تشهد أسواق الذهب اضطرابًا كبيرًا خلال هذه الفترة، إذ تراجعت بعد مستويات ارتفاع قياسية في نهاية عام 2025 وبداية عام 2026، وهو ما اُعتُبِر تصحيحًا كبيرًا لهذا السوق، الذي أصبح ملاذًا آمنًا للمستثمرين والأفراد، ما يتضح من ارتفاع الطلب على السبائك الذهبية دون المشغولات، وفي السوق المصري تنعكس هذه الحالة بشكل كبير، وتشغل اتجاهات هذه السوق تفكير العديد من المواطنين والمستثمرين.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على تطورات سوق الذهب على المستوى المحلي، ومدى ارتباط هذا التطور بالسوق العالمي للذهب، فضلًا عن توضيح سيناريوهات السوق.
تطورات السوق المحلي
يُمكن الاستدلال على تطورات سوق الذهب في مصر، ومدى ارتباطها بالسوق العالمي من خلال النقاط التالية:
(-) أسعار الذهب: يتضح من الشكل (1) أن أسعار الذهب في مصر شهدت مستويات قياسية، ثم تصححت هذه الأسعار بشكل نسبي، فأسعار الذهب لم تَعُد إلى ما كانت عليه قبل هذا الارتفاع المفاجئ، إذ ارتفع عيار 21 من 5820 جنيه في 1 يناير 2026 إلى 7176 جنيه في 28 يناير 2026، أي ارتفعت بنسبة 23.2%، ولكنها بعد هذا الارتفاع شهدت انخفاضًا إلى 6540 للجرام حتى وقت كتابة هذا التحليل، وذلك بالتوازي مع تحسُّن سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وانخفاض سعر الأونصة عالميًا.
(-) متغيرات حاكمة: تتحكم في سوق الذهب المصرية مجموعة من العوامل، التي تعمل على بلورة السعر النهائي للمواطنين، ومنها السعر العالمي للذهب، مشتريات البنوك المركزية، وسلوك المضاربين والتجار، وهي التي سيتم تناولها في النقاط الآتية:
(*) سعر الأونصة عالميًا: يؤثر سعر الأونصة بشكل كبير على سعر الذهب في الأسواق المحلية، فإذا ارتفع أو انخفض سعر أونصة الذهب، من المتوقع أن تشهد الأسواق المحلية نفس المسار، وإن كان بمعدلات مختلفة، ويوضح الشكل (2) تذبذب سعر الأونصة خلال الفترة التي يُحددها الشكل، إذ ارتفعت من 4949.4 دولار في 22 يناير 2026 إلى 5354.8 دولار في 28 يناير 2026، ثم انخفضت إلى قيم تتراوح من 4745.10 دولار إلى 4979.8 دولار، ثم شهدت ارتفاعًا طفيفًا فوق الـ 5000 دولار للأونصة خلال الفترة من 9 فبراير 2026 إلى 16 فبراير 2026، تخللها أيضًا انخفاضات طفيفة، حتى بلغت نحو 4931.60 دولار في 17 فبراير 2026.
ويُمكن تفسير هذا الهبوط العالمي في سعر الأونصة، بالمقارنة بما سجلته في 28 و29 يناير 2026، بحركة البيع الضخمة التي أعقبت خسائر الأسهم التكنولوجية، ففي بداية شهر فبراير حدث انخفاض حاد في أسهم شركات التكنولوجيا، ترتب عليه خسارة مئات المليارات من الدولارات، وهو ما حدث بسبب التخوفات من استثمار الشركات في الذكاء الاصطناعي دون تحقيق عوائد مجزية، مما ترتب عليه اتجاه المستثمرين نحو بيع كبير للذهب؛ باعتباره المكوِّن الرابح في محفظتهم الاستثمارية، لتغطية الخسائر، وهو ما يُطلق عليه "نداء الهامش"، فالذهب أصبح لبورصة "وول ستريت" الصراف الآلي.
