الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

مكاسب الصين من التصعيد الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
أعلام الصين وأمريكا وإيران

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

على الرغم من أن الصين تستورد ما يقرب من 70% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي، كما تستحوذ دول الخليج على أكثر من 80% من صادرات الصين الدفاعية إلى الشرق الأوسط، وذلك خلال الفترة من 2016 إلى 2025 ، فإن عودة التصعيد بعد فترة من الهدوء بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، عقب توقيعهما لمذكرة التفاهم لإحلال السلام، جعل بعض الاتجاهات تعبتره هدية من الطرفين للصين، التي لا زالت تطالب الأطراف كافة بضبط النفس واحترام سيادة الدول، واحترام مبادئ القانون الدولي ومعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وما تُقرّه من حقوق للمرور من المضائق والخلجان أعالي البحار، ومنها حق المرور البريء الذي يختلف عن "المرور العابر" الذي يُطبَّق في المضائق الدولية الموصولة بأعالي البحار (مثل مضيق هرمز)، والذي يضمن حرية الملاحة والتحليق بشكل أوسع دون جواز تعليقه من قبل الدولة المشاطئة، فضلًا عن عدم السماح بفرض أي رسوم على ذلك المرور. في مقابل تلك المطالبات الصينية، لم تتبنَ الصين أي نوع من الوساطة بين الطرفين، مثلما فعلت باكستان، ودعمتها كل من مصر وتركيا وقطر؛ للتقريب بين وجهات النظر.

تأسيسًا على ما سبق، يُثار تساؤل مركزي حول ماهية المكاسب الصينية من استمرار الصراع والتصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في الشرق الأوسط، ومدى ارتباطه بالمصالح العليا للصين التي تسعى لأن تصبح قطبًا اقتصاديًا مؤثرًا في تفاعلات السياسة الدولية، وذلك من خلال تبنيها لنظام دولي متعدد الأقطاب بدلًا من النظام الدولي القائم على الأحادية القطبية والهيمنة السياسية الأمريكية، لا سيما وأن ترامب، برغم الانتقادات التي تُوجَّه لسياساته، فإنه يسعى من خلال رؤية إستراتيجية مكتملة الأركان في أقاليم العالم المختلفة، لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية، والحفاظ على استمراريتها كإطار حاكم لمجمل التفاعلات الدولية والإقليمية.

مكاسب متنوعة

تتنوع المكاسب الإستراتيجية التي تحققها الصين من ديمومة واستمرار التصعيد الأمريكي الإيراني في إقليم الشرق الأوسط. ويمكن الإشارة إلى أهم تلك المكاسب على النحو التالي:

(*) الاستثمار في رصيد الصين السياسي: حقق التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مكاسب سياسية للصين، حتى بعد التوصل إلى مذكرة تفاهم وقعها عن بعد الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، في 18 يونيو 2026؛ فمع استئناف التصعيد قبل انتهاء مهلة الستين يومًا للتوصل إلى حلول توافقية للقضايا الخلافية بين الطرفين الأمريكي والإيراني، في مقدمتها النووي الإيراني ومضيق هرمز ، ومصير الأموال الإيرانية المجمدة، وموقف العقوبات الاقتصادية، يسهم التصعيد واستمراره في تحقيق أهداف السياسة الصينية في الشرق الأوسط، من دون تكلفة مالية أو عسكرية، أو حتى اقتصادية؛ وذلك من خلال بحث دول الإقليم عن بديل دولي يحد من التوترات في الإقليم، لا أن يكون طرفًا مباشرًا فيها، وهو ما تبرزه الصين من خلال توظيف مقاربتها التنموية، والتي تقوم على عملية التشبيك الاقتصادي والتنموي مع دول الخليج، فضلًا عن سعي الصين لحلحة أزمات الخليج مع إيران قبل اندلاع المواجهات العسكرية، وهو ما تجلى في وساطة الدبلوماسية الصينية في عام 2023؛ لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران.

(*) تخفيف ارتباطات الإقليم بالولايات المتحدة الأمريكية: على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تمثل الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج العربي، فإن استمرار التصعيد الأمريكي الإيراني يفتح المجال أمام دول الإقليم لإعادة تقييم توازن علاقاتها الخارجية، من خلال تنويع شراكاتها الاقتصادية والدفاعية دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية مع واشنطن. ويصب هذا التوجه في مصلحة الصين، التي عززت حضورها في الخليج خلال السنوات الأخيرة، إذ تستورد ما يقرب من 70% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي، بينما تستحوذ دول الخليج على أكثر من 80% من صادرات الصين الدفاعية إلى الشرق الأوسط خلال الفترة من 2016 إلى 2025. كما عززت بكين تعاونها مع دول المنطقة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، بما يتماشى مع مبادرة الحزام والطريق. ورغم أن معظم التقديرات تستبعد إمكانية إحلال الصين محل المظلة الأمنية الأمريكية في المستقبل المنظور، فإن تنامي توجه دول الخليج نحو تنويع شركائها الدوليين يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي، مستفيدة من تداعيات التصعيد الإقليمي دون الانخراط المباشر في الصراع.

