الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تؤثر ظاهرة الفومو على الأسواق الاقتصادية؟

  • مشاركة :
post-title
ظاهرة الفومو - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

تؤثّر سلوكيات الأفراد والشركات على اتجاهات الأسواق الاقتصادية المختلفة، إذ إن هذا السلوك أحيانًا يبتعد عن التوقعات المُحتملة له، فظاهرة "الفومو" FOMO التي ظهر المصطلح الخاص بها في عام 2004، تعني "الخوف من فوات الفرصة"، فمن المنطقي أنه عندما ينخفض سعر سلعة ما أن يرتفع الطلب عليها، والعكس عندما يرتفع سعرها، ولكن ظاهرة الفومو قدمت النقيض من هذا المنطق، وهو ما ترك العديد من الآثار، فالأسواق أصبحت أكثر تقلُّبًا وأقل عقلانية.

وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على ماهية ظاهرة الفومو، بالإضافة إلى تأثيراتها على الأسواق الاقتصادية المختلفة.

ماهية الظاهرة

يُمكن التعرف على ظاهرة الفومو من خلال النقاط التالية:

(-) تعريف الظاهرة: إن ظاهرة الفومو تعني الخوف من تفويت الفرصة، وهو عامل نفسي مُهيمِن يدفع إلى سلوك الشراء الاندفاعي، ويُفسَّر هذا السلوك الشرائي بأنه استجابة عاطفية تهدف إلى تقليل القلق الاجتماعي والحفاظ على مكانة الفرد في البيئات الرقمية، ومن هنا تُعرَف ظاهرة الفومو FOMO في سياق الأسواق المالية بأنها "الخوف من تفويت فرصة استثمارية أو تجارية مُربِحة محتملة"، فالخوف من فوات الفرص يرتكز على شعور بعدم اليقين بشأن نتائج سلبية محتملة في المستقبل.

(-) دوافع الظهور: تسبب التطور التكنولوجي الرقمي إلى تحوُّل كبير في اتجاهات الاستهلاك، خاصة بين جيل زد باعتباره جيلًا نشأ في العصر الرقمي، حيثُ كثّف التوجُّه نحو ظاهرة "الفومو"، وعلى الرغم من أن هذا المصطلح مُستخدَم منذ عام 2004، فإن انتشر بشكل كبير في عام 2025، حيثُ خلقت وسائل التواصل الاجتماعي، وتنبيهات الأخبار الفورية، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بيئة تنتشر فيها المعلومات والضجة الإعلامية بسرعة غير مسبوقة.

(-) طبيعة الظاهرة: تتمثّل طبيعة ظاهرة الفومو أو الخوف من تفويت الفرصة، في أنها ظاهرة سلوكية في الأسواق الاقتصادية، حيثُ يندفع المستثمرون لشراء أصل ما؛ خوفًا من أن يُحقق الأخرون أرباحًا طائلة بينما يتخلف الآخرون عن الركب، وهذا يحوِّل ديناميكيات السوق من التقييم العقلاني إلى سلوك القطيع العاطفي.

وبالنظر إلى دورة عمل هذه الظاهرة، سنجد أنها تبدأ بالإزاحة بأن التقنية الجديدة أو فئة الأصول الجديدة تخلق فرصة استثمارية حقيقية، ثم الانطلاق حيثُ يدفع المستثمرون الأذكياء نمو الأسعار الأولى، ومن ثم تأتي مرحلة الخوف من فوات الفرصة، حيثُ يلاحظ الجمهور ارتفاع الأسعار، فيندفعوا لاقتناص الفرصة، وتصل الأسعار إلى الذروة حتى تبتعد أسعار الأصول عن قيمتها الاقتصادية الحقيقية، ولكن بعد ذلك يبدأ الإرهاق الشرائي ويجني المستثمرون الأوائل أرباحهم، ويَحِلُّ الذعر محل الخوف من فوات الفرصة، وتنفجر الفُقاعة.

