة 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، انتهت بهجوم الولايات المتحدة على إيران في 7 يوليو، بعد الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز، وكان هذا الاتفاق تعرض لانتقادات واسعة في الداخل الأمريكي، فقد كان لصالح إيران بشكل أكبر، وهو ما جعل ترامب يعلن استعداده للتخلي عن الاتفاق، وقال: "هذه مذكرة تفاهم، وإذا لم تعجبني فسأستأنف إطلاق النار والقصف"، وهو الأمر الذي يوضح عدم وجود إرادة حقيقية حول إنهاء الحرب.
في النهاية يُمكن القول إن الحرب الأمريكية الإيرانية أصبحت حربًا بلا هدف حقيقي، فلم يستطع ترامب القضاء على النظام الإيراني، ولم يوقف البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي فهذه الحرب أصبحت حملًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي، وعلى اقتصاديات دول المنطقة بلا جدوى، ومن ثم يستوجب على حكماء العالم أن يضعوا خطة حقيقية تعمل على إنهاء صراعات منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها منطقة من المناطق الإستراتيجية في النظام العالمي.