ومن ناحية أخرى، لابد أن نُشير إلى الرافعة المالية (شراء أصل كبير بمبلغ قليل)، فتقليل هذه الرافعة لدى المستثمرين من 20 ضعفًا إلى 5 أضعاف مثلًا، يتطلب من المستثمر دفع أربعة أضعاف؛ لتغطية هذا الفرق، ولكن ما حدث واقعيًا أن مستثمري الذهب وضعوا تحوطًا لأي خسارة متوقعة (وقف الخسارة)، بأنهم أوضحوا على منصة التداول أنه عند انخفاض سعر الذهب عن قيمة معينة يتم البيع فورًا وفي نفس اللحظة، ولما كان كل المستثمرين يُحددوا هذه النقطة عند نفس المستوى، فقد حدث البيع الجماعي؛ للهروب من الخسارة، ومن ثم حدث الهبوط المفاجئ لسعر الذهب على المستوى العالمي، ومن ثم على المستوى المحلي.
ويُمكن الاستدلال على ذلك من أن بورصة شيكاغو غيَّرت القوانين ورفعت الضمانات المطلوبة، كما أن شركة أوغندا للتداول أعلنت خفض الرافعة المالية من 20 ضعفًا إلى 5 أضعاف، بالإضافة إلى أن الفائدة المفتوحة أو عدد العقود النشطة انخفضت بشكل حاد، مما ترتب عليه انخفاض السيولة من 3 إلى 4 مليارات دولار في يوم واحد؛ بسبب نداءات الهامش، وهو ما حدث لتنقية سوق الذهب من المُقامرين بالديون؛ من خلال إجبار كبار المستثمرين على البيع، وهو ما يُفسر التذبذب الحالي في سوق الذهب حتى يستوعب القوانين الجديدة.
(*) مشتريات البنوك المركزية من الذهب: تُعد مشتريات الذهب من قِبل البنوك المركزية مُحدِدًا رئيسيًا لاتجاهات سعره، فقد واصلت البنوك المركزية زيادة حيازتها من الذهب خلال عام 2025، ولكن بقدر أقل من عام 2024، وتُشير تقديرات مجلس الذهب العالمي إلى زيادة بمقدار 863 طنًا خلال العام، بالمقارنة بـ 1092 طنًا في عام 2024، ولكن سيستمر زخم الشراء في عام 2026، فقد رفع البنك الصيني إجمالي الاحتياطيات من الذهب إلى نحو 74.19 مليون أونصة بنهاية شهر يناير 2026، بزيادة تُقارب 40 ألف أونصة عن ديسمبر 2025.
(-) سلوك تجار الذهب: يتسبب سلوك تجار الذهب في مصر في نقل الزيادة في سعر الأونصة بشكل مضاعف إلى السوق المحلي، ومنها أن التجار يعتمدوا على سياسة تسعير تعتمد على "الدولار التحوّطي" أعلى من السعر الرسمي؛ لضمان قدرتهم على استيراد الذهب مجددًا، فالأسواق تشهد ارتفاعات قياسية؛ نتيجة الربط المباشر بسعر صرف غير رسمي أعلى في بعض الأحيان، كما أن التجار اتجهوا إلى وقف تسعير الذهب مع الانخفاض العالمي المفاجئ، وهو الأمر الذي يترتب عليه انخفاض سعر الذهب في مصر بمعدل أقل من انخفاضه عالميًا.
وفي هذا السياق، يلعب سلوك التجار والمضاربين دورًا محوريًا في تشكيل الاتجاهات قصيرة الأجل داخل السوق المصري. إذ تتسم السوق المحلية بحساسية مرتفعة للتوقعات، إذ يدفع ترقب ارتفاع الأسعار بعض التجار إلى تقليل المعروض بغرض تعظيم هوامش الربح، وهو ما يؤدي إلى زيادات سعرية تفوق في بعض الأحيان الأساسيات الفعلية المرتبطة بالسعر العالمي وسعر الصرف.
