تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في الأيام الأخيرة أخطر مرحلة منذ اندلاع الحرب بينهما 28 فبراير 2026، إذ انتقلت خلال اليومين الماضيين من مرحلة "الردع المتبادل" إلى ما يمكن وصفه بـمرحلة "التصعيد المتزايد". فقد ترافقت الضربات الأمريكية الجديدة مع ردود إيرانية استهدفت مواقع مختلفة في الخليج والأردن، بينما استمرت في الوقت ذاته رسائل سياسية متناقضة من الجانبين تؤكد الاستعداد للتفاوض رغم استمرار العمليات العسكرية المتبادلة بينهما.
وفي هذا السياق، تثار العديد من التساؤلات؛ مثل: هل يمكن أن تتوسع المواجهة الراهنة بين واشنطن وطهران إلى موجة ثالثة جديدة من الحرب بينهما؟ ولماذا يصعد الطرفان في هذا التوقيت؟ وإلى أي مدى يمكن استكمال المفاوضات بين الطرفين لإنجاز ما تم الاتفاق عليه في الاتفاق الإطاري بينهما؟
تطورات متسارعة
شهدت الأيام والساعات الأخيرة عدة تطورات مهمة على مسار التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران رغم توقيع الاتفاق الإطاري بينهما، والذي بشَّر المنطقة والعالم بإمكانية عودة الاستقرار لإقليم الشرق الأوسط في ظل تفاؤل -ولو كان حذرًا لدى البعض- بإمكانية احتواء هذا التصعيد. فقد شنَّت الولايات المتحدة موجة جديدة من الضربات على أهداف عسكرية إيرانية ردًا على هجمات استهدفت مصالح أمريكية في الخليج، هذا فضلًا عن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار السابق أصبح منتهيًا، مع تأكيده في الوقت نفسه أن واشنطن وافقت على استئناف المحادثات بعدما طلبت إيران مواصلة التفاوض. ويتزامن ذلك مع استمرار التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن أي اعتداء سيقابل برد مباشر، مع التلويح بإمكانية توسيع نطاق الرد إذا استمرت الضربات الأمريكية.
وقد ترتب على هذه التطورات المتسارعة بعض الانعكاسات الدولية والإقليمية، فمع استمرار التصعيد الحالي استمر تقلب أسعار النفط مع بقاء المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، وهو ما يعنى أيضًا استمرار القلق في أسواق المال العالمية، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي في دول الخليج، وارتفاع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي لديها.
أسباب مفسِّرة
يمكن تفسير موجة التصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة بالأسباب أو الاعتبارات الخمس التالية:
(*) تحسين شروط التفاوض الحالي: يحاول كل طرف الدخول إلى أي مفاوضات مقبلة وهو في موقع قوة، فالولايات المتحدة تريد فرض معادلة جديدة تحد من البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، بينما تريد إيران إثبات أنها لا تزال قادرة على إلحاق خسائر بالمصالح الأمريكية رغم الضربات التي تعرضت لها.
(*) استعادة الردع: تعد واشنطن أن أي هجوم إيراني دون رد قوي منها سيشجع طهران على شن المزيد من الهجمات، وفي المقابل ترى طهران أن عدم الرد سيضعف هيبتها داخليًا وإقليميًا.
(*) الاعتبارات الداخلية: يواجه ترامب ضغوطًا سياسية واقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي، ولذلك يسعى لإظهار الحزم العسكري دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد يدفع ثمنها غاليًا في انتخابات التجديد النصفي القادمة.
أما القيادة الإيرانية فتواجه ضغوطًا داخلية تجعل من الصعب عليها تقديم تنازلات كبيرة دون الحفاظ على صورة الصمود التي رسمتها هذه القيادة منذ اللحظات الأولى لحربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل سواء في حرب الإثني عشرة يومًا أو في حرب الأربعين يومًا.
(*) محاولة السيطرة أو زيادة التأثير في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط: أصبح أمن الخليج ومضيق هرمز جزءًا أساسيًا من الصراع المتصاعد بين واشنطن وطهران لأن أي تعطيل للملاحة ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، لذلك يسعى طرفا الصراع إلى استخدام هذه الإمدادات كنقطة قوة في صالحه ضد الطرف الآخر.