(*) تنويع الصين لبدائل نفط الخليج: نظريًا، كان من المفترض أن تكون الصين، التي تستورد ما يقرب من 70% من احتياجاتها النفطية من الخليج. ومع تعثر المرور من مضيق هرمز، هي الخاسر الأكبر من تلك الحرب، غير أن استعداد الصين لاندلاع أزمات دولية تؤدي إلى صعوبة في استيرادها للنفط، ومنها تنويع مصادر إمدادات النفط، فضلًا عن قيامها ببناء ما يُشار إليه بأنه أكبر مخزون نفطي في العالم، والاعتماد على الفحم والطاقة النووية للحصول على الطاقة، وفي مقدمتها الكهرباء التي أضحت المشغل الرئيسي للاقتصاد الصيني، فضلًا عن استمرارها في شراء النفط الإيراني، وذلك من خلال شبكات أساطيل الظل، وفقًا للعديد من تحليلات الصحف ومؤسسات الفكر الأمريكية، فضلًا عما أشارت إليه بعض التحليلات حول سماح إيران بمرور ناقلات النفط التي تقوم بتسوية معاملاتها باليوان الصيني.

(*) الترويج للاعتماد على التكنولوجيا الصينية: كشف التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني عن اتجاه الصين نحو الترويج للتكنولوجيا الصينية، سواء تلك المرتبطة بالصناعات الدفاعية، وهو ما جعل عددًا من دول الخليج تتجه نحو الصين لاستيراد مُسيّرات وصواريخ صينية، وإجراء تدريبات مع البحرية الصينية. يُضاف إلى ذلك، السعي نحو الاستفادة من التقدم التكنولوجي في المجالات التنموية كافة، في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، حيث تسيطر الصين، وفقًا لـ"واشنطن بوست"، على نحو 91% من القدرة التصنيعية العالمية للألواح الشمسية، و89% من القدرة التصنيعية لبطاريات الليثيوم. وهو ما أدى إلى الوصول لنتيجة مؤداها إلى أنه كلما طال أمد الأزمات الدولية، وتعثر إمدادات الطاقة بسبب التوترات المستمرة، ازداد الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، وهي النتيجة التي تُعَد أحد التداعيات المباشرة للتصعيد الأمريكي الإيراني في إقليم الشرق الأوسط، الذي يستحوذ على احتياطات هائلة من النفط والغاز.

(*) الاستثمار في تنامي السمعة والمكانة الدولية للصين: إذا كان التصعيد الأمريكي الإيراني يكشف في أحد جوانبه تراجعًا لمكانة الولايات المتحدة بين شعوب الاقليم؛ بسبب انحيازها المطلق للسياسات الإسرائيلية وتوجهات الحكومة اليمينية، ومنها العدوان الإسرائيلي على غزة، واستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي ضد أي قرارات تدين الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، أو تهديد اعتداءات إسرائيل الخارجية على دول في إقليم الشرق الأوسط بشكل عام. في مقابل ذلك التحالف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي، فإن الصين تطرح نفسها وتسوّق لرؤيتها للسلام العالمي؛ من خلال طرح العديد من المبادرات العالمية، حتى وإن كان ذلك من الناحية النظرية، أبرزها مبادرات الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، ومبادرة الذكاء الاصطناعي.

مجمل القول؛ يمثل التصعيد الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط وديمومته من دون أفق لإحلال السلام، هدية للصين الرامية لأن تصبح قطبًا اقتصاديًا وتنمويًا على الساحة الدولية من دون تكلفه مالية أو عسكرية، وبرغم ذلك تبقى الولايات المتحدة القطب العالمي القادر على تبني مبادرات لإنهاء صراعات الشرق الأوسط، فترامب الذي تمكن من إحلال السلام في غزة، وإن كان سلامًا منقوصًا، بتوقيعه لاتفاق السلام بشرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة، بضمانة مصرية وقطرية وتركية، في أكتوبر 2025، وذلك من خلال مبادرته ذات العشرين بندًا، هل سينجح في إحلال السلام مع إيران، والإنصات لرؤية نائبه جي دي فانس؛ ليُجنّب الإقليم والعالم تداعيات التصعيد، الذي أضحى مفتوحًا على كل السيناريوهات.