أصبحت قضية الأموال الإيرانية المُجمَّدة واحدة من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، إذ لم تعد مجرد قضية مالية، بل تحولت إلى ورقة تفاوضية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية، فلا يزال الجدل قائمًا بشأن آلية الإفراج عنها، وهل ستكون تحت رقابة أمريكية أم ستصبح تحت التصرف الإيراني الكامل؟
في هذا السياق، تثار العديد من التساؤلات مثل: ما مستقبل التأثير السياسي والاقتصادي للأموال الإيرانية المُجمَّدة؟ وهل يتعدى هذه التأثير الحدود الإيرانية؟ وهل لا يزال الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران حول مدى إمكانية استخدام إيران أموالها المُجمَّدة باستقلالية مستمرًا؟
تقديرات متباينة
تختلف التقديرات بشأن إجمالي الأموال الإيرانية المُجمَّدة، فبينما تؤكد طهران أنها تتجاوز 100 مليار دولار، تشير تقديرات أخرى إلى أن القيمة الفعلية أقل من ذلك، مع اتفاق عام على أن عشرات المليارات لا تزال مُقيَّدة في دول مثل الصين والهند والعراق واليابان وقطر ولوكسمبورج وغيرها، وبصفة عامة تنقسم الأموال الإيرانية المُجمَّدة إلى نوعين رئيسيين:
(*) أموال خارجية: وهي عائدات صادرات النفط والغاز والأصول المالية المحتجزة في بنوك أجنبية بسبب العقوبات الأمريكية والدولية.
(*) أموال مُجمَّدة داخليًا بصورة غير مباشرة: وهي أصول وسيولة داخل الاقتصاد الإيراني أصبحت غير قابلة للاستغلال الكامل نتيجة العقوبات على البنوك، وعزل النظام المالي الإيراني، وصعوبة تحويل الأموال أو استخدامها في التجارة الدولية.
وبالتالي فإن الأزمة الناتجة عن الأموال المُجمَّدة في إيران لا تتعلق فقط بحجم الأموال، وإنما أيضًا بإمكانية استخدامها عبر القيود المفروضة عليها لتؤثر على حركتها داخليًا وخارجيًا.
تفاؤل اقتصادي حذر
يأتي هذا التفاؤل من الجانب الإيجابي لمستقبل استخدام الأموال الإيرانية المُجمَّدة، فإذا أُفرِج عن جزء معتبر من هذه الأموال، فمن المتوقع أن تشهد إيران عدة آثار إيجابية، يأتي في مقدمتها: تحسن احتياطيات النقد الأجنبي، ما يعزز قدرة البنك المركزي على دعم العملة المحلية، فضلًا عن تخفيف الضغوط التضخمية عبر زيادة المعروض من العملات الأجنبية، بالإضافة إلى توفير تمويل لواردات الغذاء والدواء والمواد الخام للمصانع، هذا بالإضافة إلى دعم الإنفاق الحكومي وتقليص عجز الموازنة، واستعادة جزء من ثقة المستثمرين المحليين والأسواق المالية.
لكن معظم الخبراء يرون أن هذه المكاسب ستكون محدودة إذا لم تُرفع العقوبات البنكية والنفطية بشكل أوسع، لأن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار القيود على حركة الأموال وليس فقط في الإفراج عنها.
كما أن هناك من يرى أن تلك الأموال المُجمَّدة وحدها لا تكفي لإنقاذ الاقتصاد الإيراني، فرغم ضخامة الأرقام يعاني الاقتصاد الإيراني من مشكلات هيكلية، منها: العقوبات المصرفية، وضعف الاستثمار الأجنبي، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الإنتاجية، وهروب رؤوس الأموال.
وأدى ذلك كله إلى انخفاض الثقة في البيئة الاقتصادية الإيرانية، لذلك فإن الإفراج عن الأموال الإيرانية المُجمَّدة قد يوفر سيولة مؤقتة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية في إيران ما لم يترافق مع هذا الإفراج إصلاحات اقتصادية ورفع أوسع للعقوبات.
مكسب سياسي
يشير التأثير السياسي الداخلي للأموال المُجمَّدة إلى إمكانية توظيفها والاستفادة منها في إيران، لذلك يمثل الإفراج عن الأموال المُجمَّدة مكسبًا سياسيًا مهمًا للقيادة الإيرانية في الوقت الراهن لأنه يمنح الحكومة مساحة أكبر لامتصاص الضغوط الاقتصادية، ويقلل احتمالات الاحتجاجات المرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية، ويعزز موقف التيار المؤيد للتفاوض مع الغرب، ويوفر موارد إضافية لتنفيذ برامج الدعم الاجتماعي.