تأثيرات مختلفة

برزت تأثيرات عدة لظاهرة الفومو في الأسواق المختلفة، وذلك على النحو التالي:

الشكل (1): أسعار أونصة الذهب خلال الفترة من 9 فبراير 2026 إلى 10 أغسطس 2026

(-) سوق الذهب: يُعتبر سوق الذهب من الأسواق التي تظهر فيها ظاهرة الفومو بشكل كبير، فقد أوضحت منصة Bullion Vault - التي يستخدمها 130 ألف شخص من 175 دولة - هذه الظاهرة، ففي الوقت الذي شهدت فيه أسعار الذهب انخفاضًا حادًا لم تشهده منذ ما يُقارب عقدين، لم يتجاوز الطلب على الذهب عمليات البيع الذي قام بها مالكو الذهب، إذ كان المستثمرون الذين اختاروا شراء الذهب لأول مرة خلال العامين الماضيين، والذين سجلوا أسعارًا قياسية، هم الأكثر ترجيحًا للبيع، لذا تحوّل الخوف من تفويت الفرصة لدى بعض مستثمري الذهب من السعي وراء ارتفاع الأسعار إلى الخروج من السوق؛ تحسبًا من استمرار انخفاضها.

ففي شهر يونيو 2026، انخفض سعر الذهب بنسبة 7.3% بالمقارنة بشهر مايو ليصل إلى 4238 دولارًا للأونصة، وذلك كما يوضح الشكل (1)، وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2025، وشهد متوسط سعر الذهب الشهري أكبر انخفاض في يونيو منذ أغسطس 2008، مُسجِّلًا انخفاضًا بنسبة 10.7%، ونتيجة لذلك ارتفع عدد المستثمرين الأفراد الذين اختاروا شراء الذهب عبر المنصة بنسبة 21.3%، بينما ارتفع عدد البائعين بنسبة 19.1% عن أدنى مستوى له في تسعة أشهر، وهو ما يبُرز الظاهرة.

الشكل (2): الطلب العالمي على الذهب خلال الفترة من الربع الثاني 2025 إلى الربع الثاني 2026-المصدر: مجلس الذهب العالمي

وبالمقارنة بين شكلي (1) و(2)، ستتضح ظاهرة الفومو في سوق الذهب بشكل كبير، إذ إنه في ظل ارتفاع الأسعار في الربع الأول من عام 2026، انخفض الطلب العالمي على الذهب من 1333.1 طن في الربع الرابع من عام 2025 إلى 1009.4 طن في الربع الأول من عام 2026، أي بنسبة 32.07% وهي نسبة ليست بالكبيرة في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الذهب في ذلك الوقت، ولكن بالمقارنة، وفي ظل انخفاض سعر أونصة الذهب خلال الربع الثاني من عام 2026، لم يشهد الطلب على الذهب ارتفاعًا واضحًا، بل انخفض إلى 941.8 طن، وهو الأمر الذي يعكس ظاهرة الفومو.

(-) سوق الأسهم: تبُرز ظاهرة الفومو في أسواق الأسهم، ففي التداول يُحفِّز الارتفاع الكبير في سعر السهم، دخول المستثمرين خوفًا من تفويت فرصة جني الأرباح الكبيرة، على الرغم أنه من المُفترض أن الأسواق المالية تُعتبر أنظمة عقلانية تعتمد على البيانات، ولكن يدفع الخوف من تفويت الفرص إلى اتخاذ قرارات سريعة وأحيانًا متهورة، إذ يغرق المتداولون في الرسوم البيانية، والأصول الرائجة، ومحتوى المؤثرين الذي يروجون للربح الكبير التالي، مما يُضخِّم حجم وسرعة النشاط المدفوع بالخوف من تفويت الفرص.

ويُمكن التدليل على هذه الظاهرة في سوق الأسهم أنه، في يوليو 2026، أشارت رويترز إلى أن صناديق أسهم الميم حققت مكاسب قوية بلغت نحو 35%، مع عودة المضاربات على الأسهم الصغيرة، ولكنّ كثيرًا من المستثمرين الذين لاحقوا الموجة انتهوا بخسائر، وهو ما يدل على أن ظاهرة الفومو قد تدفع المستثمر إلى الدخول بعد أن تكون الموجة قد قطعت جزءًا كبيرًا من صعودها، وكان الدافع الأساسي أن موجة الاهتمام على وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار "Save Wendy`s" خلقت إحساسًا لدى بعض المستثمرين بأنهم إذا لم يدخلوا سريعًا سيفوتهم الصعود.