كما يُعزز نشاط المضاربة، سواء من قبل الأفراد أو بعض الكيانات التجارية، من حدة التقلبات، خاصةً في ظل اعتبار الذهب من قبل شريحة واسعة من المصريين أداة ادخار وتحوّط ضد التضخم وتآكل القوة الشرائية، وليس مجرد سلعة استهلاكية.
اتجاهات السوق
يُمكن توقُّع مجموعة من الاتجاهات حول سوق الذهب في مصر؛ في ضوء السياق العالمي والمحددات المحلية من خلال النقاط التالية:
(-) تأرجُح معتدل خلال الربع الأول 2026: يُشير هذا الاتجاه إلى أن أسعار الذهب في مصر ستستمر في آلية التأرجُح المُعتدل خلال ما تبقى من الربع الأول من عام 2026، بمعنى أنها قد تشهد انخفاضًا أو ارتفاعًا بنسبة ضئيلة، الأمر الذي يُرجِّح أن السوق من المُحتمل ألا تشهد مستويات ارتفاع قياسية، أو هبوطًا شديدًا في أسعار الذهب، وهو ما يتماشى مع توقعات السوق العالمية بأن سعر الأونصة سيتحرك بالقرب من 5000 دولار، على أن يغلُب التحرك لأسفل، أي الانخفاض، ثم الارتفاع فوق الـ 5000 دولار بمقدار بسيط، ففي مارس 2026 من المتوقع أن يصل سعر الأونصة إلى نحو 5055 دولارًا.
(-) ارتفاع متوسط في الربع الثاني 2026: ستشهد نهاية الربع الأول في مصر فترة موسمية لسعر الذهب، وهو عيد الفطر المبارك، والذي يرتبط بحفلات زفاف وخطوبة، وهو الأمر الذي يزيد الطلب على الذهب، ومن ثم ارتفاع أسعاره، ولكن بشكل مستقر في الربع الثاني، دون حدوث موجات تصاعدية كبيرة، ولكن إذا نتج عن اجتماعات الفيدرالي في مايو ويونيو ويوليو انخفاض في سعر الفائدة، سيضغط ذلك على سعر الأونصة، ومن ثم على سعر الذهب في مصر.
(-) ارتفاع كبير في الربع الثالث والرابع من عام 2026: يحمل كل من الربع الثالث والرابع من عام 2026، سيناريوهات أكثر صعودًا في سعر الذهب، خاصةً إذا ظهرت توترات جيوسياسية جديدة، إذ تتوقع مؤسسات مثل JPMorgan احتمال وصول سعر الأونصة إلى 6300 دولار في نهاية عام 2026.
وعليه يُمكن القول، إنه في ضوء التوقعات العالمية الإيجابية لأسعار الذهب خلال عام 2026، يتضح أن السوق المصرية ستظل مرتبطة بشكل وثيق بالاتجاهات الدولية، لكنها في الوقت ذاته ستخضع لمجموعة من المحددات المحلية، التي قد تُضخِّم من أثر هذه الاتجاهات أو تحِدُّ منها.
وبناءً عليه، فإن الاتجاه العام لسوق الذهب في مصر، خلال الأرباع القادمة من عام 2026، يُرجح أن يظل مائلًا نحو الارتفاع أو الاستقرار عند مستويات مرتفعة، مدفوعًا أساسًا بالاتجاهات العالمية، ولكن مع احتمالات حدوث تقلبات أعلى نسبيًا نتيجة العوامل المحلية، وعلى رأسها تحركات سعر الصرف وسلوك التجار والمضاربين.
من ثم، فإن مستقبل سوق الذهب المصرية لن يتحدد فقط وفق المسار العالمي، بل وفق التفاعل المركَّب بين العوامل الدولية والمحلية، وهو ما يجعل من الضروري قراءة السوق في إطار شامل يجمع بين المتغيرات النقدية العالمية، والظروف الاقتصادية المحلية، والسلوكيات السوقية الداخلية.