(*) إرسال رسائل طمأنة للحلفاء: فالولايات المتحدة تطمئن شركاءها خاصة إسرئيل على قدرتها على ردع إيران بل وإخضاعها لشروطها الأقرب للاستسلام، بينما تسعى إيران إلى التأكيد خاصة لدى أذرعها الإقليمية أن قدرتها على ردع القوة العسكرية للولايات المتحدة لا تزال قائمة بما يعزز حالة الصمود لديهم والبقاء إلى جانبها في المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة.
سيناريوهات محتملة
في ضوء ما سبق، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات تحدد المسارات المحتملة للتصعيد الراهن بين إيران والولايات المتحدة في الفترة المقبلة، ويمكن تحديد هذه السيناريوهات في ما يلي:
(&) السيناريو الأول (العودة إلى التفاوض بين إيران والولايات المتحدة): هو السيناريو الأكثر احتمالاً، فبعد عدة ضربات متبادلة محدودة قد يعود الطرفان إلى المفاوضات عبر وسطاء إقليميين، ويدعم هذا السيناريو استمرار الرسائل الأمريكية والإيرانية التي لم تغلق باب الحوار نهائيًا.
(&) السيناريو الثاني (استمرار التصعيد المحسوب بين إيران والولايات المتحدة): يشمل هذا السيناريو احتمال استمرار الضربات الأمريكية المتقطعة، وردود إيرانية عليها عبر الصواريخ أو الطائرات المُسيَّرة أو الوكلاء، ومحاولة زيادة السيطرة على خطوط الملاحة في مضيق هرمز للتأثير على إمدادات الطاقة، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير.
(&) السيناريو الثالث (الحرب الإقليمية الواسعة بين إيران والولايات المتحدة): قد يحدث هذا السيناريو إذا وقعت بعض الأعمال التصعيدية التي تشمل: سقوط أعداد كبيرة من العسكريين الأمريكيين أو استهداف منشآت نفطية خليجية بصورة واسعة أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز أو دخول أطراف إقليمية جديدة بصورة مباشرة.
ويظل هذا السيناريو هو الأقل احتمالًا، فرغم ارتفاع مستوى التصعيد في الوقت الراهن بين إيران والولايات المتحدة، لا يزال الطرفان يحاولان تجنب حرب واسعة، ويتأكد ذلك في ظل العديد من المؤشرات التي يأتي في مقدمتها: استمرار الاتصالات الفنية والدبلوماسية بين الجانبين رغم الضربات العسكرية المتبادلة، وهناك أيضًا تصريحات أمريكية التي تؤكد على أن باب التفاوض لم يُغلق بالكامل، فضلًا عن عدم استهداف البنية الاقتصادية الإيرانية بصورة شاملة حتى الآن، كذلك لم يتم حتى الآن الإعلان عن تعبئة عسكرية أمريكية واسعة على غرار الحروب التقليدية.
ويتبيَّن مما سبق، أن الطرفين يستخدمان القوة العسكرية كوسيلة ضغط سياسية أكثر من كونها مقدمة لحرب مفتوحة بينهما لحسم الخلافات الممتدة لعقود عبر القوة العسكرية.
وفي النهاية، يمكن القول إن الأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة تمر بمرحلة دقيقة يتداخل فيها التصعيد العسكري المتزايد مع المسار الدبلوماسي المتعثر، فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض قواعد اشتباك جديدة وإجبار إيران على تقديم تنازلات في المفاوضات غير المحسومة في أغلب الملفات، بينما تحاول الأخيرة إثبات قدرتها على الرد دون الانجرار إلى مواجهة شاملة تستنزفها.
وفي ضوء التصريحات والتحركات الأخيرة، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا إزاء هذه الأزمة هو استمرار التصعيد المحدود خلال الأيام وربما الأسابيع المقبلة، وقد يتخلل هذا التصعيد تفاوض غير مباشر عبر الوسطاء، مع بقاء خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائمًا إذا وقع خطأ في الحسابات أو أدت إحدى الهجمات المتبادلة بين الطرفين إلى خسائر كبيرة يصعب احتواؤها من جانب أحدهما.