وفي المقابل، فإن استمرار تجميد الأموال الإيرانية يزيد الضغوط الشعبية على النظام ويضعف الثقة في قدرة الحكومة الحالية على تحسين الاقتصاد، فمن المتوقع أن تتزايد هذه الضغوط بعد انتهاء المفاوضات مع واشنطن التي أسهمت حربها على إيران في تحقيق المزيد من تماسك جبهتها الداخلية -حتى ولو كان شكليًا كما يرى بعض المحللين- انطلاقًا من أهمية مواجهة العدو الخارجي أولًا، ثم تصعيد المطالب الداخلية للشعب الإيراني في وجه الحكومة والنظام السياسي بأكمله بعد التعامل مع خطر هذا العدو.
تأثير خارجي متعدد
يمكن رصد أهم أبعاد تأثير الإفراج عن الأموال المُجمَّدة خارجيًا على النحو التالي:
(&) مسار المفاوضات الحالية بين واشنطن وطهران: تمثل الأموال المُجمَّدة أحد أهم أدوات الضغط الأمريكية، ولذلك فإن الإفراج عنها غالبًا ما يكون مشروطًا بخطوات إيرانية في ملفات مثل: البرنامج النووي، وأمن الملاحة، والعلاقات الإقليمية، والالتزام ببنود أي اتفاق سياسي.
ولهذا أصبحت الأموال المُجمَّدة بمثابة حوافز تفاوضية أكثر منها مجرد أصول مالية، وفي هذا الصدد يُشار إلى التصريحات الأمريكية المتضمنة أن أي إفراج سيكون تدريجيًا ومرتبطًا بتحقيق مراحل محددة، بينما تؤكد إيران أنها صاحبة القرار النهائي في كيفية استخدام الأموال، وهو ما يعكس استمرار الخلاف بين الطرفين.
ويتأكد هذا التأثير مع استمرار الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران حول مدى إمكانية استخدام إيران أموالها المُجمَّدة باستقلالية وحرية، فالموقف الأمريكي يؤكد أن الأموال ستستخدم عبر آليات رقابية ولأغراض إنسانية، مع تحويل المدفوعات مباشرة إلى الموردين وليس إلى الحكومة الإيرانية، أما إيران فتؤكد أن الأموال حق سيادي، وأنها وحدها صاحبة القرار في كيفية إنفاقها بعد الإفراج عنها.
وهذا الخلاف يعكس أن الملف لا يزال سياسيًا بامتياز، ففي ظل هذا الخلاف لا يزال التفاوض مستمرًا بين الجانبين الأمريكي والإيراني حول الإفراج المرحلي عن أجزاء من الأموال المُجمَّدة، مع تداول تقديرات عن إمكانية الإفراج عن دفعات أولية تتراوح بين 6 و12 مليار دولار أو أكثر ضمن ترتيبات تدريجية، بينما لا تزال الولايات المتحدة تؤكد أن أي تحويل للأموال سيظل مشروطًا بالالتزام بالاتفاقات، في حين تصر إيران على أن الأموال يجب أن تكون تحت سيادتها الكاملة.
(&) أسواق النفط العالمية: قد يؤدى الإفراج التدريجي عن الأموال الإيرانية المُجمَّدة إلى زيادة قدرة إيران على تصدير النفط، وارتفاع الاستثمارات في قطاع الطاقة الإيراني، وبالتالي تحقيق استقرار نسبي في أسواق النفط العالمية إذا اقترن بتخفيف العقوبات على إيران مع تراجع جزء من المخاطر الجيوسياسية في الخليج، لكن هذا التأثير سيظل مرتبطًا بمدى نجاح الاتفاقات السياسية واستمرارها بين الجانبين الأمريكي والإيراني.
وفي النهاية، يمكن القول إن الأموال الإيرانية المُجمَّدة لم تعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبحت أحد أهم مفاتيح التوازن بين الضغوط والعوائد في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، فهي بالنسبة لطهران تمثل شريانًا ماليًا يمكن أن يخفف من حدة الأزمة الاقتصادية ويمنح النظام مساحة سياسية أوسع لتحقيق المطالب الشعبية وتحسين الأحوال المعيشية، بينما تنظر واشنطن لهذه الأموال باعتبارها أداة ضغط فعالة لضمان تنفيذ إيران للالتزامات الأمنية والنووية، ومن ثم فإن التأثير الحقيقي لهذه الأموال لن يتحدد فقط بحجم ما يُفرج عنه، وإنما بمدى اقتران ذلك بتسوية سياسية شاملة ترفع القيود المالية وتعيد دمج الاقتصاد الإيراني تدريجيًا في النظام المالي العالمي.