وبالتالي، المستثمر لا يشتري السهم فقط؛ لأنه يرى أن قيمته العادلة مرتفعة، وإنما لأنه يرى السهم يرتفع أمامه، والآخرون يُحققوا مكاسب، فيخشى أن تفوته فرصة الربح، فيدخل بعد بدء الارتفاع، وهو ما قد يرفع الطلب والسعر بصورة متسارعة.

(-) سوق العملات الرقمية: تتجسد ظاهرة الفومو بشكل أسرع وأوضح في سوق العملات الرقمية، فإذا ارتفع سعر البيتكوين مثلًا من 60 ألف إلى 70 ألف دولار، ولاحظ المستثمرون على وسائل التواصل الاجتماعي أشخاصًا يتحدثون عن أرباحهم ويتوقعون وصولًا إلى 100 ألف دولار، فسيقوم بالشراء ليس بناءً على تقييم أساسي، وإنما بسبب الخوف من تفويت فرصة الربح.

ففي مارس 2026، ظهر أنه أثناء هبوط سعر البيتكوين المرتبط بالتوترات المتعلقة بالحرب في إيران، اشترى كبار حائزي هذه العملة عند الانخفاض، ثم باعوا جزءًا من مراكزهم مع ارتداد السعر إلى نحو 74 ألف دولار، بينما استمر بعض المستثمرين في الشراء عندما عاد السعر إلى ما دون 70 ألف دولار، وهو ما تم وصفه بالسلوك المُقلق؛ لأن المستثمر يدخل بعد الارتداد مدفوعًا بالرغبة في اللحاق بالصعود.

ومن الجدير بالذكر، أن عملة البيتكوين تعرضت لضغوط قوية، ففي أوائل أغسطس 2026 هبطت العملة بأكثر من 20 % خلال العام، وهو ما يوضح الجانب الآخر من الظاهرة، الذي يتمثّل في أن المستثمر الذي يدخل متأخرًا قد يتحوّل خوفه من فوات المكسب إلى خوف من الخسارة.

(-) سوق العقارات: إن الفومو العقاري يعني أن المشتري يشتري الآن خوفًا من أن يصبح العقار أغلى لاحقًا، وليس بالضرورة لأنه يحتاج العقار في الوقت الحالي، أو لأن السعر يعكس قيمته العادلة، وهو ما يعني أن توقُّع ارتفاع الأسعار يتحول إلى عامل يخلق طلبًا إضافيًا.

وفي مصر، خلال عام 2026، استمرت أسعار العقارات في الارتفاع، وإن كان بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة، مع استمرار الطلب الاستثماري والمضاربة، فعندما تعلن الدولة عن مشروعة بنية أساسية كبير، ترتفع توقعات المستثمرين بشأن المناطق المحيطة، فيُسارِع البعض إلى شراء وحدات قبل ارتفاع الأسعار المتوقع، وقد أشارت المنصة العقارية الرسمية إلى أن الإعلانات الحكومية عن مشروعات البنية الأساسية قد تؤدي إلى قفزات مضاربيه في أسعار العقارات القريبة.

في النهاية يُمكن القول إن ظاهرة الفومو هي ظاهرة اقتصادية تتسبب في عدم رشادة الأسواق المالية، فالتصحيحات التي يُفترَض على الأسواق أن تقوم بها بعد أوقات الاختلال المختلفة لا تحدث في بعض الأحيان؛ بسبب انتهاج بعض المستثمرين والأفراد لهذا السلوك العشوائي، ومن الناحية المستقبلية، يتطلب الأمر ظهور الخوف من خسارة الفرص Folo وهو قلق أكثر دقة يُركّز على مرونة المحفظة وإدارة المخاطر، بدلًا من السعي وراء كل فرصة، فإن فهم هذا التحوُّل أمر بالغ الأهمية لنجاح التعامل مع الأسواق برشاده وكفاءة.